صوت و صورة – ديرالزور

لن يكون وداع في صباح الغد إنما وداع لربما يتلوه لقاء اذ لم يفرقنا الموت ” آخر كلمة قالها محمد لزوجته قبل السفر الذي ينتظره في الصباح الباكر.

لم ينم في الأيام الثلاث الماضية بعد أن استشعر الخطر القادم من الغرب , ليس ذاك الغرب البعيد الذي يفصله البحار والجبال , إنما غربٌ قطّعت الحواجز أوصاله , حين سيطر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على مدينة دير الزور ، لم يبق سوى موطنه ومسقط رأسه بيد الفصائل المعارضة للتنظيم .

محمد بدا شاحب الوجه قلق يعيش أوهام الطريق وخطورة الموقف والمرور بحواجز التنظيم التي حولت المدن والقرى الى دويلات وولايات , لا يعلم أي شيء سيتسبب بقطف رأسه , مكان ولادته , كنيته , قصر دقنه , او ربما هيئته التي لن تعجب أحد عناصر التنظيم فيقرر ترحيله من هذه الدنيا .

زوجته التي ترعاه وكأنه اليوم الأخير تحتضنه من كل زاوية ترمقه بعينيها التي طالما افتدته بها لكنه لم يستطع النوم يجول حول الخيمة يتفقد الأخوة والأخوات يقبل رأس والدته الذي شاب من الخوف على ولدها, يجلس ويقف ليعاود النظر إلى أهله المجتمعين داخل خيمة صفراء , خيمة نصبت داخل مسجد قيد البناء حاله حال الكثير من المهجرين والنازحين في بلده .

ينظر إلى هيام زوجته التي عشقها منذ 7 سنوات وتزوجها ليكمل معها بقية حياته لكن الصباح يفرض عليهم وداع ملطّخ بخوف الطريق يتهامس الأخوة أبقى هنا ولن يصيبك مكروه إلا ما قد كتبه الله لكن أبو محمد يقطع ذلك الهمس بصوته الناعم الذي لم يخل من الحنان الممزوج بالخوف ودمعة من عينه اليسرى وأخرى من عينه اليمنى,” لن تبقى هنا أخاف أن تؤخذ غدراً ولا أقوى على تحمل فراقك لن يتركك ذلك الموت ابتعد ما استطعت إلى أن يكتب لنا لقاء ” , محمد يهز رأسه ينصت إلى الكلام بتمعن غداً سوف أذهب وسأكلّم الرفاق للتجهيز حقائب السفر.

ينزوي محمد إلى فناء ذلك المسجد ليبتعد عن ضوضاء مولدة الكهرباء التي تنير الخيمة , يجري عدد من المكالمات الهاتفية يدمدم لرفاقه بالتحضير ويستحثهم على أن يثبّتوا موعداً مع صاحب السيارة التي تقلهم.

في الصباح أبو محمد يتقدم نحوه ويحتضنه بشدة وكأنه يحاول أن يخفيه داخله تخيم الكآبة ولكن صوت الوالد يخترقها وهو ينادي أحمد , أحمد اذهب وجد لأخيك هويّة (بطاقة تعريف) لكي يحملها أثناء مروره من الحواجز السوداء فهو لا يستطيع المرور باسمه الحقيقي لوجود احتمال ورود اسمه على قائمة المطلوبين .

يخرج أحمد مسرعاً إلى دراجته , أحمد الأخ الثاني لمحمد، جميع أفراد العائلة يجلسون في حلقة صغيرة ينظرون نحو من سيفارقهم في الصباح ،هيام تخرق الصمت بصوت حذائها الأسود وهي تغدو وتعود لتحضر تلك الحقيبة التي ستحمل ملابس زوجها , حقيبة سوداء كذلك اليوم , الكل مهتم بمحمد يتراكضون لاحتضانه ينتظرون أن يطلب أي شيء لتنفيذه لكنه صامت ينتظر الصباح الذي لم يعد يريده أن يظهر يرد لظلام الليل أن يخيم إلى الأبد على أن تأتي لحظة يغادر بها موطنه .

هيام التي ستضع مولوداً له بعد أيام قليلة , لطالما انتظرت تلك اللحظة سيكون أب سيعيش ذلك الشعور الجميل ، يرمق زاويا الخيمة يتفقد العائلة يشعل سيجارة يدمدم بصوت منخفض يدعو الله أن يكون الطريق في الصباح سهل العبور فأي حاجز يكون به شخص من أبناء المنطقة أو يتعرف عليه سيؤدي به إلى الهلاك لكنه ينتفض يحاول نزع ذلك الشعور فهو متعب كفاية ولا يريد أن يزيد من حالة التعب بتفكيره .

سكونٌ يلف المكان لبرهة يشقّه صوت دراجة احمد القادمة لطالما كان صوتها المزعج الخشن يُعرف من مئات الأمتار ، عاد وهو يحمل معه بطاقة شخصية لأحد الأصدقاء ليمر بها محمد البطاقة تحمل صورة لشاب حنطي تقارب ملامحه لتفاصيل وجه محمد.

الآن كل شيء جاهز الحقيبة والبطاقة والسيارة التي ستقل بقية الرفاق , أبوه يداعب السكون بضرورة الخلود للنوم ليرتاح الجميع فغداً يوم يحمل أعمال كثيرة للعائلة وطريق طويل لابنه المسافر الكل في فراشه أحمد وهيام والوالد وجميع أفراد العائلة لكن محمد يجلس وحيداً بجانب زوجته يداعب شعرها ينظر إلى جمال عينيها ثم يتكئ على كتفها محاولاً النوم , لم يستطع والساعات تمضي على مهلٍ شديد إلى أن نادى المنادي محمد…. محمد أيقظ صوت بوق السيارة الجميع إنها السيارة التي تقلهم إلى خارج البلاد لبس بنطاله الأسود وقميصه الذي اشترته له زوجته قبل مدة ويحمل متاعه على ظهره يقبل يدي أمه وأبيه يودع إخوانه ثم ينكب إلى زوجته يغمرها بموجة من الحب والحنان يحتضنها وكأنه يريد إخفائها بين جوانحه يطمئنها أنه سيكون بخير يهمس في أذنها الفراق الوحيد الذي أخشاه هو ان يصيبكِ مكروه .. كوني بخير لأجلي يستحثّه الرفاق بالإسراع يتقدم إلى السيارة الرمادية وعيناه إلى عائلته وحبه هيام التي تنظر إليه والدمع ينهمر على وجنتيها الورديتين لكن هذا الدمع لم يشفع لها عند تلك السيارة الحديثة التي بدأت المسير والابتعاد .

الطريق خالية من الجيران من الصحب والرفاق عيناه ترمق هيام للمرة الأخيرة على أمل اللقاء ،لم يعد يراها لم تعد تراه فقد ابتعد عن منزله , هنا بدأ الشوق من لحظة الوداع الأولى وتسرب الخوف فهم متجهون نحو الحواجز يقطعونها في كل مرة يموت محمد ألف مرة خوفاً من أن يقع بين يدي من لا يعرف الرحمة .

يطلبون البطاقات التي اجتمعت عند صاحب السيارة يمررها على الحاجز والخوف هو المسيطر الوحيد على من بداخل السيارة, محمد يتقلب لم يتمكن من الجلوس مرتاحاً وكل مرة ينظرون إليه و إلى تلك البطاقة المستعارة وهو خائف من أن يكشف قبل الوصل إلى آخر الطريق ولكن السيارة تعبر الحواجز حاجزاً تلو الآخر في لحظة من ذلك الطريق همس صالح صاحب السيارة هذا آخر الحواجز وبعدها ستكونون في أمان لم يدم سوى للحظة وعبرنا من الموت إلى الحياة قطعنا جميع حواجز الظلام الآن نحن في أمان محمد يشعل سيجارة يمتصها بلهفة وعمق لم يشرب التبغ منذ 5 ساعات لم يكن يخرج أي دخان من سحبة السيجارة هذا حاله إلى أن وصل الحدود ودخل إلى تركيا وجهته المقررة ولكنه لم ينج من الموت الأسود فقد كان للموت ألوان هرب من ذلك الموت الأسود ووقع في موت الشوق والحنين شوق إلى الوطن الجريح المعذب وشوق إلى الأهل والزوجة الجميلة هيام شوق إلى طفله الذي جاء بعد شهر من سفره طفله حيدرة هكذا أسماه حيدرة , أبيض البشرة يحمل عينان كبيرتان لونها أسود جميلة ينظر محمد إلى صوره باستمرار صور تصله بين الفينة والأُخرى لكنها لا تبعد مارد الشوق .

يجلس كل يوم في شرفة منزله الصغير ينظر نحو الشرق فخلف تلك التلة يوجد وطنه وبيته وعائلته يستنشق رياح الشرق القادمة من هناك تحمل رائحة زوجته و ابنه الصغير , تحمل صور الأم والأب والأخوة من تلك الخيمة الصفراء , لم يستطع أن يحصل على عمل ليحضر عائلته إلى مكان تواجده ولا يستطيع أن يعود فالظلام الأسود لازال موجود ولكنه أخطئ يكررها دائما أنا أخطأت “إنه لن يكون وداع إنما فراق يتلوه لقاءويستمر بها أنا أخطأت, أخطأت, إلى أن يغيب الصوت في زحمة الأفكار وضجيج الشوق وعذاب الغربة إلا متناه.

اترك رد