صوت وصورة

في ظل الحرب العسكريّة الدائرة منذ ما يقارب الثلاثين عاماً على التنظيمات المتطرفة سواء في باكستان وأفغانستان أو من بعدها في العراق وسوريا والكثير من الدول الأخرى، عملت التنظيمات على تطوير طرق انتشارها، إذ أصبحت الطرق الاعتيادية صعبة وتكاد تكون مستحيلة خصوصاً مع توالي الأطراف المحاربة لهذه التنظيمات، حيث بدأت بالاتحاد السوفييتي لتأتي بعدها الولايات المتحدة الأميركية، ولتصبح لاحقاً تحالفات غربيّة وعربيّة، وهذا ما دفع تلك التنظيمات إلى إيجاد طرقٍ جديدة تجذب مقاتلين وعوائل جدد للانضمام لهم. فكان الإعلام هو الطريق الجديد الذي سلكته التنظيمات لجذب مزيداً من المقاتلين لصفوفهم، فكان لابد من الرد عليهم إعلامياً وتجريدهم من هذا السلاح واستخدامه ضدهم.
ويقول الناشطٌ الإعلامي خليفة الخضر من ريف حلب الذي أعتُقل لعدّة أشهر من قبل تنظيم داعش: “الإعلام هو أهم الطرق التي يمكن من خلالها لمواجهة التنظيمات المتطرفة، خصوصاً أنّ معظم هذه التنظيمات تعمد على منع أي وسائل إعلاميّة من العمل في المناطق التي تفرض سيطرتها عليها، عندها يُصبح نقل أي صورةٍ أو خبر من تلك المناطق بحدِّ ذاتها مواجهة لهذه التنظيمات”.
ويصف الخضر دور الإعلام بأنّه قد أصبح أهم من الدور العسكري، إذ أن المحاربة العسكرية لهذه التنظيمات منذ عقود قامت بالقضاء على الشخصيات التي تقودها ولكنها لم تقضِ على فكرها المتطرف الذي استطاع الانتشار بين الناس، لذلك التركيز على الإعلام يعني القضاء على الفكر ويحول دون انتشاره، وهذا بدوره سيقضي على التنظيمات المتطرفة، ولكن القضاء على الأشخاص مع إهمال الفكر سيؤدي لتغيير وجوه التنظيمات مع استمرار انتشارها بشكلٍ أكبر.
وقد فرضت صحافة المواطن نفسها في مناطق النزاع وبشكلٍ خاص المناطق العربيّة كوسيلةً أساسيّة، إذ أنّ الطوق الأمني المفروض من قبل الأنظمة العربيّة التي شهدت بلدانها نزاعات، وقمع جميع الوسائل الإعلاميّة التي حاولت نقل الأحداث سواء بإغلاق مكاتب القنوات والصحف أو باعتقال المراسلين والصحفيين، دفع بالكثيرين ليكونوا مواطنين صحفيين، ينقلون ما يجري حولهم. وتشير الناشطة الإعلامية ليلى الرفاعي من ريف دمشق إنها لم تدرس الصحافة ولم تختر بدء ممارستها أيضاً “ولكنّها أصبحت سبيلاً مؤثراً وطريقاً مساهماً في صنع الرأي وحفظ التاريخ، ولمّا أتيح لها منبر مسموع، أصبح العمل الصحفي فيما يخص الثورة السورية واجباً”.
ويُعد تنظيم داعش أكثر التنظيمات براعة في بث البروباغاندا الإعلامية، معتمداً على مراكز دعائية وخطاب إعلامي معزز بأدوات التواصل الاجتماعي تستخدم آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا الرقمية المحببة للشباب لصيدهم وتجنيدهم. وقد شهدت مناطق شرق وشمال سوريا بالإضافة إلى مناطق غرب العراق العديد من المنصات والمنظمات التي عملت على توثيق انتهاكات التنظيمات المتطرفة مثل داعش وجبهة النصرة والعمل على إطلاق حملاتٍ إعلاميّة تفضح هذه الانتهاكات وحملات توعويّة موجهة للناس المتواجدين في المناطق التي تسيطر عليها تلك التنظيمات منعاً من تأثرهم بالأيديولوجيّة التي ينشرها التنظيم.
وعن هذه الحملات يتحدث زيد الفراتي مراسل منظمة صوت وصورة في المنطقة الشرقية عن مجلة “دابئ” ويقول:” بدايةً مع الاسم -دابئ- والذي تم اختياره بناءً على مجلةٍ لتنظيم داعش اسمها دابق، حيث ظنّ الناس أنّها خطأ مطبعي مع اعتمادنا على الألوان الخارجيّة والشكل ذاته، لذا لم يخف الناس من التقاطها وأخذها إلى منازلهم”. ويكمل: ” اعتمدنا على الطابعات المنزلية البسيطة، وبدأنا بذكر الأخبار المهمّة فقط في المجلة وذلك بعد منع تنظيم داعش لأجهزة التلفاز والإنترنت من المنازل والتشديد على الإنترنت في الصالات العامّة مما دفعنا لإيصال الاخبار إلى الناس بهذه الطريقة لنرفق لاحقاً بعض النكات والصور الكاريكاتورية المضحكة والهادفة محاولين التخفيف عن الناس في مناطق سيطرة داعش من الرقة و ديرالزور” ويضيف الفراتي: “بخروج تنظيم داعش من المدينة توقفنا عن نشر المجلة، وأخذنا بنشر منشورات جديدة ضد سياسة مليشيا قوات سوريا الديمقراطية وجرائمهم في المنطقة، وسنتوقف عن العمل فقط عند انتهاء وجود المليشيات المتطرفة وسقوط النظام وحصولنا على الحرية والعدالة”.
هذه الطرق والإمكانيات البسيطة التي كان يعمل بها الناشطون والإعلاميون صعبت من عملهم، كما أن العمل في أماكن تواجد التنظيمات المتطرفة، تعد من أصعب الأمور وتكلف فاعلها حياته، إلا أن النشطاء كانوا مؤمنين بأهمية دورهم ولعبوه بكل حرفية رغم الصعوبات والمخاطر المحيطة بهم، كحال الناشط الإعلامي والحقوقي تيم رمضان الذي عمل سابقاً كمدرس للمرحلة الابتدائية. عمل رمضان في الرقة مع منظمة صوت وصورة أثناء حكم داعش، وكان أخر النشطاء اللذين خرجوا منها أثناء معركة التحالف ضد تنظيم داعش، كتبت ونقلت عنه الكثير من الصحف الأجنبية والعربية ونُشرت مقالاته في العديد من الصحف العالمية.
كتبت عنه صحيفة التايمز البريطانية” تيم رمضان خاطر بحياته بشكل يومي لتهريب المعلومات من الداخل، في ذلك الوقت كانت المعلومات ومقاطع الفيديو الصادرة من هذه المجموعات هي المصدر الوحيد للمعلومات من داخل أراضي التنظيم، والتي لا تنتمي للدعاية الإعلامية التي كانت تبثها داعش”. وتضيف الصحيفة: ” إن العمل بمناطق سيطرة داعش محفوفاً بالمخاطر، لكن رمضان استطاع وصف كل شيء بدقة، الغارات الجوية، الإعدامات، القيود الاجتماعية التي فرضها التنظيم تدريجياً، الحجاب الإجباري للمرأة، وحظر التدخين منذ سيطرة داعش على المدينة”. وأشادت الصحيفة بدوره بنقل الأخبار من أماكن سيطرة تنظيم داعش وكتبت: “كان رمضان أيضاً يتواصل مع بعض وسائل الإعلام الغربية عبر الفيسبوك ، بما فيها صحيفة التايمز، و في الوقت الذي كان من المستحيل التحقق من أماكن تواجد هكذا ناشطين ، كانت معلومات رمضان دوماً موثوقة، و الأهم أنه استطاع تقديم معلومات عن مرتكبي هجمات باريس في تشرين الثاني 2015 ، و كيف تم تدريبهم و إدارتهم من قبل قيادات للتنظيم في الرقة، هذه المعلومات ثبت صحتها فيما بعد عند إلقاء القبض على بعض المنفذين”.
ويصف تيم رمضان نفسه بالمواطن الصحفي، وان يحتاج المزيد من الوقت والجهد ليكون صحفي، ويتابع تيم: “فكرة العمل كصحفي لم تكن خاطرة على بالي قبل الثورة السورية، ولكن عند انطلاق الثورة وحاجتنا لنقل الصورة الحقيقة انخرطت في العمل بهذا المجال، وتدرجت به حتى بت اليوم أكتب في عدة صحف غربية منها الغارديان البريطانية، أنا أكتب عن جرائم النظام السوري وتنظيم داعش والمليشيات الإيرانية والعراقية ومليشيا قوات سوريا الديمقراطية، أكتب عن جميع المتطرفين في سوريا”. ورغم خروجه من مدينة الرقة إلا أن تيم مازال يواصل نشاطه الإعلامي، “خروجي من الرقة لا يعني انتهاء التطرف في سوريا، عملي مستمر حتى انتصار الثورة السورية وانتهاء التطرف في سوريا وتحقيق العدالة، عندها سأفكر بعودتي لحياتي الطبيعية”.
وفي محافظة إدلب حيث تنشط هيئة تحرير الشام “جبهة النصرة سابقاً”، عمل بعض النشطاء على توثيق انتهاكاتهم في الشمال السوري، فأسسوا صفحة على الفيسبوك سميت باسم “انتهاكات جبهة النصرة” والتي تُعد مصدراً موثوقاً للكثير من الوكالات الإعلامية والمنصات الإخبارية، كما قام مجموعة من المدنيين المتخفيين بتأسيس صفحة “عين على إدلب” والتي تابعت أيضا الانتهاكات التي يرتكبها المتطرفين، ونقل الأخبار بشكل مكثف للعالم عن أفعال المتطرفين هناك.
بلال “اسم مستعار” ، أحد النشطاء من مدينة إدلب، تحدث عن تجربته في توثيق الانتهاكات مع صفحة “عين على إدلب”، يقول: “نجمع الأخبار من أكثر من شخص ونتحقق منها عن طريق الأصدقاء والمعارف ومن الجيران، وحتى من غرف الدردشة التي يدور فيها النقاشات حول حدث ما، ثم نرسل الأخبار لفريق النشر ليتم نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ونجد الكثير من الأشخاص يتفاعلون بشكل كبير مع الحدث”. ويضيف بلال: “عملنا مستمر ضد جميع التنظيمات المتطرفة وعلى رأسها النظام السوري، لا يمكننا حالياً التفكير بإيقاف العمل قبل زوال هذه التنظيمات، لكن بعد زوالها سنعمل على تأسيس المجتمع المدني الذي يضمن الحرية والمساواة للجميع”.
ولم تكن المركزية أو تغطية منطقة محددة شرطاً في عمل المنصات الإعلامية، فكان هنالك الكثير من المجموعات الإعلامية على مواقع التواصل الاجتماعي تُغطي الأخبار في عموم الأراضي السورية، مثل مجموعة نشطاء الخبر السوري على الفيس بوك، حيث وصل عدد اعضاء هذه المجموعة إلى أكثر من 60 ألف مشارك وبمعدل 150 منشور خبري بشكلٍ يومي على الاقل، ويصف وائل الحويش عمل المجموعة بالصعب لكنه ضروري لتغطية جميع الأحداث الجارية حالياً، “نعتمد في المجموعة على فريق متطوع منتشر في جميع المحافظات السورية للتغطية الإعلامية، كما يمكن لأعضاء المجموعة أن يكونوا مراسلين وينشرون الأحداث الجارية حولهم، نتلقى يومياً عشرات الطلبات للموافقة على نشر الأخبار، ويحاول متطرفون أحياناً نشر أخبارهم في المجموعة لكننا لا نسمح لهم بذلك، لذا نحتاج لمراقبة دائمة على مدار الساعة”، ويتابع الحويش” عمل المجموعة مستمر، لن نتوقف بسقوط نظام الأسد أو انتهاء تنظيم داعش وخروج المليشيات الأجنبية من سوريا، فسوريا تحتاج إلى إعادة بناء ليس على المستوى العمراني، بل على المستوى الفكري والحريات ايضاً، لذا عملنا سيستمر لوقتٍ طويل”.
كان لهذه المنصات الإعلامية والحملات المضادة والإعلاميين دور كبير في توعية الشعب بخطر الجماعات المتطرفة ونشر الفكر المضاد للتطرف الذي سعت هذه التنظيمات على ترسيخه، ومنهم من دفع حياته ثمناً لعمله ضد التنظيمات المتطرفة، ولا يخفى على أحد صعوبة هذا العمل أو ضرورته وأهميته حتى بعد القضاء على هذه الجماعات المتطرفة، كون محاربة الفكر الذي جاءت به هذه التنظيميات يحتاج لفترة زمنية، وستكون لهذه المنصات الأثر الأكبر لدى الناس، كونها اكتسبت الثقة وحازت على ثقة المدنيين خلال فترة عملها السابق.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.