صوت وصورة

رفعت الكثير من التنظيمات المتطرفة راية الإسلام وتسترت بغطاء الدين لتحقيق أجندتها في المناطق التي سيطرت عليها، واستخدمت الخطاب الديني لجذب العناصر إليهم، مُدعين نصرة المسلمين والدفاع عن الإسلام، ورغم انجذاب فئة من المسلمين لهذا الخطاب، إلا أن القسم الأكبر من المسلمين يرفض ربط التطرف بالإسلام، ويعملون على تجريد هذه الجماعات من شماعة الدين، والرد بخطاب ديني معاكس لفكرة التنظيمات المتطرفة بهدف كشف زيف ادعاءهم.
محمود السعد، من ريف ديرالزور الشرقي، عمل كخطيب مسجد لمدة عشر سنوات، وفي عام 2015 تم اعتقاله من قبل تنظيم داعش، وبعد إطلاق سراحه منعه التنظيم من الخطابة أو ممارسة أي نشاط ديني، يقول: ” في أحد خطب الجمعة ببداية عام 2015، شرحت في الخطبة أيةً قرآنية تنبذ الغلو في الدين، محاولاً تقريب الصورة من تصرفات داعش دون ذكرهم بشكلٍ مباشر، إلا أن الرسالة كانت واضحة للتنظيم فتم اعتقالي في مساء ذلك اليوم واقتيادي إلى سجن في مدينة عانة العراقية وبقيت هناك قرابة 7 أشهر”. ويشير السعد إلى خضوعه لدروس في الشريعة الإسلامية طوال مدة السجن، في ما أسماه عناصر التنظيم تصحيح “العقيدة الفاسدة” لديه، وفي كل مرة كان يُتهم بالكفر وأن حكم الإعدام ينتظره. ويقول السعد: “بعد خروجي من السجن لازمت المنزل وتم منعي من الذهاب إلى المسجد حتى لإداء الصلوات، واستلم الخطابة مقاتل تونسي كان يتحدث للمصلين عن حمل عناصر التنظيم لهمّ الإسلام والدفاع عن المسلمين”. ويضيف السعد: “يتم تصنيفي على أنني رجلٌ مُتدين، ويتم تصنيف عناصر داعش أيضاً على أنهم متدينون أيضاً، وهذا التصنيف خاطئ تماماً، فكيف لمتدين أن يسجن متدين من نفس الدين لو كان كلاهما يتبعان الدين نفسه؟”. ويتابع السعد: “عناصر التنظيم ليسوا متدينون، وإنما متسترون في الدين لشحذ الاستعطاف من المحيطين، وإلا لما غضبوا عند شرحي لأية قرآنية تكشف تطرف تصرفاتهم وعدم قبولها في الدين الإسلامي”.
ويرى السعد أن مهمة رجال الدين في محاربة التطرف أكبر من الأناس العاديين، كون رجال الدين لديهم معرفة دينية واسعة تساعدهم على كشف أكاذيب ادعاءات التنظيمات المتطرفة، التي يحاولون إعطاءها شرعية دينية من خلال تفسير آيات وأحاديث حسب هواهم، كما أن الدفاع عن المسلمين يكون بتصحيح النظرة الخاطئة عنهم وليس القيام بتصرفات متطرفة من شأنها أن تنبذ الإسلام والمسلمين.
ولا يجب الاكتفاء بالرد على المقولات الأساسية للتطرف العنيف، وأخذ الموقف الدفاعي في الرد على ادعاءات التنظيمات المتطرفة المبنية على اساس ديني، بل يتطلب الأمر تفكيك خطاب التطرف وتجريده من أسانيده الدينية المزعومة ونبذه في المجتمع، لإحراق الورقة التي تلعب بها التنظيمات المتطرفة، كما يجب تعزيز ثقافة السلم في المجتمعات الإسلامية، على أن يصاحب ذلك آليات للتعاطي الإيجابي مع احتياجات الشباب وتوفير سبل مبتكرة لاستيعابه، وأن يتخذ رجال الدين المعتدلون موقفاً صحيحاً وصريحاً في تفنيد القضاية الدينية التي تحاول التنظيمات المتطرفة استغلالها لصالحهم.
ويذكر الدكتور حنيف حسن رئيس مركز جنيف لحقوق الإنسان والحوار العالمي في رؤيته لمواجهة ظاهرة التطرف الفكري والعنف المتستر بأفكار دينية، “أن أسباب انتشار فكر التطرف ترجع بالأساس إلى الفراغ الفكري والضحالة الثقافية لدى الشباب، بحيث أصبحوا صيداً سهلاً للجماعات الدينية المتطرفة ذات الأجندات السياسية غير الوطنية وغير الإسلامية”، لذلك يرى أنه من الضروري “سد هذا الفراغ الفكري والثقافي، وتقديم خطاب إسلامي وسطي ومعتدل وحديث يركز على القيم السلوكية والمعاني الروحية لسد الحاجة الفطرية بالقيم الإنسانية للدين الإسلامي”، والتحلي بالأخلاق الكريمة التي يدعو إليها والمثل النبيلة التي يحث عليها، ومن هذه القيم، “قيمة العمل وتعمير الأرض وخدمة الإنسان وتحقيق التكافل بين بني البشر”.
ويكون الرد على الخطاب الديني المتطرف، بخطاب وأفعال دينية معتدلة، فإن كان الرد على التطرف متطرفاً، عندها ستكون النتيجة كارثية، وستظهر المزيد من المجموعات المتطرفة، وعن هذا يقول خليل الشيخ الناشط المدني اللبناني: “في لبنان يتربع حزب الله على عرش المجموعات المتطرفة الدينية، ورغم أن أهدافه سياسية، إلا أنه يتخذ من الإسلام شعاراً لتحقيق هذه الغايات، وهو ذات الحزب الذي يروع المسلمين في لبنان وذهب إلى سوريا لقتل المسلمين”. ويضيف: “يوجد عشرات المجموعات التي تحاول الرد على حزب الله وأنصاره وتجريدهم من منطلقهم الديني، ولكن محاولة الشيخ أحمد الاسير وجماعته بتحويل الأمر إلى صراع مسلح في طرابلس، جر المنطقة إلى الفوضى، وافقدت مجموعة الأسير الدعم المعنوي الذي حصل عليه عندما كانت الاعتصامات سلمية”.
ويقول الدكتور شادي عبد الوهاب، رئيس وحدة الدراسات الأمنية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة في أبوظبي أن تجريد الإرهاب من بعده الديني أمر في غاية الأهمية لزعزعة هذه المستندات الإرهابية ويضيف: “هنالك عدة سبل يمكن من خلالها مواجهة الأفكار المتطرفة، منها التعليم الديني الصحيح، من خلال تنشئة الجيل على إدراك حقيقة أن اختلافاً كبيراً بين نصوص القرآن الكريم، والتفسير البشري لكلام الله، ففي حين أن كلام الله لا يشوبه أي خطأ، فإن تفسير البشر لكلام الله، قد يكون صحيحاً أو يجانبه الصواب، والتوعية بأن بعض المنتمين للدعوة يقومون بتحريف تفسير آيات الله، لتحقيق أغراض لا تتفق مع الإسلام، ولا تهدف سوى إلى الإفساد في الأرض باسم الدين، ولذلك يجب أن يكون طالب العلم الشرعي ملماً بمفاهيم مثل الاجتهاد، ومن يحق له إصدار الفتوى”.
وعلى الرغم من أهمية الوعظ والإرشاد الديني في التصدي للتطرف، فإن الخطاب الديني المعتدل ينبغي أن يصاحبه آليات للاحتواء الفكري تقوم على الحوار المباشر مع الشباب والأنشطة الإبداعية التي تكفل للفرد تحقيق ذاته بالتوازي مع تعزيز الشعور بالانتماء إلى المجتمع والدولة بهدف التصدي لتوجهات الاغتراب والانعزالية التي قد تتسبب في الانجراف إلى التطرف. كما يجب زرع الأمل في نفوس الشباب وجعلهم ينظرون إلى الحياة والمستقبل بنظرة إيجابية تفتح لهم مسالك الإسهام البناء في تكريم الإنسان وخدمة الأوطان، فهذه الرؤية تبعث في القلوب قيم الحياة المطمئنة الآمنة، من خلال طرح خطاب بديل يقوم على مخاطبة الاحتياجات الاجتماعية والنفسية للأفراد وإعادة دمجهم في المحيط الاجتماعي.
ويرى الدكتور محمد عبد الله يونس رئيس برنامج التحولات السياسية بمركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بأبوظبي: ” أن فاعلية الخطاب المناهض للتطرف تتوقف ليس فقط على طرح أفكار بديلة وأطروحات مضادة للأفكار المتطرفة، وإنما تتطلب أيضاً التركيز على بعض التجارب الناجحة في الارتداد عن التطرف ونبذ العنف وتوظيف بعض العائدين للاعتدال في توعية المعرضين للانجراف في التطرف، وهو ما يسهم في تعزيز فاعلية هذه الحملات في اجتذاب بعض الشباب المتعاطف مع التنظيمات الإرهابية بعيداً عن التطرف.”
وفي أوربا، حيث يشكل المسلمون 5% من عدد السكان ، وبعد الهجمات التي استهدفت مدينة باريس مساء يوم 13 تشرين الثاني و التي أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عنها و أودت بحياة 137 شخص في سلسلة عمليات إطلاق نار و احتجاز رهائن ، بادرت أغلب الجمعيات والمراكز الإسلامية في أوروبا لإدانتها فور وقوعها، واصفةً إياها بالأعمال الإرهابية التي لا تمت للإسلام بصلة، واصدر أئمة مساجد ورموز إسلامية في أوروبا، فتاوى تُجرّم أفعال تنظيم داعش، وتُحرّم التعامل أو التعاطف معه، وتُؤكد على ضرورة مُحاربته ومحاربة أفكاره. ولقيت هذه الفتاوى تجاوباً واسعاً بين مجالس أئمة مساجد بريطانيا، خاصة في مدن رئيسية كلندن ومانشستر وليستر وليدز. وقد وقع هؤلاء على وثيقة دعم وتأكيد لهذه الفتاوى، ما يجعل فرص نجاحها ونشرها بين المسلمين هناك كبيرة.
وعن فعالية هذه الفتاوى، ودورها في مكافحة تنظيم داعش، والحد من نشر أفكاره بين المسلمين، فإن الباحث في معهد غيغا (GIGA) في هامبورغ والخبير في مسائل الشرق الأوسط شتيفان روسيني أكد أن مثل هذه الفتاوى لن يكون لها تأثير يذكر على أعضاء هذا التنظيم، لأنهم يعتبرون أن أية فتوى من خارج تنظيمهم غير ذات مصداقية، لكن أن أهميتها تكمن في مكافحة الفكر المتطرف للمسلمين بشكل عام، كما أنها تسحب الغطاء الديني الذي يستتر به داعش.
ويؤكد الباحث شتيفان روسيني أن تنظيم داعش استغل البناء الشكلي للخلافة الراشدة لدى المسلمين، والتي تقوم على تعظيم الخليفة، وإعطائه الصلاحيات المطلقة للحكم، لتنفيذ ما أمر به الإسلام، وهو ما يجعل مقاتلي التنظيم يعتبرون أنفسهم حاملي رسالة ربانية مقدسة عليهم نشرها، الأمر الذي يعطيهم القوة والحماسة في القتال.
إن محاربة التطرف من خلال الخطاب الديني، لا يقل أهمية عن محاربته عسكرياً أو سياسياً، ففي الوقت الذي تحد به القوة العسكرية من نشاط المتطرفين على الأرض وتُحجم من مناطق سيطرته، فإن الجانب الديني الذي تمثله جهود العلماء المسلمين المعتدلين، يحد من انتشار الفكر المتطرف، ويسحب منه الشرعية الدينية التي يتستر بها، مما يؤدي إلى القضاء على الموارد البشرية لهذه التنظيمات من خلال مقاطعته وعدم الانضمام إليه من قبل المسلمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.