صوت وصورة

مع سيطرة تنظيم داعش على مناطق واسعة من سوريا و العراق، و انضمام عدد كبير من المقاتلين له، سواء المحليين أو الأجانب، بدأ علماء الاجتماع و مختصي مكافحة التطرف بدراسة العوامل التي ساعدت التنظيم على جذب المقاتلين من مختلف انحاء العالم، و كان العامل الاقتصادي هو العامل الأول الذي بدأت دراسته، إلا أن الاحصائيات جاءت مغايرة للنتائج المتوقعة، فقد اعتقدوا أن الفقر و الأمية هما العاملين الرئيسيين لانضمام المقاتلين للتنظيم، و لكن البنك الدولي أصدر دراسة تُظهر أن المجندين في صفوف داعش ليسوا فقراء ولا أميين، بل شباب في ربيع العمر وبمستويات تعليمية فاقت المتوقع، لكن الدراسة أغفلت المقاتلين المنضمين للتنظيم من المناطق التي تم السيطرة عليها، وركزت على المقاتلين الأجانب لسهولة الحصول على خلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية .
جاءت سيطرة التنظيم على شرق سوريا و غرب العراق بوقتٍ كانت المنطقة تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، فالشرق السوري خرج عن سيطرة نظام الأسد قبل سيطرة تنظيم داعش بمدة طويلة، الأمر الذي أدى لحرمان عدد كبير من الموظفين من رواتبهم بعد رفع نظام الأسد يده عن هذه المناطق، و ساهم الانخفاض الكبير الذي تعرضت له الليرة السورية بزيادة الأوضاع سوءاً، و تفاقمت الأزمة الاقتصادية بعد استهداف نظام الأسد للمناطق الخارجة عن سيطرته، الأمر الذي خلق أزمة نزوح كبيرة ضغطت على البنى التحتية و خلقت أزمة في فرص العمل. جميع هذه العوامل تظافرت بالضغط على الطبقة المتوسطة، مسببةً ارتفاع أعداد الواقعين تحت خط الفقر، مما دفع المدنيين لخلق فرص عمل جديدة مرتبطة بالمنطقة، كالعمل في المجال النفطي من تجارة و تكرير و نقل، إلا أن تنظيم داعش و بعد سيطرته على المنطقة حصر العمل في هذه المجالات بيده فقط، بالإضافة لفرض الزكاة و الضرائب على المدنيين و اعفاء عناصره منها، في محاولة مبطنة منه لجذب المقاتلين المحليين للاستفادة من الميزات المقدمة لعناصره.
يتحدث عبد العزيز السلامة الطالب جامعي من ريف دير الزور الشرقي عن انقطاعه عن الدراسة الجامعية بعد خروج المدينة من سيطرة نظام الأسد، واضطراره البحث عن عمل لإعالة اسرته، ويضيف السلامة: ” لم أكن أملك أي حرفة في يدي تساعدني على إيجاد عمل، وليس لدي شهادة تساعدني، الأمر الذي دفعني للعمل في تكرير النفط الخام، كونه لا يحتاج إلى خبرة سابقة أو شهادة، فبدأت العمل مع شخص آخر كمساعد له في تصفية النفط الخام و فرزه لمنتجاته من بنزين و مازوت و مشتقات أخرى، كان العمل صعب جداً، فالتكرير كان يتم بطريقة بدائية لا تتوفر فيها أي شروط للسلامة، ولكن الظروف أجبرتني على هذا العمل، و بعد فترة بدأت العمل لصالح نفسي بعد أن اكتسبت الخبرة للقيام بالعمل بمفردي “.
و يكمل عبد العزيز عن عمله بعد سيطرة تنظيم داعش على المنطقة : ” بعد أن سيطر تنظيم داعش على منطقتي استمر العمل على حاله في بداية الأمر، إلا أن التنظيم فيما بعد أصدر قراراً بمنع العمل في المجال النفطي، و حصر العمل بالمبايعين له من أبناء المنطقة، كما فرض ضرائب على كل منزل، و فرض الزكاة، و قام بالتضييق على المدنيين بشكل كبير، حاولت البدء بعمل جديد عن طريق فتح مشروع بسيط في غرفة من المنزل مطلة إلى الخارج، إلا أن التنظيم طالبني بدفع زكاة عن الأموال التي أكسبها رغم أنها بالكاد تكفي العائلة”. وتابع سعد حديثه: “لمحّ لي أحد جيراني ممن بايعوا التنظيم أن بإمكاني الخلاص من هذه التعقيدات بمبايعة التنظيم وأنه سوف يزكيني لدى التنظيم، خفت أن يتحول هذا التلميح إلى إجبار فنزحت مع عائلتي لمخيم في محافظة إدلب، فرغم صعوب المعيشة في مخيم إلا أنه أفضل من أن أقاتل مع تنظيم متطرف قتل أهلي و أبناء منطقتي باسم الدين “.
الأمر لم يقف عند المدنيين الذين لا يملكون حرفة، فجميع قطاعات العمل تأثرت بشكل مباشر أو غير مباشر بقرارات داعش، هذا ما أكده أيمن النجم صاحب مكتبة في ريف ديرالزور الشرقي قائلاً : ” بعد سيطرة تنظيم داعش على المدينة أصدر قراراً بإغلاق المدارس، الأمر الذي أثر بشكل مباشر على مصدر الرزق الوحيد الذي أملكه، فالمورد الرئيسي للمكتبة كان من تصوير الأوراق للطلاب و بيعهم الأدوات المدرسية، و إغلاق المدارس أوقف هذا المورد، حاولت التأقلم مع هذا الظرف فبدأت بتنويع الأعمال في المكتبة، من طباعة الإعلانات و اللوحات الضوئية للمحلات و أي شيء يمكن القيام به في المكتبة، إلا أن التنظيم فرض على المكتبة فيما بعد ضرائب كثيرة و زكاة الأموال لم استطع القيام بها، فالمكتبة لم تكن ذات مردود أساساً بعد إغلاق المدارس، ما دفعني لبيعها بأقل من نصف قيمتها و مغادرة المنطقة نحو الشمال “.
رفض الكثيرون الانضمام للتنظيم رغم المغريات الاقتصادية التي قام بتقديمها، إلا أن البعض لم يكن لديه القدرة للصمود في وجه هذه المغريات، لا سيما فئتي الشباب و الأطفال، فبدأ التنظيم بتقديم المغريات للأطفال للانضمام لصفوفه، بعد أن قام أغراهم بالمال و القوة، ويشير ماجد العبدالله من ريف الرقة، إلى محاولة الأهالي إبعاد أطفالهم عن التعامل مع التنظيم بشكل مباشر، إلا أن الأمر كان أصعب من أن يتم مقاومته حسب وصفه، فالنقاط الإعلامية منتشرة في كل مكان، و سيارات التنظيم التي تبث الأناشيد الجهادية و وتوزع الهدايا للأطفال تنتشر في الشوارع، ويضيف العبدالله: “وقع ابن أخي ضحية المغريات التي قدمها التنظيم، فانضم لمعسكر تدريبي، و بعد انهاءه المعسكر عينوه في أحد الشوارع لتسيير المرور و منحوه راتباً كان كبيراً بالنسبة له، و كبيراً حتى بالنسبة لنا بحكم وضعنا الاقتصادي السيء، عندها أحس ابن أخي بأن الأمر سهلٌ فهو يحصل على أموال لم يستطع أحد من العائلة الحصول عليها مقابل تسيير المرور فقط، و بدأ شعور الزهو يتملكه مع كل مرة يحضر فيها شيئاً للمنزل. وتابع العبدالله: “مع بدء التحالف و ميليشيا قوات سوريا الديمقراطية \قسد\ عملياتهم العسكرية ضد التنظيم، اخذ التنظيم أبن أخي لصفوف القتال المتقدمة، و في أول مرة عاد فيها إلى المنزل كان يبكي من الخوف، حاولنا الهروب من المنطقة إلا أننا لم نستطع فحواجز التنظيم منتشرة في كل مكان، و جاءت دورية فيما بعد أخذته من المنزل، ليتم إخبارنا بعد قرابة شهر أنه قتل في غارة جوية للتحالف الدولي استهدفت رتلاً عسكرياً للتنظيم، ذهب ابن أخي ضحية سقوطه في مغريات التنظيم، لم يكن الذنب ذنبه فهو أصغر من أن يقاوم، و نحن أضعف من أن ندافع عنه أو نهرب معه “.
بعد خروج تنظيم داعش من المنطقة شعر المدنيين ببعض الأمل بانفراج اقتصادي، كون الأعمال الإرهابية التي كان يقوم بها التنظيم يجب أن تذهب معه، إلا أن الأمر لم يتغير كثيراً على حد قول الشاب سامر “اسم مستعار” من الرقة وأضاف: ” بعد خروج داعش من مدينتي و سيطرة قوات قسد على المنطقة عدنا لمنازلنا، لم يكن هناك شبكة اتصالات في المنطقة، والكثيرون يرغبون بالاطمئنان على أهلهم، فجلبت جهاز انترنت فضائي و تركيبه في محل صغير لتقديم خدمة الانترنت مقابل سعر يضمن لي الحصول على مكسب، و مساعدة أهالي المنطقة في نفس الوقت، و بدأ الناس بالتوافد على المحل بشكل كبير لاستخدام الانترنت، ما دفعني لجلب جهاز ثاني لتلبية الضغط الحاصل، فالمنطقة لا يوجد فيها سوى 4 محلات لتقديم خدمات الأنترنت، إلا أن الأمر لم يعجب صاحب أحد المحلات المنافسة، فالسعر الذي أُقدمه يقل عن سعره، فأرسل دورية من مليشيا قسد بقيادة أخيه أغلقت المحل و وصادرت الأجهزة، وفعلت المثل مع المحلين الآخرين، ليبقى هو الوحيد الذي يوفر خدمة الأنترنت و بسعر مضاعف، فأخيه يقوم بحمايته من الإغلاق و يقوم بإغلاق أي محل منافس يتم افتتاحه”.
وتابع الشاب حديثه قائلاً: “بعد اجتماع العائلة و محاولة إيجاد حل، خلصنا إلى ضرورة انضمام أحدنا لصفوف مليشيا قسد لحماية العائلة و مصالحها، و وقع الاختيار على ابن عم لي، قام بالتطوع في صفوف الميليشيا، و اليوم أعدت افتتاح محلي و لا أحد يستطيع الاقتراب من المحل بسبب حماية ابن عمي لي”.
المغريات التي قدمتها الجماعات المتطرفة للمنضمين لصفوفها تكاد تكون متشابهة رغم اختلاف أنواع هذه الجماعات المتطرفة بين دينية و عرقية و غيرها، إلا أنها جميعاً تعاملت بنفس الطريقة مع المدنيين، وفي هذا السياق يشير توماس ستروبهار أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة هامبورغ إلى أن الكيانات المتطرفة تتصرف مثل النوادي، حيث تلتزم بتقديم بعض المنافع لأعضائها مثل التعليم والخدمات الاجتماعية والاقتصادية مقابل التزام الأفراد بالمنهج والقواعد العامة لهذه الكيانات، ودفع ثمن مقابل عضويتهم. و يخلص ستروبهار إلى نتيجة مفادها أن قادة الجماعات المتطرفة يستفيدون من اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، ليكتسبوا مزيداً من القوة والسلطة باستخدام الطرق الأكثر عنفاً، وذلك بجعل الخدمات التي يقدمونها أكثر جذباً، خاصةً بالنسبة للأفراد الذين يعانون من تدني المستوى الاقتصادي والتهميش الاجتماعي والقهر السياسي.
ولا يُعد استغلال الأوضاع الاقتصادية السيئة من قبل المجموعات المتطرفة أمراً جديداً، بل حدث ذك مرات عدة خلال الحروب، فالجيش الأحمر الروسي الذي دخل ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، لاقى مجتمعاً مدمراً وأناساً يعيشون تحت خط الفقر، فاستغل هذا الجانب لتجنيد المدنيين واستغلالهم، فكان يمنح الطعام لمن يقدم له معلومات أو ممن ينضم إلى صفوفه، ورغم أن عدد الرجال في تلك الفترة كان قليل في ألمانيا بسبب الحرب العالمية الثانية وجرهم إلى جبهات القتال وبقاء النساء في المدن، إلا أن هذا الأمر لم يمنع الجيش الأحمر من فرض سياسة الغذاء مقابل الولاء، وكان يفرض على النساء والأطفال أعمال السخرة لساعات طويلة مقابل الحصول على قليلٍ من الغذاء.
كون التطرف مسألةٌ معقدةٌ بشكلٍ كبيرٍ، يجعل من الصعب إدراج عامل واحد كمسبب له، فعملية الانخراط في التطرف تأتي نتيجة لعوامل كثيرة، اقتصادية و اجتماعية و سياسية، و ما العوامل الاقتصادية و الفقر إلا نتيجة لسياسات حكومية خاطئة أدت لازدياد الهوة بين الفقراء و الأغنياء ما خلق ردة فعل لدى البعض، استغلتها المجموعات المتطرفة لصالحها بزيادة مخزونها البشري، وتحويل الطاقات الشابة في الاتجاه الخاطئ بعد ضياع البوصلة لديهم وعدم وجود موجهٍ لهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.