صوت وصورة

يُعد التطرف الديني من أبرز الأسباب الدافعة للوصول إلى حالة التطرف العنيف، ورغم اعتبار التشدد الديني ركيزة أساسية للتطرف الديني، إلا أن هنالك عوامل عدة تُغذي هذا التطرف وتساهم في نموه وانتشاره في المجتمع؛ كدور بعض الجهات السياسية التي تعمل على خلق مجموعات دينية متطرفة لتنفيذ الأهداف، والوصول إلى نهاية الطريق لاستلام السلطة السياسية.
وتتحمل الأنظمة العربية السياسية جزءًا من مسؤولية انتشار التطرف الديني؛ نتيجة الأوضاع المعيشية الرديئة للأكثرية من شعوب تلك الأنظمة، وحجب الحريات والممارسات الديمقراطية، وفسح المجال أمام التطرف تحت غطاءات دينية للتنافس السياسي. فتصبح العشوائية في التنظيم بين ما هو ديني وبين ما هو سياسي إلى استمرار ظاهرة التطرف وتوسعها بدلًا من المساهمة في توضيح العلاقة، وجعل الدين قضية روحانية وفصله عن السياسة وبالتالي فصل الدين عن الدولة لِلَجم ظاهرة التطرف الديني، ولَجم تحركاته السياسية العنيفة ومحاولاته الحثيثة للوصول السلطة وإقامة الدولة الدينية لهذه المجموعات.
كحال نظام الحكم في العراق حالياً، عندما ضاعت هوية الدولة بين السياسة والدين، فنتج عن هذا الضياع عشرات الأحزاب السياسية الراعية لمجموعات متطرفة دينيا بهدف تحقيق ضغط سياسي للوصول إلى سدة الحكم، فمن أبرز الوجوه السياسية في الساحة العراقية هما؛ “أبو مهدي المهندس، وهادي العامري” اللذان يتنافسان مع بقية الأحزاب لاستلام منصب رئاسة الوزراء وتشكيل الكتلة الأكبر في البرلمان، إلا أن هذا التنافس السياسي صاحبه ظهور مليشيات متطرفة دينيًا خارج سلطة الدولة؛ تنشط في حالات النزاع السياسي.
فهادي العامري مترأس “مليشيا بدر” المُدرجة ضمن قوائم الإرهاب، وأبو مهدي المهندس قيادي في “مليشيا الحشد الشعبي العراقي”، إضافة لسيطرتهما على عدد من المليشيات الأخرى ذات الخلفية الدينية.
واستطاع كلًا من المهندس والعامري الوصول إلى مناصب سياسية كنوع من الإرضاء لهم؛ كي لا تُحدث المليشيات التابعة لهم الفوضى في العراق. ولم يقتصر وجود هذه المليشيات في الأراضي العراقية بل امتدت لتسيطر على أجزاء من سوريا نتيجة التعاون العسكري بين النظام السوري وقيادة هذه المليشيات؛ إذ كشفت تقارير إعلامية وجود أكثر من 100 ألف عنصر من هذه المليشيات في سوريا وحدها.
وتصف الناشطة العراقية أسماء الخشاب من مدينة الموصل، المشهد السياسي في العراق بـ”المسرحية الهزلية” وذلك لكثرة التقلبات التي تحدث من أجل الوصول إلى مناصب سياسية معتمدين على وجود مجموعات متطرفة يحركونها في الخفاء.
كما أشارت الخشاب إلى دور السياسيين في الفوضى الحالية في العراق، عندما قالت: “يقف كثير من السياسيين العراقيين خلف مجموعات متطرفة بشكل علني أو مخفي من أجل إطالة فترة حكمهم، ولا يخفى على أحد الفوائد السياسية التي جناها المالكي من سيطرة “تنظيم داعش” على أجزاء واسعة من العراق، حتى أنه قد أمر الجيش العراقي بالانسحاب من الموصل وتسليمها لتنظيم داعش”.
وأضافت الخشاب: “ليس المالكي وحده من استغل وجود التطرف الديني، فقيس الخزعلي وعمار الحكيم اللذان يدعمان العلمانية، ويدّعون أن الدولة المدنية ضمن أهداف كتلتهم السياسية، يديرون في الخفاء تحركات مليشيات إرهابية كـ”مليشيا عصائب أهل الحق”، فانعكس تطرفهم السياسي إلى تطرف ديني على شكل مليشيات مسلحة”.
فإذا قاد المتطرفون العملية السياسية فالنتيجة ستكون تأجيج العنف وصناعة الإرهاب وثقافة الموت، كما حدث في بلداننا العربية. فالتطرف السياسي أحد أهم عوامل تدعيم الإرهاب، كما إن للتطرف الفكري وجهين؛ أحدهما مكشوف، والآخر مقنَّع، فالمكشوف يمكن تشخيصه بسهولة، والمقنَّع تضيع معه البوصلة -لا سيما إذا اتخذ صيغة سياسية- وظهر بوجه حضاري، فإنه يترك تأثيرًا كبيرًا وخطيرًا في الشعوب والمجتمعات.
في سوريا؛ كان نظام الأسد هو الراعي الأكبر للتطرف الديني والمروج له، وبدأ ذلك مع بداية الغزو الأميركي للعراق، عندها أخذ النظام على عاتقه مهمة خلق مجموعات دينية متطرفة ومن ثم إرسالها إلى العراق للقتال وإحداث التفجيرات. واعتمد في سياسته على نوعين من المجموعات؛ الأولى هي المجموعات الأجنبية التي كانت تأتي إلى سوريا بعلم النظام السوري، ومن ثم يتم نقلها إلى معسكرات تدريبية لإعدادها، أو إرسالها مباشرةً إلى الحدود العراقية للانضمام إلى المجموعات الإرهابية هناك.
وقد نفّذت القوات الأميركية غارة جوية من الطيران المروحي على مدينة البوكمال “التي تقع في ريف دير الزور الجنوبي الشرقي” في السادس والعشرين من شهر اكتوبر 2008 استهدفت بها مركزًا تدريبيًا للجهاديين يبعد مسافة 2 كم عن فرع الأمن العسكري.
أما النوع الثاني من المجموعات فهم سجناء بتهم سياسية ومدنية تم زجهم برفقة سجناء من خلفيات متطرفة دينية، ومع مرور الوقت تحولوا في السجن إلى متطرفين في عملية أشبه ما تكون بزراعة التطرف لديهم، ومن ثم إطلاق سراحهم في الفترة الممتدة ما بين 2004-2009، وإرسالهم إلى العراق للقتال.
يقول محمد الخضر مدير منظمة صوت وصورة، المنحدِر من مدينة البوكمال الحدودية إنه كان شاهدًا على مرور الجهاديين من الأراضي السورية باتجاه الأراضي العراقية، مستدركًا “لم يكن عبور الجهاديين بشكل فردي، بل كانوا يأتون ضمن مجموعات ويركبون الحافلات، يستقبلهم عناصر المخفر الحدودي السوري ويوجهونهم إلى العراق، كما كان النظام يقيم لهم معسكرات تدريبية في ضواحي البوكمال لإعدادهم بدنيًا وعسكريًا قبل إرسالهم إلى العراق”.
حقق النظام السوري بذلك الوقت عدة مكاسب سياسية على المستوى المحلي والعالمي على حساب ظهور المجموعات المتطرفة، فقد أظهر خصومه السياسيين بهيئة المتشددين دينيًا في محاولة لتبرير الانتهاكات التي كانت تحدث في سجونه، وخصوصاً في “سجن صيدنايا” سيء الصيت.
كما استفاد النظام من سيطرته على هذه المجموعات بإبعادها عن مناطق سيطرته، واستخدامها كورقة ضغط على دول التحالف في العراق، من خلال تسليمهم شخصيات تترأس المجموعات الإرهابية وقوائم تضم معلومات عن هذه المجموعات مقابل تراجع أمريكا عن فكرة الإطاحة بنظام الأسد، حسب ما كشفته تقارير استخباراتية تم نشرها مؤخرًا، عن اجتماع في مصر في صيف 2005 جمع بين اللواء غازي كنعان ومسؤول أميركي رفيع المستوى؛ تحضيرًا لانقلاب في سوريا بالاتّفاق مع العماد حكمت الشهابي قائد الجيش السابق، وعبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية السورية في ذلك الوقت.
لكن رئيس جهاز المخابرات المصري اللواء عمر سليمان أرسل رسالة إلى المخابرات السورية إلى يد اللواء آصف شوكت شخصيا، تخبره عن تلك الاجتماعات ونواياها، فتم تصفية غازي كنعان وفتح باب المفوضات مع الجانب الأميركي للتراجع عن فكرة الانقلاب.
ومع انطلاق الثورة السورية، كان التطرف غائبًا تمامًا عنها حتى بداية عام 2012، عندما أعلن تنظيم القاعدة إنشاء جبهة النصرة كفرعٍ لهم في بلاد الشام، لتكون بداية ظهور عدة جماعات متطرفة على أساس ديني ليصل الأمر إلى ظهور تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”؛ الذي يتربع على عرش التطرف الديني حتى الآن. لكن هذا الظهور قد سبقه ممارسات من النظام السوري أفضت إلى استشهاد قرابة 15 ألف مدني واعتقال حوالي 50 ألف أخرين كعقوبة على الاحتجاجات السلمية في بداية الثورة السورية التي طالبت بالإصلاح والتغيير. فسلك البعض طريق التطرف الديني كرد على التطرف السياسي والقمع الذي كان يمارسه نظام الأسد.
ويشابه الوضع الحالي من تداخل الدين في السياسة واستغلال كلًا منهما للآخر، بوضع أوروبا في القرن الخامس عشر، عندما انتشرت ظاهرة بيع صكوك الغفران التي أمر بها البابا لتمويل بناء الكنيسة البطرسية في روما، وتحصيل الرسوم والضرائب، وفقاً للقوانين الكنسية التي قبلتها السلطات المدنية وهي صاغرة؛ فهي السلطة التي تُنصب الإمبراطور والحكام وهو ما استلزم المباركة المباشرة منها. حتى اكتسبت الكنيسة ثراءً كبيرًا وسلطة على حساب الملوك، كما تمكنت من بناء منظمة شبة سياسية للهيمنة على السلطة، فكانت الكنيسة الدينية هي الواجهة الحاكمة التي يقف وراءها مستفيدون منها للوصول إلى سدة الحكم.
وانتهى هذا الوضع عندما انتقد “مارتن لوثر” البابا علنًا من خلال رفض بيع صكوك الغفران؛ فثارت الكنيسة بكل قوّتها عليه وطلبت منه سحب أفكاره وطلب الغفران، ولكن الرجل أصر على موقفه من خلال الاستناد إلى الكتاب المقدس، وهو ما دفع الإمبراطور الروماني لنصب محكمة له بمشاركة الكنيسة بطبيعة الحال.
بدأ بعدها لوثر في هجوم مباشر على البابا ورجاله، مما أحدث ثورة دينية كانت تبعاتها الأهم سياسية واجتماعية وثقافية في الأساس، فسرعان ما بدأت الحركة البروتستانتية أي “المعترضة” على البابا، وبدأ التوجه يأخذ منحى ما يعرف اليوم بـ”العلمانية”، أي فصل الدين عن إدارة الدولة، وكان لهذا أثره المباشر على الانطلاقة الأوروبية في شتى المجالات، بعدما كانت الكنيسة تسيطر على حركة الفكر سواء من خلال رجالها أو بمنع التطور الفكري للآخرين ومحاربتهم وقتلهم بل وحرقهم بتهمة الكفر.
وعلى الفور أسس لوثر الكنيسة اللوثرية التي لا تزال قائمة بقوة في ألمانيا واتبعت رؤيته للدين المسيحي، وترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية، وتمت تقليم أظافر الكنيسة الجديدة من كل عمل سياسي أو مالي، وبدأ الشعب الألماني لأول مرة يقرأ الإنجيل بلغته وبدأت حركة تحرر ديني في أوروبا تبعتها ظهور كنائس مختلفة مثل “الكالفينية” وغيرها.
ومع الوقت اندلعت الحروب الدينية في أوروبا المعروفة بحرب الثلاثين عاماً ولم تنته إلا بإقرار صلح “وستفاليا” في عام 1648، الذي أقر مبدأ علمنة السياسة وإبعاد الكنيسة عنها فانطلق الفكر المكبوت في أوروبا وتطورت حركة الفنون من “الباروك” إلى “الروكوكو” وغيرهما، بعد أن كانت مقصورة على مواضيع دينية في الأساس، كما بدأت الفلسفة الأوروبية تأخذ طريقاً جديداً يهدف لتطوير الحياة، وفقاً للمعايير الجديدة والظروف السياسية المعاصرة.
فقد استخدمت الحكومات والمنظمات الإرهابية الدين على مر العصور، لفرض واقع سياسي مخطط له وسرعان ما ينتقل هذا الاستخدام إلى نوع من السياسة التي تختلف كليًا عن الدين من حيث الجوهر، ولكن تستخدم الدين لأهدافها ومصالحها ونهجها السياسي، وبهذا تتضح الشعرة التي تكاد أن تكون غير مرئية بين التطرف الديني أو استخدام الدين لأغراض سياسية وبين التطرف السياسي الذي يستخدم الدين لكي يمرر نهجه وصولاً إلى أهدافه ومصالحه.
إن التطرف ليس فطرة يولد عليها الإنسان، وهنالك عوامل كثيرة تؤدي إلى نوع من أنواع التطرف، ويوجد دائمًا متطرفٌ أكبر يعمل وفق غطاء يحميه كان المسبب في تطرف العشرات، فلو استطعنا إيقاف هذا المتطرف وإزالة الغطاء ومحاسبته، لاستطعنا تخفيض نسبة المتطرفين إلى درجة تُسهل من عملية القضاء على التطرف وعناصره بنتائج أكبر؛ كالقضاء على نظام بشار الأسد ومحاسبته الذي سيزيل عشرات المليشيات المتطرفة في سوريا ويسهل إنهاء وجود القسم الآخر المتبقي منها. فمحاسبة نظام الأسد منذ البداية كان يعني عدم وجود ميليشيات إيران وحزب الله وميليشيات عراقية أخرى، وبقاء كثير من قادة داعش والقاعدة في السجون، ولما رأينا هذا العدد من حملة السلاح.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.