صوت وصورة

نشأت التنظيمات الدينية المتطرفة على بعض تعاليم ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من علماء الإسلام الذين فسروا الدين وفندوه بناء على فهمهم الخاص، فأخذوا عنهم بعض الفتاوى المتعصبة كحجج لإعمالهم الإجرامية، ثم عملوا على تفسير الآيات والأحاديث وفق منهجهم الخاص لإضافة صبغة دينية على أعمالهم بغرض تصديرها للمجتمع تحت غطاء الإسلام لكسب التعاطف.
ورغم وحدة مصادر التشريع الإسلامية، واعتبار القرآن والسنة النبوية كمرجع أساسي للأحكام والتفسيرات، إلا أنه ظهر قسمين من رجال الدين، قسمٌ متعصب يروج نفسه كممثلٍ للدين يُحلل ويُحرم ويُصِّدر فتاوى بما يتناسب مع أيدولوجيته المتطرفة، وقسمٌ مُعتدلٌ آخر يرفض ربط الأعمال الإجرامية بالدين، وأخذ على عاتقه مهمة محاربة التنظيمات المتطرفة دينياً بالدين، لكشف زيف الادعاءات، معتمدين على قوله تعالى: “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا”، ولم يقل سبحانه وتعالى لتتقاتلوا.
أسامة السعيد، خطيب وإمام من مدينة إدلب، عمل في الدعوة الإسلامية والخطابة قرابة 15 عاماً، كانت الناس تستشيره في أمور الدين والحياة، وكان الملجأ للكثير، ويتبعه المئات من المسلمين في المدينة، بل وحتى المسيحيين في حيه كانوا يستشيرونه أيضاً. ساعد الشيخ أسامة الفرق التطوعية ومنظمات المجتمع المدني بتأمين الاحتياجات الضرورية لأهل المدينة، كما وزّع مع العديد من رجال الدين المعتدلين السلال الغذائية على المحتاجين، فكان الجميع يتقبل العاملين ويتعاونون معهم لوجود الشيخ أسامة وأصدقاءه من المشايخ الآخرين، لأنهم معتادون عليهم في حياتهم اليومية، ويثقون بهم.
لكن مع انتشار جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في سوريا، وفصائل صغيرة ضمت متطرفين آخرين في المدينة، عمل هؤلاء المتطرفون على محاولة نشر فكرهم المتطرف، إلا أنهم قوبلوا بالرفض من المجتمع الذي تربى لأجيال على تعاليم الدين الإسلامي المعتدل التي جاء بها الشيخ أسامة وأساتذته وزملاؤه من رجال الدين، فلم يستجب الأهالي لدعوات المتطرفين ونبذوهم من بينهم، إلا أن المتطرفين حاولوا ما بوسعهم، فاحتلوا الجوامع ووضعوا أئمة وخطباء من قبلهم، كما أنهم منعوا العديد من الشعائر الدينية بحجة مخالفة الدين، وطردوا الأئمة والخطباء أمثال الشيخ أسامة من المعتدلين، ويعلق الشيخ اسامة قائلاً: “حاولت في البداية التفاهم معهم، إلا أنني وجدت أن التفاهم معهم مستحيل، فهم لا يناقشون بالحجة والمنطق، ولا يعرفون سوى القوة في فرض رأيهم على الجميع، ويرون أنهم الحق وغيرهم على باطل، حاولوا فرض مواضيع خطب الجمعة علي، إلا أنني رفضت ذلك، وعندما ضاقوا ذرعاً بي، عزلوني من الخطابة والإمامة، وأجبروني على الخروج من بيتي الذي أسكن فيه منذ سنين لأنه وقف للمسجد”.
إلا أن هذا الأمر لم يمنع الشيخ أسامة وأمثاله من متابعة الدعوة إلى تعاليم الدين المعتدل، إذ حارب رجال الدين المعتدلين الفكر المتطرف، وقوبلوا بالتهديد والوعيد، واعتقلت التنظيمات المتطرفة العديد منهم، ويضيف الشيخ أسامة: “أرسلوا لي التهديد والوعيد، إلا أنني استمريت في الدعوة إلى الإسلام الصحيح، وكلما سمعت برغبة أحد الشباب بالانضمام لصفوفهم، حاول التحدث معه، وثنيه عن قراره بطرق غير مباشرة، لأنهم قد يقتلوني إذا عرفوا أنني أقف في وجههم”.
دفعت ممارسة تنظيم جبهة النصرة رجال الدين المعتدلين إلى الهرب من مناطق نفوذهم، ولجئ بعضهم إلى تركيا، إلا أنهم تابعوا الدعوة عن طريق الإنترنت، وبقي تواصل العديد من رجال الدين المعتدلين مع أهل مدينتهم وقراهم بشكل دائم، واستمر الأهالي باستشارتهم في كل جوانب الحياة، كما امتنع الأهالي من إرسال أبنائهم إلى أماكن تجمع دعاة التطرف رغم كل المغريات التي قدمها المتطرفين من المال والسلطة لمن ينضم معهم.
ويتحدث رائد الحسن من مدينة إدلب، أخصائي في دراسة الجماعات المتطرفة، عن دور رجال الدين المعتدلين ووسائلهم في محاربة الفكر المتطرف، فيقول: “كثيرٌ من رجال الدين من دول وجنسيات مختلفة وبلغات عدة، لديهم الآلاف الفيديوهات على الانترنت، ومئات المقالات الدينية النابذة للتطرف، هذا الأمر سمح لهم بالانتشار أمام من يطلبهم، بل إن العديد من الحكومات والمؤسسات أخذت تروج لهم على الإنترنت في مناطق سيطرة المتطرفين ليضمنوا وصول أصوات المعتدلين إلى الخاضعين لحكم المتطرفين بالإكراه، كي لا يقعوا في براثن التطرف ويلتحقوا بصفوفهم، وهذا كان له في الحقيقة أثر إيجابي كبير في مكافحة التطرف”.
ويرى الدكتور فاروق حمادة مدير جامعة محمد الخامس في أبو ظبي: “إن كثيراً من أشكال العنف المتنامي تستند خطأً إلى بعد ديني وفكرة سماوية مآلها النصر أو الشهادة، وأن أول ما ينبغي فعله هو تجريد هذه التيارات الإرهابية من هذا البعد وإعادة هذه المفاهيم إلى دلالتها الصحيحة، فالأديان كلها ولا سيما الدين الإسلامي ما جاءت إلا للحفاظ على النفس والإنسان وما ينتسب إليه من مالٍ وأهلٍ وذرية، وترقية للبشر وفتح طريق الازدهار أمامهم.”
من جانب آخر يقول الدكتور شادي عبدالوهاب، رئيس وحدة الدراسات الأمنية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي أن هناك سبلاً عديدة يمكن بها مواجهة الأفكار المتطرفة، منها التعليم الديني الصحيح، من خلال تنشئة الجيل على إدراك حقيقة أن اختلافاً كبيراً بين نصوص القرآن الكريم، والتفسير البشري لكلام الله، ففي حين أن كلام الله لا يشوبه أي خطأ، فإن تفسير البشر لكلام الله، قد يكون صحيحاً أو يجانبه الصواب، والتوعية بأن بعض المنتمين للدعوة يقومون بتحريف تفسير آيات الله، لتحقيق أغراض لا تتفق مع الإسلام، ولا تهدف سوى إلى الإفساد في الأرض باسم الدين، ولذلك يجب أن يكون الطالب ملماً بمفاهيم مثل الاجتهاد، ومن يحق له إصدار الفتوى”.
ويؤكد عبد الوهاب أهمية إلقاء الضوء على التناقض ما بين أقوال الجماعات الإرهابية وممارستهم العملية، فعلى سبيل المثال، فإن داعش يروج لنفسه باعتباره يخوض معركة آخر الزمان ضد الكفار، ويؤكد على ذلك من خلال سيطرته على مدينة دابق السورية، باعتبارها المدينة التي سوف تشهد المعركة الفاصلة ما بين قوات المسلمين والكفار حسب ادعاءات التنظيم، ولكن هزيمة داعش وطرده من مدينة دابق يكشف، في جانب منه، عن زيف ادعاءاته.
إن المجتمعات بكافة مؤسساتها مسؤولة عن مكافحة الإرهاب والتطرف في الدين والتصدي له، وبقدر ما يقع على المؤسسات الأمنية من التزامات فإن المؤسسات الدينية تتحمل مسؤولية كبرى عن بناء المفاهيم الصحيحة، وتبيان الحلول والتدابير المناسبة لمواجهتها ومحاصرتها، ومعالجة آثارها في المجتمع. كما أن العاملين في الحقل الاسلامي لا يعفون من المسؤولية، وواجبهم اليوم أكبر من أي وقت مضى، أن يستخلصوا العبرة من أحداث الأمس، وأن يعدوا العدة لمتطلبات الغد، وهي متطلبات كثيرة، وأن يسلموا بمحاسبة النفس ونقد الذات حتى يستكملوا النقص، ويصححوا المسيرة، ويسيروا على وعي وبصيرة، بعيدين عن التطرف والغلو والتنطع والتشدد والتفريط في أمور الدين.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.