صوت وصورة

خرج ريفي حلب وإدلب عن سيطرة تنظيم داعش الإرهابي منذ عام 2015 بعد معارك مع الجيش السوري الحر، واستمر انحسار تنظيم داعش عن المناطق التي كان يسيطر عليها بمرور الوقت، حتى كان عام 2017 الضربة القاصمة عندما خسر التنظيم القسم الأكبر من محافظتي ديرالزور والرقة لصالح مجموعات أخرى كمليشيا قسد والنظام السوري وروسيا ومليشيات إيرانية وعراقية.
إلا أن الجهود التي وضعتها التنظيمات المتطرفة والأساليب التي اتبعتها لنشر أفكارها ومناهجها في المناطق التي كانت خاضعة لها، تسببت بكثير من الأذى والمشاكل في المجتمع، وتركت آثارها حتى بعد انتهاء وجود المتطرفين في تلك المناطق، إذ سيطرت تلك التنظيمات على خلال السنوات على كل مؤسسات المجتمع، وتدخلت في جميع الفعاليات والتجمعات المدنية، واحتلت المجالس المحلية والمجمعات التربوية، وبدأت بعد ذلك بتصدير أيدولوجيتها في تلك المفاصل الحساسة لزراعة بذور التطرف بين سكان تلك المناطق.
وعلى هذا كان خروج المناطق من تحت سيطرة التنظيمات المتطرفة، لا يعني انتهاء التطرف فيها، ولا القضاء على الأفكار المسمومة التي انتشرت في مجتمعاتها، فكان لا بد من السلطات المتواجدة في المناطقة المحررة من الإرهاب أن تعمل جاهدةً لمنع عودة الفكر المتطرف في المجتمع، وتحاول أن تتعلم من نموذج المتطرفين كيفية محاربة التطرف.
أحمد السيد، خريج جامعي وصاحب محلٍ لبيع الخضار في مدينة الباب، يتحدث عن تجربته مع المتطرفين في المدينة عند سيطرة تنظيم داعش عليها وكيفية عمل العناصر المتطرفة على الاحتكاك بالسكان لكسب وِدَّهم، فيقول: “كان عناصر من تنظيم داعش يأتون لشرا حاجياتهم من محلي الصغير، العديد منهم، كان بعضهم أجانب لا يتكلم اللغة العربية أو يتكلم بضع كلمات منها، وآخرون من أبناء المدينة أو الريف ممن انضم للتنظيم واعتنق أفكارهم ومبادئهم، كانوا يتحدثون معي عن شرعية وجودهم وأهمية دولتهم المزعومة، لكن كنت أكثر ما أنتبه له هو تصرفاتهم، كانوا بعض الأوقات يتصنعون ابتسامة كاذبة ليسيطروا على قلوب الناس.”
وعن كيفية عمل التنظيم في جذب المدنيين ومن ثم السيطرة عليهم يقول السيد: ” إلى جانب القبضة الحديدة والانتهاكات التي كان ينفذها تنظيم داعش، فقد افتتح التنظيم المعاهد والجامعات والمدارس التي تروج لأفكاره المسمومة، وانتشر عناصره في الأسواق لإقامة المسابقات الثقافية ودعوات لفعاليات تساهم في بث التطرف في المجتمع، كما تدخل التنظيم في التعليم لتغيير فكر الأطفال من خلال إدخال مناهج جديدة وحذف بعض المواد العلمية لتعطيل التفكير السليم عند الطفل، كل هذه الممارسات كانت تكسبهم العديد من الموالين والمنضمين لصفوفهم بشكل يومي”.
في الوقت الذي كان أحمد يرى هذا الجانب من ممارساتهم، خُدِع كثيرون آخرون بالتصرفات الممنهجة التي اتبعتها تنظيمات متطرفة للترويج لأفكارهم، نتيجة المغريات التي كان يعرضها المتطرفون على الأهالي، كالرواتب العالية للمنضمين لصفوفهم، وخدمات مدنية لكسب القاعدة الشعبية في المجتمع، إلى الكثير من الحوافز الكبيرة، كل هذا من أجل كسب الشرعية من المجتمع الذي يسيطرون عليه. هذا ما جعل التحدي كبيراً أمام السلطات والفعاليات التي نشطت في المناطق بعد خروج الجماعات المتطرفة منها، باستعادة الحاضنة الشعبية التي احتضنت الفكر المتطرف نتيجة ضعف الإمكانيات والخبرة القليلة في إدارة المناطق.
محمد السعيد، عضو مجلس محلي تم انتخابه عضواً في إحدى بلدات الريف الغربي لمدينة حلب بعد دحر وحدات الحماية الكردية المتطرفة من قبل قوات المعارضة السورية المسلحة المدعومة من الحكومة التركية، يتحدث محمد عن التحديات التي تواجهها المؤسسات العاملة في بلدته، وما يقومون به لمواجهة هذه التحديات، حيث يقول: “عملت وحدات الحماية على تقديم الكثير للمجتمع من أجل بناء قاعدة شعبية تلتف حولهم وتمنحهم الشرعية، كانت الخدمات جيدة، عملت الوحدات على إدارة المناطق التي تخضع لسيطرتها بشكل جيد مقارنة بالمناطق الأخرى، وكان القانون مفروضاَ على الجميع، لذا بعد خروجهم من مناطقنا وانتشار الفوضى المرافقة لتغير الوضع، لمسنا الانزعاج الشديد من الأهالي لتردي الأوضاع الخدمية من مياه وكهرباء ونظافة، كانت البلديات معطلة والدوائر الرسمية متوقفة عن العمل”. وعن الآلية المتبعة لتدارك هذا الوضع يقول السعيد: “عندما بدأنا العمل من جديد بعد أسابيع قليلة، كنا أمام مسؤوليات كبيرة لتحسين الأوضاع، لكننا استطعنا بجهود كبيرة وموارد قليلة العمل على تحسين الخدمات قليلاً، لكنها لم تعد كما كانت عندما كانت وحدات الحماية تسيطر على المنطقة، لذا فإن الموارد الجيدة ستساعد بشكل كبير على استعادة القاعدة الشعبية وإبعاد شبح التطرف عن المنطقة”.
عند الحديث عن الأساليب التي اتبعتها التنظيمات المتطرفة في المناطق التي سيطرت عليها، وترسيخ وجودها في تلك المناطق، لابد من معرفة الموارد التي كانت تسخرها التنظيمات المتطرفة لكسب القاعدة الشعبية، فتنظيم داعش سيطر على حقول النفط في محافظة دير الزور ومناطق أُخرى، وأخذ يساهم في تحسين الخدمات وشق الطرقات وتأهيل البنى التحتية، وتقديم المساعدات العينية والمادية للأهالي من أجل جرهم لصفه، مستغلاً هذه الخدمات لإقامة التجمعات الثقافية لنشر فكره والترويج لأيدولوجيته المتطرفة. أما في مناطق سيطرة مليشيا قوات سورية الديمقراطية “قسد”، فكانت مواردهم تعتمد بشكل أساسي على الضرائب التي فرضوها على النفط والبضائع المارة من مناطق سيطرتهم، بالإضافة إلى تمويل من حكومات غربية ومنظمات دولية لتحسين الخدمات وإدارة المناطق بشكل يرسخ بقاء تلك الجماعات في السلطة. وبالنسبة للجماعات المتطرفة المتوزعة في عدة مناطق كجبهة النصرة، فكانت المعابر الحدودية والمعابر التجارية مع أطراف النزاع الأخرى، مصادر تمويل ساهمت في توطيد سلطتهم في بعض المناطق، لكنها لم تكن بمستوى الخدمات المقدمة في مناطق سيطرة جماعات متطرفة أخرى، ولم تستطع إدارة المناطق التي تسيطر عليها بشكل جيد مما أفقدها الحاضنة الشرعية تماماً.
ويمكن العمل أيضاً على إعادة تأهيل العناصر المتطرفة للاستفادة من خبراتهم وسلوكهم ودراستها من أجل مكافحة التطرف مستقبلاً، كحال كندا التي تعمل على إعادة عناصر كنديين كانوا ضمن تنظيم داعش، من أجل معرفة الدوافع لتطرفهم ومكافحتها، حيث قال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في حديث متلفز : “إن بلاده مستعدة لاستقبال مقاتلي داعش الذين تم إصلاحهم”، مضيفاً “نحن نؤمن أن المقاتلين الذين كانوا مع داعش وشاركوا في القتال ثم تركوا تلك الأيديولوجية المتطرفة بإمكانهم أن يشكلوا صوتاً قوياً لمنع التطرف.”
كما أن سياسة دول الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية بعد سيطرتهم على ألمانيا واعتقال عدد كبير العلماء والضباط اللذين كانوا ضمن الجيش النازي، تُعد تجربة ناجحة يمكن تطبيقها على الوضع السوري، فدول الحلفاء في ذلك الوقت لم تقم بتصفية هذه الفئة، بل عملت على إعادة تأهيلهم، فتم وضع العلماء تحت برنامج إعادة التأهيل ومن ثم الاستفادة من التجارب والخبرات التي يمتلكونها، كما عملت دول الحلفاء على دراسة سلوك الضباط لفهم عقيدة الجيش النازي وخلق تيار مضاد له قضى على هذا الفكر بمرور الوقت.
إن الخطوات التي اتبعتها الجماعات المتطرفة ساعدتها بشكل كبير على نشر التطرف، فالمجتمع بسكانه يميل لمن يقدم له خدماته بشكل أفضل، مما يجعل التحدي قائماً أمام الجميع ممن يكافح التطرف ويريد تحسين الظروف المعيشية للمجتمع بعد خروج هذه التنظيمات منه للعمل على خلق بيئة معيشية أفضل من تلك التي كانت موجود في ظل سيطرة الجماعات المتطرفة، وبالتالي وجب على الجميع العلم والتعلم من التجارب السابقة لاستعادة كسب الحاضنة الشعبية وإبعاد شبح التطرف عن المناطق المختلفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.