“صراع الخلافة” داخل أروقة التنظيمات الإسلاميّة | القسم السابع

سرمد الجيلاني – خاص صوت وصورة 


هذه الورقة البحثيّة هي السابعة من سلسلة مواد سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “نبوءة داعش” ونشأتها منذ ولادة الفكرة في القرن الماضي حتى يومنا هذا.


تركزت حرب تنظيم داعش الإعلاميّة ضد تنظيم القاعدة على أساس تقسيمه، إذ واضب المنتمين لتنظيم داعش من منظّرين و كتّاب إلى تقسيم القاعدة إلى عدّة أقسام، وقد أسموها “قاعدة بن لادن” و “قاعدة الظواهري” والتي يعملون على إظهار تقاطع الأفكار و المنهج بينهم و بين ما أسموه “قاعدة بن لادن” مع إيضاح اختلاف منهجهم عن منهج “قاعدة الظواهري” والتي يصفون أنها تحاول حرف الطريق الجهادي وأنّ العلاقات المشبوهة قد وصلت إلى قادتها.

ولكنهم كثيراً ما حاولوا الابتعاد عن أي حديثٍ يتطرّق إلى الانقسام الذي حصل في بدايات نشوء دولتهم، و الانشقاقات الفكرية و التنظيمية التي حدثت بشكلٍ متتابع حتى وصلوا إلى الشكل الذي هم عليه الآن، إذ أن تحوّل “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” إلى “دولة العراق الإسلاميّة” والتي يسقطون عنها صفة التنظيم و أخيراً “الدولة الإسلاميّة” كانت عمليّة ولادةٍ صعبة جداً.

نتحدث في هذا القسم عن رسالة أبو سليمان العتيبي إلى بن لادن والتي قد ذيّلها أبو سليمان بتاريخ ربيع الثاني من عام 1428 هجري والموافق الشهر الخامس من عام 2007 أي بعد أشهرٍ من الإعلان عن دولة العراق الإسلاميّة، والتي قيل أنها مسرّبة، و رغم تكذيب العديد من المنظّرين المناصرين لتنظيم داعش لهذه الرسالة، أميل إلى صحّتها لتوافق المعلومات الواردة فيها مع عدّة أحداثٍ صحيحة قد ذُكرت، بالإضافة إلى أنّ حرب الوثائق المسربة بين التنظيمين لم يتوقف، إذ أن تسريب الرسائل المُدينة للظواهري في عهد دولة العراق الإسلاميّة و تسريب المعلومات الكثيرة عن “أبو مارية القحطاني” والذي أسموه “أبو مارية الهراري -أحد القادة المنضويين تحت راية القاعدة- يؤكد أنها حرباً ممنهجة يحاول الطرفان فيها ضرب مصداقيّة الآخر.

بدايةً، من هو أبو سليمان العتيبي، هو القاضي الشرعي لتنظيم “دولة العراق الإسلاميّة” في تشكيلة الدولة التي أعلن عنها هذا التنظيم و قد كان أبو عمر البغدادي حينها قائد تلك الدولة، و العتيبي هو من شغل منصب قاضي “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” قبل الإعلان عن دولة العراق الإسلاميّة، يُقال أن العتيبي هو محمد الثبيتي، وقد انضمّ في أواخر العقد الثالث من عمره إلى تنظيم القاعدة في العراق، كان تواجده الأكبر في منتدى الحسبة على شبكة الانترنت والذي كان أحد المنتديات التي يلتقي فيها شرعيي و عناصر التنظيمات المتطرفة في أنحاء العالم و العرب منهم في أفغانستان و العراق على وجه الخصوص، لم يكمل العتيبي دراسة الشريعة في السعودية مسقط رأسه حيث أتجّه للقتال في صفوف القاعدة قبل التخرّج، وقد كان طالباً للشيخ عبدالعزيز الراجحي وأحد المقربين منه، وبقي إماماً لأحد مساجد الرياض العاصمة السعوديّة حتى منتصف عام 2005.

يتحدث العتيبي في رسالته بعنوان “إلى الشيخ أسامة بن لادن، عن أحوال الجهاد في العراق” عمّا يحدث في داخل تنظيم دولة العراق الإسلاميّة، و يعبر مراراً عن استياءه و طلبه التدخل قبل أن يسوء الأمر أكثر.

و يقول العتيبي أن ما دفعه لكتابة رسالته هي خوفه من “انحراف” فرع التنظيم في العراق عن منهجه و “خشية الفتنة” متحدثاً أن الإعلان عن دولة العراق الإسلامية قد كان سبباً في سوء الأوضاع و يضيف أنّه بعد “القوة والتمكين” التي وصل إليها التنظيم بات يتّجه إلى “الضعف و تساقط المناطق منطقة تلو الأخرى” و يضرب مثالاً مدينة الرمادي العراقيّة والتي يقول أنّ التنظيم كان يفرض سلطته فيها مع التنويه إلى عدم سيطرتهم الكاملة, إلا أن السلطة كانت للتنظيم ولكن “بعد إعلان دولة العراق الإسلاميّة” لم يعد لهم سيطرة فيها.

و يكمل العتيبي رسالته بضرب مصداقية أبو حمزة المهاجر والذي كان يشغل منصب وزير حرب دولة العراق الإسلاميّة حيث يتحدث عن تشكيل المهاجر لما أسماه “حِلفْ المُطيبين” والذي كان الخطوة الأولى لتشكيل “مجلس شورى المجاهدين” أنّه لم يكن حِلفاً يجمع تلك التنظيمات والفصائل المقاتلة، بل مجرد انضمامٍ لقادتها والذين يصفهم أنهم “لا علاقة لهم بالجهاد و منهم من لم يحمل السلاح وإنما هي أسماءٌ مجرّدة” وقال أنّ المهاجر قد سلم مناصب لهم في دولة العراق الإسلاميّة، والذي نتج عنه حسب وصفه “انحرافٌ عن المنهج، واختراقاتٌ أمنيّة، وسرقةُ لأموال المسلمين” ويضرب مثال ذلك استيلاء أبو عبدالرحمن الفلاحي نائب قائد دولة العراق الإسلامية و قائد تنظيم “سرايا الجهاد” – سرايا الجهاد أحد التنظيمات المُشكِّلَة لحِلف المُطيبين والذي كان يضم، سرايا الجهاد، سرايا الغرباء، كتائب الاهوال، جيش أهل السنة، وجيش الطائفة المنصورة و العديد من التنظيمات الأخرى – على 26 شاحنة من رجلٍ كان يتعاون مع “تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين” ويقول أنّه بالرغم من التواصل مع أبو حمزة المهاجر و عدم إدانة الرجل لم يتم إعادة الشاحنات إليه ليكمل “أن هذا واحد من الأخطاء التي لو استمرت ستكون خطيرة”.

و يقسّم العتيبي رسالته إلى حديثٍ عن الأخطاء الشرعيّة لتنظيم دولة العراق الإسلاميّة، و أخطاء “تمسُّ المنهج” بالإضافة إلى أخطاءٍ شرعيّة قام بها قائد التنظيم أبو عمر البغدادي.

أما عن الأخطاء الشرعيّة كانت حسب وصفه “التساهل مع من يوالي المرتدين ردة مغلظة” مثل قوات الجيش العراقي و الشرطة، والتي ضرب فيها مثال تعامل محارب الجبوري وزير الإعلام في تنظيم دولة العراق الإسلاميّة والناطق باسمها مع شرطيٍّ قال “إنّه كان شديداً على المجاهدين” مع تساهل دولة العراق الإسلاميّة في قضية حرق عشيرةٍ في المنطقة لثلاثة مقاتلين في صفوف التنظيم، ويعزي أسباب التساهل إلى “غياب أبو حمزة المهاجر عن الساحة، و اكتفاؤه بالتقارير التي تُرفع له مع أنّ الوُلاة وأمراء القواطع يُصرحون بعدم رفع صحّة ما يحدث إلى الإمارة” و اكتفاء أبو عمر البغدادي بسماع ما يقوله أبو حمزة المهاجر دون أي معارضة.

ويعود لذكر أبو عبدالرحمن الفلاحي مرّة أخرى أنّ أبو عمر البغدادي يدافع عنه باستمرار و أنّه عارض إعدام عدّة “مجرمين كانت تهمتهم العمالة” علماً أنّه يؤكد – العتيبي – رفع تقاريرٍ كاملة بقضيتهم ولكن البغدادي “لم يطّلع عليها”.

كما يذكر العتيبي أن أبو حمزة المهاجر قد فهم أشراط الساعة بطريقة خاطئة “حتى أنه جزم بخروج المهدي خلال أقلِّ من عام” مما دفعه إلى اتخاذ قراراتٍ متسرعة و إجبار المقاتلين على النزول إلى ساحات القتال و الدخول في معارك خاسرة، ويؤكد العتيبي أنّه قد نصح المهاجر بعدم إعلان دولة العراق الإسلاميّة، ولكن رد المهاجر كان “ما بقي شيء على ظهور المهدي” ويقول أن المهاجر قد أمر “بصنع منبرٍ ليعتليه المهدي عند ظهوره” ليصف العتيبي دولة العراق الإسلاميّة إلى أنها “مسألة تجميع للرايات مع اختلاف القلوب والمناهج”، ويرى العتيبي أنّ أبو حمزة المهاجر أصبح يشكك في قراراته و ينتهك أموراً شرعيّة و ذلك “بعد انعزاله” ويقول “أصبح يميل أبو حمزة المهاجر إلى الإرجاء دون أن يشعر، وذلك بسبب جلوسه في البيت وقراءة الكثير من الكتابات التي تحوي الإرجاء وهو غير مؤصل علمياً في هذا الباب” بالإضافة إلى “سماعه الكثير من محاضرات المرجئة المُخذِّلين مثل سلمان العودة وناصر العمر مما أدى إلى التأثر بهم، والاتجاه إلى اللين و التودد، حتى أنه انتقد أبو مصعب الزرقاوي وقال أنه شديد اللهجة” وهذا ما يراه العتيبي “سبب تراجعه عن تكفير الكثيرين ممن كان يرى كُفرهم مثل مثنى حارث الضاري قائد “كتائب ثورة العشرين” – في تصريحٍ إعلامي صادر عمّا يسمى “مكتب أمير المؤمنين أبو عمر البغدادي” والذي يحمل الرقم 87 يثني أبو عمر البغدادي على كتائب ثورة العشرين و يصفهم بأنّهم فصيلٌ جهادي منضوي تحت راية دولة العراق الإسلاميّة وقد بايعوه على الموت وتاريخ التصريح بعد تاريخ رسالة العتيبي بما يقارب الشهر -.

ويدرج العتيبي تصريحاً قال أن أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر قد خصّوه فيه قالوا “يجب أن نُعيد النظر في سياسة أبي مصعب لأنها سياسة صِدام” ويقول انّه تصريحٌ خطير ويقول أن مراعاة النقد الذاتي التي يطلبها أبو حمزة يجب أن تراعي الأمور الشرعيّة ولكن “أبو حمزة لا يهتم بضوابط الشرع في كثير من الأحيان”.

و ينتقد العتيبي التشكيلة الوزاريّة التي تم الإعلان عنها بعد قيام دولة العراق الإسلاميّة حيث يراها “تشبهاً بطواغيت العرب والعجم” ويرى أنّ تسميّة راية التنظيم بالعلم و الإصرار على أنّه دولة وليس تنظيم “مخالفة من الناحية الشرعيّة” ويكمل أنّ أبو عمر البغدادي قد “تشبّه بالطواغيت حتى بات يلتزم حدود الدولة – أي حدود الأراضي التي يسيطر عليها تنظيم دولة العراق الإسلامية -” ويقول أنّه “غالى في التشديد على الإخوة حيث قال، لو وجدتَ نوري المالكي في غير قاطعك لا تقتله، وقالها بإطلاق، قلت له لعلك تقصد التشديد، فكان ردّه لا، لا تفعل أي شيء ومن يفعل يُعاقب”.

أمّا عن الأخطاء التي “تمس المنهج” هو “ميل منهج أبو عمر البغدادي إلى منهج الإخوان وذلك بسبب استماعه المكرر لهم دون حصانة علميّة” ويرى أنّ الأمر تجلّى في “سياسة التجميع التي اعترف البغدادي بها، حيث يسعى إلى بيعات جماعات أخرى ضالّة كـ “الجيش الإسلامي” أو مرتدة مثل “كتائب ثورة العشرين” وأقصد هنا الرايات لا الأفراد، بل أصبح يضعهم قادة و أمراء، علماً أنّ مثل هؤلاء يتم احتوائهم بالخُلق الحسن والمال لا بتسليمهم مناصب في الولايات، وهذا ما جعل البغدادي يُقصي الإخوة السابقين في التنظيم و يراهم متشددين، حتى أصبح لا يحب ذكر التنظيم بحجّة أن أهل العراق لا يحبون ذلك”.

ويقول العتيبي أن البغدادي قد صرح له أنّه يتبع “سياسة المكر” وهو ما يراه “خاطئاً لأنّ المكر وسيلة وليس غاية ولكن تصرف البغدادي هذا بسبب اتباعه منهج الإخوان المسلمين” و هذا كان سبباً في ما قال أنّه “أصبح يُركز على الجانب السياسي ويهمل العسكري، و يمكر مع التنظيمات الأخرى علماً أن من يقوم بالعمل العسكري هم عناصر التنظيم و في حالاتٍ نادرة أفراد من باقي التنظيمات”، ويكمل “إن تأثر البغدادي بمنهج الإخوان أوصله إلى توليته أصحاب الفكر الإخواني مناصب في الدولة عندما راجعناه قال إن هذا الأمر لمصلحة الدولة، حتى أنّه نصّب أبو عبدالرحمن الفلاحي نائباً له وهو الذي يسرق الأموال، وذلك كلّه مجاملات على حساب الدين”.

أما في خصوص هل هي دولة العراق الإسلامية أم تنظيم دولة العراق الإسلاميّة يقول أبو سليمان أن أبو عمر البغدادي كان “يضطرب في هذا الأمر حيث يقول هو فقط إعلان” حيث يكمل العتيبي أن الدولة بمعنى الإمارة هي مُقامة و متمثّلة بإمارة طالبان، وأن التبعية تكون للملا محمد عمر و أسامة بن لادن، وهذا ما كان رأي البغدادي عليه قبل أن يصبح قائداً للتنظيم – أي عندما كان أبو مصعب الزرقاوي هو القائد – ولكن البغدادي قد صرّح على حسب قوله في أحد المجالس “إنها إقامة دولة وليس مجرد إعلام، حيث انتقل التنظيم من حالته السريّة إلى إقامة دولة” وهذا ما يقول عنه العتيبي أنّه “مخالفٌ للشرع، حيث تم الإعلان عن الدولة دون تحديد خريطة أو منطقة، بل حتى دون العودة إلى أهل الحل و العقد و الشرعيين وهم الذي يخالفونه بهذا الخصوص و لكنهم لم يشاورهم في الإعلان أصلاً”.

و يتحدث أبو سليمان العتيبي عن تنصيب أبو عمر البغدادي لنفسه “خليفةً للمسلمين” بعد خروج “قوات الاحتلال” حيث وصف نفسه أنّه أمير المؤمنين الأعظم، و يقول “عندما قلت لأبو عمر البغدادي أنّ حديث رسول الله صلى الله عليه و سلّم يقول (( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر )) قال أبو عمر أن أحد الأمراء سيبايع الآخر” و يتعجّب العتيبي من إعلان أبو حمزة المهاجر للدولة دون تحديدٍ لأمير المؤمنين -وهو الذي يرى فيه مغالطات شرعيّة في الأساس- وإنّما أسماه بإسمٍ مستعار -أي أنّه قال أبو عمر البغدادي و لم يسمّيه باسمه الصريح وهو من الأمور الواجبة عند إعلان الخلافة والذي قد تقيّد فيه أبو بكر البغدادي حيث كشف عن وجهه عند إعلان عمّا يسمّى الدولة الإسلامية- ولكن المهاجر قال إنّه عيين أبو عمر البغدادي في فترةٍ تجريبيّة مدتها شهر.

و يختم الاخطاء التي تمس المنهج بحديثه عن “تقريب أبو عمر البغدادي للسفهاء وأصحاب المناهج الباطلة من حملة الشهادات الدنيويّة، وتوليته من لا تبرأ لهم ذمّة، ذاكراً في حديثه أبو هاجر قاضي منطقة الكرمة والذي يصفه بالرجل الخبيث”.

أمّا بخصوص الأخطاء الشرعيّة المتعلقة بذات أبو عمر البغدادي، أولها الكذب، حيث يقتبس ما قاله البغدادي في كلمته “حصاد السنين بدولة الموحدين” والصادرة عن مركز الفجر للإعلام “أننا نملك ثمانين بالمئة من صلاح الدين وديالى، أما في الأنباء فإننا نملك زمام المبادرة” واصفاً للتصريح بأنه “عجيبٌ جداً يضحك كلّ من سمعه حتى من ينتهجون منهج أبو عمر، إذ أن العمليات قد تراجعت في تلك المناطق بشكلٍ ملحوظ، حتى أننا لم نعد نملك مأوىً ولا بيت ولا نستطيع تصنيف كلامه بأن الحرب خدعة لأنّ كلامه موجهٌ للإخوة المجاهدين”، ويقتبس أيضاً قول أبو عمر “أن الإخوة الذين تبايعوا على الموت لاقتحام الرمادي أخيراً قد فتحوها” قائلاً عنه “الكل يعرف أنه قُتل أكثرهم وأُسر الآخرون وما سلم إلا النادر” ويتحدث من جانبه العتيبي عن قصة تلك المعركة “أن أبا حمزة قد غضب على المقاتلين من الرمادي مهاجرين وأنصار بسبب من يجاملهم فأمرهم أن يقتحموا الرمادي و هي ساقطة بيد العدو وكان خيارهم إما أن يُقتلوا في الاقتحام أو أن يُخلّص عليهم” و يؤكد أنّ هذه الرواية منقول عن أمير الرمادي والمسؤول الإداري للأنبار كاملة.

كما يستهجن العتيبي صفة عُجب البغدادي بنفسه حيث سمعه يمتدح نفسه بلا داعي لذلك ويذكر قول البغدادي ذات مرّة “لقد فتح الله علي بما لم يفتح على أبي مصعب” واصفاً الكلام أنّه “كذب وفيه إعجاباً بالنفس لا ينبغي لمثله أن يقوله بلا مبرر”، ويذكر العتيبي أن من صفات أبو عمر البغدادي بذاءة اللسان حيث سمعه يقول للمقاتلين “حمار، سافل، زفت، حقير”.

و يكمل العتيبي واصفاً أبو عمر البغدادي “بضعف الشخصيّة بشكلٍ كبير”حيث يغضب كثيراً و يضطرب كثيراً ومثاله على ذلك “تغيير أمير منطقة الرمادي ثلاث مراتٍ في شهر واحد وهذه العَجَلة أضرّت بنا كثيراً”.

وينهي أسبابه بقوله “خلاصة قولي في هذه المصيبة العظيمة و أنا مسؤول أمام الله أنني أريد الإصلاح وهذه شهادة أشهدها يوم القيامة، والوضع قد تدهور بشكلٍ كبير بسبب هذه القيادة، الوضع يسير إلى الهاوية والآن نقترب جداً من الهاوية، والوضع قبل إعلان الدولة كان أقوى و أمكن أضعاف الحال الآن، وهذا ما كسبت أيدينا وبتضييعنا للأمانة”.

و ينوّه العتيبي أنّ كثير مما يُعرض من العمليات على “مؤسسة الفرقان” هي مقاطع قديمة يتم إعادتها بإنتاج آخر “مثل غزوة فكو العاني” والتي يتحدث عنها بأنها “كانت غزوة إخراج السجناء على عهد أبي مصعب وتخرج الآن بإصدار جديد لدولة العراق الإسلاميّة، وكثيرٌ مما يُعلن هو كذب أو مبالغ فيه، مثل إعلان المجاهدين اقتحام سجن بادوش في الموصل و إخراجهم السجناء، فهذا ليس بصحيح، وإنما كان اتفاقاً مع الشرطة وأعطوهم مبلغاً وأظهروا لنا أنها غزوة وفتح، والعدو يعرف بهذا الأمر فالكذب هنا على الإخوة وليس العدو هناك من الأمثلة الأاخرى الكثير”.

ويتحدث العتيبي عن امتناعه الإجابة على أسئلة قد أرسلتها مؤسسة الفجر الإعلاميّة – مركز إعلامي تابع لتنظيم القاعدة الرئيسي في أفغانستان وباكستان تم تأسيسه بعد إعلان تنظيم دولة العراق الإسلاميّة عن نفسه حيث باتت آلية العمل الإعلامي تتركز على توحيد جميع المؤسسات الإعلاميّة تحت مظلة هذا المركز وهم الوحيدون المخولون بنشر البيانات و المواد الإعلاميّة ومن أشهر المؤسسات التي كانت تتبع له مؤسسة الملاحم و مؤسسة السحاب و مؤسسة الفرقان و مؤسسة الأندلس حيث كان يعتبر اللجنة الإعلامية العليا لتنظيم القاعدة – مبرراً ذلك بأنه “سيسبب فتنة إذا تحدثت عن حقيقة ما يجري في الساحة”.

ويختم العتيبي رسالته بأنّ بياناً قد صدر من أبو حمزة المهاجر يوصي بعزله عن منصبه و تعيين أبو إسحق الجبوري مكانه وذلك بعد طلب العتيبي عزله عدّة مرات وكان الجواب يأتي بالرفض، ولكن “سوء الظروف وعلم أبو حمزة بأني أريد إرسال هذه الرسالة إليكم جعله يعزلني ومنذ قد طلبت منه عزلي حتى الآن لم ألتقِ به أبداً” و هذا ما اقتضاه إلى التنويه بأنّه قد عدل رسالته بعد صدور قرار العزل وختم بها نص البيان الذي تحدث عن عزله والصادر عن “مكتب أمير المؤمنين أبو عمر البغدادي” بأمرٍ من أبو حمزة المهاجر.

 

الخلاصة

 

توضّح الرسالة لنا مدى الانقسام الحاصل جراء إعلان أبو عمر البغدادي و أعوانه عمّا يسمى “دولة العراق الإسلاميّة” والتي كانوا يصرّون على أنها دولة ليست بتنظيم، وحينها كانت البدايات الأولى لتشكيل نواة تنظيم داعش بشكلٍ تنظيمي، ويتجلّى لنا الأمر بالاختلاف الواضح بين أبو سليمان العتيبي والمحسوب على تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين رغم شغله لمنصب قاضي دولة العراق الإسلاميّة وبين أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر و من معهم الساعين لتشكيل دولة العراق الإسلاميّة والتي كانت حجر الأساس لما هو عليه تنظيم داعش اليوم.

كما يتوضح لدينا انقسامٌ آخر، إذ أنّ العتيبي كان حريصاً على عدم إعطاء أي تصريحٍ إعلامي حتى لوكالةٍ إعلاميّة محسوبة على أنها مشتركة بين تنظيم القاعدة ودولة العراق الإسلاميّة دون الرجوع إلى قائده علماً أنّ قناة الجزيرة قد نشرت وثائقياً بعد تاريخ الرسالة بعدّة أشهر بعنوان “سري للغاية – العبور إلى المجهول” والذي أرجّح قرب وقت تصويره من تاريخ الرسالة لما يحتاجه من عمليات إعدادٍ وتحرير، وقد التقى مقدّم البرنامج يسري فودة مع من يسمّى أبو صالح الجيلاني الذي وصفه بأنّه القائد العسكري لكتائب ثورة العشرين وهذا ما يوضّح عدم التزام كتائب ثورة العشرين بالميثاق الإعلامي ولا يستطيعون الإخلال به دون رجوعهم إلى من بايعوه – أي أبو عمر البغدادي – وقد ذكرنا سابقاً أن العتيبي ذكر كتائب ثورة العشرين بأنّه يراهم من المحسوبين على الكفّار و أنّهم محسوبين على البغدادي وأيضاً قد ورد سابقاً في رسالة البغدادي الذي وصفهم فيها بالمجاهدين، لنرى مرة أخرى محاولة تنظيم دولة العراق الإسلاميّة عزل نفسه عن تنظيم القاعدة والالتزام بكيانه الخاص “كـدولةٍ لا كـتنظيم.

كما نلاحظ أن إصدارات التنظيم حتى هذه اللحظة ما زالت تقتبس كلاماً من أسامة بن لادن و تضع صورته في المقاطع المخصصة لصور قتلى قادة التنظيم على الرغم من اختلافهم مع أفرع تنظيم القاعدة و المهاجمة المستمرة لقائد التنظيم الحالي أيمن الظواهري. وإسقاطاً للمواقف التي حصلت سابقاً بين تنظيمي القاعدة و دولة العراق الإسلاميّة على المشاكل الحاصلة منذ عدّة سنوات حتى الآن بين جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في سوريا و تنظيم الدولة الإسلامية الذي كان نواته تنظيم دولة العراق الإسلاميّة ، نرى أن مشكلة وجود خليفتين في ذات الوقت – كان الملا عمر خليفة و أسامة بن لادن قائداً في ذلك الوقت و أعلن أبو عمر البغدادي نفسه خليفة – من الممكن أن تتكرر ، إذ أن البغدادي يُعلن نفسه كخليفة على المسلمين منذ عدّة سنوات ليسطع الآن نجم حمزة بن أسامة بن لادن والذي قد مهدّ الظواهري لقيادته بوصفه منذ عامين عندما قال “أسدٌ من عرين القاعدة سيكون قائداً” والذي يُرجح أنّه حمزة، وربما نرى مجلس شورى جديد حلّاً لهذا الخلاف كما حصل سابقاً يكون البغدادي خليفةً فيه و حمزة بن لادن قائداً له ، ويبقى الكلام مجرد تكهنات في ظل عدم وجود ثوابت على الأمر .

 


القسم الأول من الدراسة
داعش بين المرحلية و البقاء في نظرية المراحل الست | القسم الأول

القسم الثاني من الدراسة

التنظيمات “الجهادية” بين فطرتها و صناعة المخابرات لها| القسم الثاني 

القسم الثالث من الدراسة

“أبو بكر ناجي” واضع حجر الأساس لتنظيم داعش| القسم الثالث

القسم الرابع من الدراسة

“إدارة التوحش” الفاصل بين جِيْلَين من “الجهاديين” | القسم الرابع

القسم الخامس من الدراسة

“الفريضة الغائبة” لمحمد فرج دستور الأوائل | القسم الخامس  

القسم السادس من الدراسة
أبي الحسن الأزدي من التورع عن دماء المدنيين إلى استهدافهم المباشر | القسم السادس

Syrian blogger , ‎Advocacy Trainer of Sound and Picture organization , Co-Founder at Raqqa is Being slaughtered silently

Leave a Reply

Your email address will not be published.