صوت وصورة

ضمت التنظيمات المتطرفة آلاف المقاتلين المنتسبين إلى صفوفها في السنوات العشر الأخيرة، واجتذبت المئات من النساء المتعاطفات وحاملات الفكر المتطرف، لكن مع هزيمة هذه التنظيمات المتطرفة، قُتل العديد، وأسر البعض، فيما هرب من تبقى إلى مناطق أخرى، ومنهم من عاد إلى بلده الأم، إما عن طريق تسليم نفسه أو عن طريق الهروب عبر البلدان.
العديد من النساء اللواتي كن مع تنظيم داعش من اللواتي قمن بأعمال إجرامية عديدة أيام سيطرة التنظيم على عدة مناطق في سوريا والعراق، حاولن الفرار بعد هزيمة التنظيم أمام قوات التحالف الدولية، حاملين معهم الفكر المتطرف وآثاراً واضحة خلفها التنظيم على مظهرهم.
وذكرت وكالة أنباء أسوشيتد برس أن سيداتٍ من الشيشان وروسيا وإيران وسوريا وفرنسا وبلجيكا وألمانيا قد تم اعتقالهم، مما سلط الضوء بشكلٍ أكبر على دور المرأة لدى التنظيمات المتطرفة وظهورهم بصورة المقاتلات، ويشكل الآن تحديد وضعهم الجنائي تحدياً قانونياً؛ خاصة لكل من البلد المضيف وبلدانهن الأصلية.
وتأتي المعضلة الأخرى، عند محاولة تحديد دور كل امرأة كانت في مناطق سيطرة تنظيم داعش، وعزل المدنيات عن المؤيدات أو الداعمات أو المنتميات للتنظيم، وذلك لاختلاف وضع النساء عن الرجال في مناطق سيطرة التنظيم، فقد فرض التنظيم غطاء الوجه على كل النساء في مناطق سيطرته، على عكس الرجال اللذين كان معظمهم كاشف الوجه، وعن هذا يقول إسماعيل المعادي، الناشط المدني من ريف حلب الشرقي: “ليس من السهل التمييز بين النساء اللواتي انخرطن بأعمال إرهابية أو إجرامية وبين اللواتي كن متعاطفات فحسب، أو لا علاقة لهن بالأعمال العنيفة للمتطرفين، شهدنا في مناطقنا العديد من النساء اللواتي كن يعملن مع التنظيم، لكننا لم نكن نعلم طبيعة أعمالهنّ، البعض منهن كنّ يتحدث عن عمليات طهو الطعام للمقاتلين، أو المساعدة في ترتيب الأدوات وما شابه، لكنّا شككنا بالعديد منهنّ على أنهن مقاتلات أو يقمن بأعمال إجرامية، للأسف لم يكن الأمر سهل التحقق”.
ورغم حديث إسماعيل عن صعوبة تحديد أدوار النساء في التنظيم، إلا أن ذلك لا ينفي انتماءهن إلى التنظيم المتطرف، إذ يرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية سعيد المخزوم، أنه يجب القيام بإجراءات شديدة مع النساء اللواتي كن ضمن تنظيمات متطرفة أو تزوجن من متطرفين، حيث يقول: كل من انضم لصفوف المتطرفين يحمل الفكر المتطرف، لربما لم يقم بأعمال إجرامية، إلا أنه قد يقوم بها في المستقبل إن تهيأت له الظروف، وهذا ينطبق بشكل كبير على النساء المتطرفات، لا يجب التسامح معهن، لا يجب أن تسمح السلطات لهن بتربية أطفالهن، حتى وإن تأكدت السلطات من تأهيل النساء المتطرفات، فهنّ هشات جداً لتربية أطفال يمكن أن يتطرفوا في المستقبل”.
ويرى المخزوم أن النساء المتطرفات من جنسيات مختلفة أشد تطرفاً من النساء المحليات، وبالتالي يجب على الدول الأم أن تتعامل معهن بحذر شديد، حيث يقول: “النساء الأجنبيات في التنظيمات المتطرفة واللواتي يدعون بالمهاجرات، تكبدوا الكثير من العناء للانضمام إلى صفوف التنظيمات المتطرفة كداعش، قطعن مئات الأميال، وعرضن أنفسهن للخطر الشديد في عمليات التهريب على الحدود، هنّ مؤمنات بصدق بالفكر المتطرف، ولذلك عملية إعادة تأهيلهم -إن نجحت- قد تأخذ الكثير من الجهد والوقت، هذا في حال تابعت حكوماتهم الأمر بشكلٍ مباشر، أما إن لم يكن الأمر منضبطاً؛ ولم يخضعوا لمحاكمة صارمة، فيمكن التنبؤ بعمليات إرهابية في المستقبل، سببها هؤلاء النساء”.
وتعمل الحكومات الأوربية على مسألة النساء الأسيرات أو اللواتي سلمن أنفسهن للقوات البرية في معارك التحالف ضد داعش، حيث أعلن الناطق باسم الحكومة الفرنسية، بنجامين غريفو، مطلع العام الجاري، أن المتطرفات الفرنسيات اللواتي تم القبض عليهم في شمال سوريا ستتم محاكمتهن في سوريا، إذا كانت “المؤسسات القضائية قادرة على ضمان محاكمة عادلة” لهن مع “احترام حقوق الدفاع”، وقال غريفو لإذاعة مونتي كارلو: “في حال تواجد مؤسسات قضائية قادرة على ضمان محاكمة عادلة مع حقوق دفاع مضمونة بالجزء الخاضع للسيطرة الكردية في شمال سوريا، فسيحاكمن هناك”، وأضاف: “أياً تكن الجريمة التي ارتكبت، حتى أكثرها دناءة، يجب ضمان الدفاع عن المواطنات الفرنسيات في الخارج”، مشدداً على أنه “يجب أن يكون هناك تأكيد لذلك”.
وأوقفت متطرفتان فرنسيتان على الأقل في عام 2018، إحداهما إميلي كونيغ، التي نشطت في الدعاية والتجنيد لمصلحة تنظيم داعش، من قبل مليشيا قوات سوريا الديمقراطية “قسد” في سوريا وطلبتا إعادتهما إلى فرنسا لمحاكمتهما، حسبما قال محامو الدفاع، وذكر غريفو أن “المعلومات التي لدينا حالياً تفيد بأنهما أوقفتا أي أنهما لم تستسلما، بل أوقفتا كمقاتلتين”.
إلا أن التشكيك في نزاهة السلطة القائمة في مناطق شمال سوريا والمتمثلة بمليشيا قسد كبيرة، وتثير مخاوف أن تقوم المليشيا باستغلال المعتقلات الغربيات من أجل مصالح شخصية، حسبما جاء على لسان الناشط ضد المجموعات المتطرفة سرمد الجيلاني، ويضيف الجيلاني: “افرجت مليشيا قسد عن كثير من الأعضاء البارزين لدى تنظيم داعش، كما سمحت المليشيا سابقاً لعناصر التنظيم الخروج من مدينة الرقة بسلام، لا يمكن الوثوق بمليشيا قسد، فهم يستغلون ملف المعتقلين الغربيين للتواصل مع حكوماتهم من أجل الحصول على دعم مادي منهم، كما حدث مع المعتقلين المحليين عندما طلب عناصر المليشيا مبالغ مالية من ذويهم للإفراج عنهم”.
ويأتي صوتٌ معاكس يطالب بمساعدة هؤلاء النساء والعمل على إعادة دمجهم في المجتمع، حيث أشار الدكتور مأمون طربيه، الأستاذ في الجامعة اللبنانية والباحث في علم النفس الاجتماعي، إلى أنه يجب مساعدة النساء اللواتي انضممن للتنظيمات المتطرفة كداعش، باعتبارهن ضحايا خداع التطرف، حيث يقول: “من الضروري توفير المساعدة التي تمكنهنّ من إعادة النظر بالمواقف التي اتخذنها، وكانت حاسمة يوماً ما في حياتهن، مثل اختيار المواجهة عن طريق السلاح، أو اختيار طريقة العيش تبعاً للفكر الجهادي، فتغيير النظرة اتجاه الأمور هي الخطوة الأساس التي تمكن المعالج من مساعدتهن على إيجاد البدائل”.
ويرى طربيه أن “إيجاد الحلول للمشكلات مسألة يجهلها الكثير من الناس، والأمر لا يقتصر على هؤلاء الفتيات بالطبع”، لذلك يعتبر أن “المطلوب وجود مؤسسات رعاية وعلاج، لأن هؤلاء النسوة يعانين بعد تلك التجربة من القهر والإقصاء الاجتماعي، ولا شك أن لديهن ما نسميه في علم النفس الاجتماعي المشكلة التي تولّد مشكلة، لأن اختيار سلوك غير مألوف سيترك آثاره وأزماته بعد الفشل، وبقاياه تستمر لديهن شهوراً وربما سنوات تبعاً لشخصية الفتاة وتعاملها مع الصدمة”.
ويعتبر طربيه أن لدى الغرب استعدادا أكبر لمعالجة تبعات القضية أكثر من الدول العربية، مع وجود مراكز تأهيل تتابع وتقيّم وتتدخل اجتماعيا مع الظاهرة عموما وليس فرديا فقط.
وكانت صحيفة “واشنطن بوست” قد كشفت في تقريرٍ لها أواخر عام 2017، أن تنظيم داعش بدأ اللجوء إلى استخدام النساء من أجل ما أسمته الصحيفة بإطلاق “التجسيد القادم” للتنظيم الإرهابي، وأشارت الصحيفة إلى أن العديد من النساء العائدات من مناطق تنظيم داعش، ينحدرون من شمال أفريقيا وحتى أوروبا الغربية، ويمثلون تحدياً غير متوقع لمنفذي القانون الذين كانوا يستعدون لتدفق الرجال، ولكنهم وجدوا أنفسهم يقررون مصير عشرات النساء والأطفال، ورغم أن عدداً قليلاً من النساء حاربن في المعارك، إلا أن الحكومات بدأت تعتبرهن جميعاً تهديداً محتملاً سواء على المدى القصير أو في المستقبل.
أما في الدول العربية، فقد ذكرت عدة تقارير أن عشرات النساء المغربيات عدن للمغرب بالفعل، بينما لا تزال هناك العشرات ينتظرون في مراكز الاحتجاز بتركيا، حيث يتم مراجعة قضاياهن، بعد هربهن من مناطق التنظيم إلى تركيا عبر الحدود السورية التركية أو العراقية التركية. وصرح مسؤولو المغرب في مراتٍ عدة لوسائل الإعلام، بأن النساء يمثلن معضلة لصناع القرار وقوات تنفيذ القانون، فالبلد ملتزم بقبول رعاية مواطنيه، لكن لم يضع سياسة لكيفية التعامل معهم، فمن ارتكبوا جرائم سيتم الزج بهم في السجن، لكن القانون أقل وضوحًا بشأن كيفية التعامل مع الأمهات والزوجات اللاتي لا يوجد لديهن سجل للعنف أو تاريخ للمشاركة المباشرة في التطرف.
لم تُحسم بعد قضية النساء العائدات من مناطق المتطرفين أو الهاربات من تلك المناطق، فالبعض يرى أنه يجب التصرف معهن بحذر شديد، والبعض يرى أنه يجب معاملتهن كضحايا، فيما يرى آخرون وجوب خضوع الجميع لمحاكمات عادلة تقرر مصيرهن بغض النظر عن جنسهم أو جنسيتهم، مما جعل مصير المئات من النساء اللواتي كن إلى جانب التطرف مجهولاً، ليبقى السؤال المطروح عن مدى قابلية هؤلاء النسوة على الاستجابة للعودة إلى الحياة الطبيعية قيد الإجابة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.