خاص #صوت_وصورة

اكثر من700 يوم من الظلم والظلام عاشها أهالي ديرالزور شرق سورية وكأنها 700 سنة ولا يبدو انها ستنتهي في المستقبل القريب، حيث أعلنت ديرالزور الحداد على أهلها منذ سيطر جنود البغدادي على المدينة قبل عامين ولا يزال السواد يغطيها وشبح الموت يخيم فيها وسط تمسك الأهالي بأمل حصول معجزة قريبة من قبل محررين لا غزاة لتدمير قلعة البغدادي وجدرانها التي حجبت نور الحياة وجعلتها جحيم قبل الموت

 

 الترهيب والقبضة الأمنية

منذ الأيام الأولى لدخول داعش إلى ديرالزور عمد تنظيم داعش على استخدام سياسة العنف والترهيب ضد الأهالي لأنه لم يكسب ولن يكسب ثقتهم بعد الدماء التي أراقها في معاركه ضد أبنائهم ، فقد شهدت الأشهر الأولى بعد سيطرة جنود البغدادي مجازر عديدة وعمليات اعدام كثيرة واعتقالات للمئات من الشباب وحتى الأطفال بحجة انتسابهم للجيش الحر أو جبهة النصرة وفتح مراكز الاعتقال والسجون في كل قرية ومدينة ولكن كان الهدف من ذلك هو زرع الخوف والرعب في قلوب الأهالي وليفرض تنظيم داعش حماية ذاتية لجميع عناصره من أي خطر يهددهم من قبل الأهالي، 700 يوم مضت في ديرالزور والأهالي يعيشون تحت قانون الطوارئ الخاص بخلافة البغدادي وما أشبهه بقانون الطوارئ على أيام نظام البعث البائد من حيث الاعتقالات العشوائية والسجون وأساليب التحقيق والتعذيب فيها, وتجنيد المخبرين والجواسيس في كل مكان، وبعد انقضاء الأشهر الستة الأولى التي كانت عبارة عن مجازر جماعية واعتقالات تعسفية وبعد أن امتلأت السجون في سوريا والعراق انتقل التنظيم الى سلسلة الرعب التي لم تنتهي الى اليوم وهي الاعدامات أمام الأهالي في ساحات وشوارع ديرالزور وريفها وبطرق مختلفة “نحر بالسكين -ضرب بالسيف – رصاصة في الرأس “ومن ثم صلب الجثث ثلاثة أيام متتالية، أو تنفيذ الاعدامات بطرق أكثر وحشية “تفخيخ وتفجير -حرق بالنار -غرق بالماء” وغيرها الكثير من الطرق المرعبة ويتم تصويرها ثم اصدار فيديو خاص عنها وبثه على شبكات الانترنت وعرضها للأهالي لاحقا في ساحات المدن والبلدات وهي متلازمة قد فرضها تنظيم داعش مع حياة الأهالي بشكل شبه يومي الى يومنا هذا .

 

منع العمل والتعليم و فتح باب التجنيد

تقوم سياسة تنظيم داعش على المنع والتحريم عن طريق فتاوى شرعييه والتي تصدر بحسب الأولويات بما يتوافق ويتناسب مع مصالح التنظيم وجنوده، فبعد أن بسط التنظيم سيطرته على المدينة وريفها بشكل كامل وحكمها بالدم والرصاص اتجه جنود البغدادي الى محاولة تجنيد الأهالي وخصوصا الشباب والأطفال , فافتتح الأمر بتحريم الذهاب الى الجامعات والمدارس في مناطق سيطرة قوات الأسد بمدينة ديرالزور أو المدن الأخرى بحجة أنها مناطق كفر وقد تم اعتقال العشرات من الشبان في وقتها بسبب محاولة ذهابهم لاستكمال دراستهم في مناطق سيطرة النظام، بعد ذلك أطلق تنظيم داعش فتاوى جديدة تم بموجبها إغلاق جميع المدارس وحرق المناهج الدراسية بشكل كامل بحجة أنها أدوات للكفر والردة وبالفعل تم التنفيذ وحرمان آلاف الأطفال والشبان من التعليم وتشريدهم في الشوارع والأسواق .

 

بعد منع التعليم وإغلاق المدارس أصدر شرعيي تنظيم داعش فتاوى جديدة لتحريم العمل في مناطق النظام ومؤسساته الخدمية بشكل كامل وتحريم حتى استلام الرواتب المالية من النظام فتم منع الموظفين والعمال جميعهم من الذهاب إلى عملهم في مناطق النظام بالمدينة أو الذهاب لاستلام رواتبهم للأشهر السابقة بحجة أنها حرام ومخالفة للشريعة وبالفعل كان للتنظيم ما أراده فقد انتشرت البطالة والفقر بين الأهالي وتشردت الأطفال في الشوارع و الأسواق لملء وقت الفراغ أو البحث عن عمل لمن يستطيع ذلك.

بعد ذلك فتح تنظيم داعش باب الانتساب والتجنيد في صفوفه وبمختلف المجالات سواء في المؤسسات والخدمات والمشافي التي سيطر عليها أو في الأجهزة الأمنية أو المعسكرات والجيش و طبعا في ظل الفقر وعدم وجود مصادر دخل لكثير من الشباب والرجال فقد بادروا للانتساب والعمل مقابل الأجور المالية .

 

  • وبحسب ما أفاده “ابو علي “من أهالي مدينة الميادين قال : لقد اعتمد تنظيم داعش في التعامل معنا وخلال عامين على سياسة الترهيب والتجويع لأنه لم يستطيع كسب ولائنا ومحبتنا له فقام بمنع كل شيء سواء كان حرام أو حلال إلا أن يتم عن طريقه وطبعا بعد منع العمل والدراسة سواء في تلك التابعة للنظام في مناطقه أو التابع للمنظمات الثورية التي كانت منتشرة في المناطق المحررة قبل أن يستولي عليها داعش بعد ذلك لم يبقى سبيل للكثير من الأهالي إلا العمل تحت إدارة داعش في المؤسسات الخدمية أو المشافي أو التطويع في الأجهزة العسكرية المختلفة لدى التنظيم وطبعا يتم قبولنا في العمل بعد اخضاعنا لدورات استتابة ودورات شرعية ، وأشار “أبو علي” الى وضع الأطفال قائلا: بالنسبة للأطفال الوضع مختلف كثيرا عن الرجال والشباب فالتنظيم ومنذ بداية سيطرته قبل 700 يوم وهو يحاول استقطاب جميع الأطفال وبكل مكان ويقوم بتجنيدهم في معسكراته فيتم اغرائهم ببعض المال وحمل السلاح ويتم التركيز في تعليمهم داخل تلك المعسكرات على التكفير والقتال وعدم الخوف والجهاد والعمليات الانتحارية والسمع والطاعة لفتاوى وقرارات البغدادي بحجة أن ذلك من أجل إقامة الخلافة وحمايتها من الكفار وهذا بحد ذاته يعتبر غسيل لأدمغة الأطفال وزرع الفكر المتطرف في عقولهم وقلوبهم .

 

استنساخ للعصر الحجري

لم يعد للحياة خيارات كثيرة لتعيشها في مناطق سيطرة داعش وليس لديك الحرية في اختيار نمط حياتك أو اختيار ما يناسبك سواء في بيتك أو في خارجه، يوجد فقط نمط واحد للحياة فرضه جنود البغدادي ووضعوا له قوانين لا يمكن تجاوزها وهو أقرب ما يكون محاكاة ” للعصر الحجري”.

نعم هذا ما يتم تطبيقه من قبل تنظيم داعش بحجة إقامة الخلافة المزعومة حيث يقوم التنظيم بتصوير الحياة الإسلامية وكأنها مرتبطة بالعصور الحجرية ولا يمكن للإسلام أن يتعايش مع العصور الحديثة وتقنياتها بحجة أنها أدوات للكفر والردة ، فقد بات تنظيم داعش يفرض عليك نوعية لباسك وطعامك وشكلك وعملك وكل شيء في حياتك يجب أن يكون على مزاج البغدادي وجنوده وحتى الألوان ليس لديك الحرية في اختيار ما تريده .

  • مراسلنا في الريف الشرقي لديرالزور نقل معاناة الأهالي وحياتهم عبر لقائه مع بعضهم والحصول على شهادات كان من بينها الحديث مع “ابو احمد” من مدينة البوكمال حيث قال :

تسألني عن الحياة ..؟!! أين هي الحياة ..؟!! لم نعد نشعر بطعم للحياة تحت حكم البغدادي وتنظيمه فقد سرقوا كل شيء جميل فيها خلال ولم يعد للحياة معنى لأنك مرغم على أن تعيشها وفق نسق معين وقوانين ظالمة لا تطيقها ولا تستطيع رفضها منذ سنتين ولا تعلم الى متى سوف تستمر هذه المعاناة والجحيم الداعشي، فمنذ عامين وبسبب داعش نعيش كابوس مرعب مستمر معنا في النوم واليقظة والليل والنهار، ليس هناك طفولة في حياة الأطفال ولا يوجد آمل في حياة الشباب وليس هناك احترام وتقدير لحياة الشيوخ وكبار السن والأمر متشابه سواء كان للرجال أو النساء.

 

أما الشاب “جمعة” من مدينة الميادين كان جوابه :حياتنا بعد 700 يوم من حكم داعش ليس لها مثيل لا في الشرق ولا في الغرب ثم “ضحك قليلا وبشكل ساخر وقال بغصة “: انظر الى الناس هل ترى في وجوهنا شيء يدل على الحياة سوى أننا نتنفس الهواء ؟ نعم فقط هذا هو الشيء الوحيد دليل على وجودنا في الحياة ولا يوجد غيره، لقد منعونا من كل شيء بحجة هذا حرام وهذا كفر وهذا فساد وذاك فجور وغيرها من الفتاوى الظالمة، فقد فرض داعش علينا خلال 700 يوم مضت نمط حياة يشبه حياة الناس في العصر الحجري التي كنا نقرأها في كتب التاريخ، فمثلا بالنسبة للرجال والأطفال : لا تستطيع ارتداء ما تريد أو يناسبك عليك الالتزام ببنطال قصير فضفاض من الأعلى وضيق من الأسفل وقميص أو كنزة فضفاضة أو ارتداء الزي الباكستاني “القندهاري” أو ارتداء الزي الشعبي “كلابية” بحيث تكون أيضا فضفاضة وقصيرة والابتعاد عن الألوان الزاهية لأنها منكرة وحرام في شريعة داعش .

وأضاف أيضا: بعد عامين من العيش في مناطق سيطرة داعش ترى جميع الرجال والشباب ووجوههم مغطاة بالشعر وهذا بعد فتوى شرعيي الخلافة أن يتم فرض إطلاق اللحية وتحريم حلقها، كما يجب عليك عدم المخالفة بطريقة قص شعرك أو تسريحه ويجب أن يتم حلقه بمستوى واحد أو أن يتم إطلاقه بشكل كامل وعدم قص أجزاء منه لأن هذا يعتبر تشبه بالغرب والدول الكافرة .

 

ويتابع “جمعة” حديثه: أما بالنسبة للنساء فالأمر أسوء فمنذ الأيام الأولى لسيطرة داعش على المنطقة فرض عليهن الزي الأسود الكامل فقط “عباءة و درع و نقاب” وحتى الأحذية والحقائب يجب أن تكون باللون الأسود ومن يخالف هذه الشروط والقوانين يتم اعتقاله والعقوبات تكون بحسب مزاج عناصر جهاز الحسبة أو الدورية .

ثم ختم قائلا : هذه صورة بسيطة عن حياتنا خلال 700 يوم مضت في جحيم خلافة البغدادي ولا نعلم هل ستمتد الى 700 يوم أخرى أو أقل أو أكثر نحن فقط نحصي الأيام ونتنفس الهواء .

 

لا تواصل ولا اتصالات

يعيش الأهالي في مناطق سيطرة تنظيم داعش بمعزل وانقطاع عن العالم الخارجي “خارج مناطق سيطرة داعش” وذلك منذ الأشهر الأولى التي لسيطرة التنظيم حيث عمد جنود البغدادي الى قطع كافة وسائل الاتصالات ومنعها وتحريمها “شبكات الموبايل – صالات الانترنت – أجهزة الانترنت الخاصة ” ليقوم فيما بعد بفتح بعض صالات الانترنت والخاضعة لرقابة عناصره الذين قاموا بعمليات التفتيش والاعتقال لكثير من الأهالي بحجة العمالة والتواصل مع جهات مشبوهة ولكن في حقيقة الأمر أراد تنظيم البغدادي عزل الأهالي بشكل كامل عن العالم خارج مناطق سيطرته كما طالت فتاوى التنظيم حتى التلفاز وأجهزة الستلايت “الدش” والتي كانت تعتبر أخر وسيلة يسمع ويشاهد خلالها الأهالي عن أخبار المدن الأخرى واليوم بالفعل هم بمعزل كامل عن مايجري خارج مناطق سيطرة التنظيم .

 

فرض الاتاوة والضرائب وغلاء المعيشة

من بين العقوبات التي يفرضها تنظيم داعش على الأهالي هي الضرائب والعقوبات المالية وسرقة أموالهم سواء بحجة عقوبات بسبب المخالفات الشرعية أو بحجة الزكاة وغيرها، فقدتم فرض الضرائب والغرامات المالية على كل مخالفة شرعية بنظر التنظيم وأيضا للخدمات مثل الكهرباء والماء والهاتف وحتى الحوالات المالية التي يتم تحويلها للأهالي من قبل أبنائهم العاملين في الدول الأخرى وغيرها الكثير من أساليب الضغط على الأهالي وسرقة اموالهم علما أن غالبية الأهالي من ذوي الدخل المحدود، ولم يكتفي تنظيم داعش بفرض هذه الضرائب والغرامات ولكن عمد أيضا الى رفع سعر النفط الخام مما أدى الى زيادة سعر المحروقات “مازوت – بنزين – غاز – كاز ” والتي تعتبر عصب الحياة اليومية فكل شيء يعتمد على المحروقات وسعرها مما زاد في معاناة على الأهالي أكثر حيث بلغ ثمن “برميل البنزين الى 100 دولار و ثمن برميل المازوت الى 50 دولار وثمن أسطوانة الغاز المنزلي 40 دولار ” وتسببت هذه الأسعار بتفاقم أزمة المعيشة والحياة اليومية لأنها مرتبطة بكل شيء في حياة الأهالي في حين أن تنظيم داعش يقوم كل فترة بإصدار فيديو من مناطق سيطرته يحاول فيها أن يقنع العالم أن حياة أهالي ديرالزور تغيرت للأفضل وأنهم يعيشون في رفاه وترف ولكن في الحقيقة والواقع هم يعيشون في فقر وخوف أشبه بالجحيم منذ سيطرة جنود البغدادي قبل عامين , ويريدون الخروج منه على يد اشخاص قادمون للتحرير وليس للغزو تنفيذاً للأوامر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.