صوت وصورة

رافق سيطرة التنظيمات المتطرفة المختلفة على مناطق واسعة من سوريا انتشار التطرف بشكل كبير، واتبعت هذه التنظيمات الوسائل المختلفة لنشر أفكارها المسمومة في عقول السكان، وبالأخص الأطفال الذين كانوا صفحات بيضاء كتب عليها المتطرفون العديد من الأيدلوجية التي يؤمنون بها والمنهجية التي يعملون عليها في التطرف الخطير والذي أدى لزرع بذور التطرف في المجتمع.
مع انحسار التنظيمات المتطرفة في مناطق سورية، وانتهاء وجودها في مناطق عديدة أخرى، تركت خلفها رواسب فكرية متطرفة تحتاج المحاربة بالطرق المجدية والنافعة لاقتلاع التطرف من الجذور، وهنا كان البحث عن الوسيلة الصحيحة لمكافحة التطرف، التي تساعد عل التخلص من كافة الرواسب الفكرية للتنظيمات المتطرفة.
التعليم أم القمع، هذان الخياران كانا أكثر الخيارات طرحاَ للنقاش في أوساط المجتمعات التي تخلصت من التطرف مؤخراَ، فهل من المجدي أن نعتمد على الوسائل التعليمية والتربوية في عملية إزالة الأفكار المتطرفة من المجتمع، أم أنه من الضروري إحداث آليات صارمة لقمع هذه الأفكار وملاحقة أصحابها ومحاربتهم؟
سامية الأحمد، مديرة معهد تعليمي في مدينة ادلب، تحدثت عن أهمية التعليم في مكافحة التطرف، ودوره في تصحيح المفاهيم وتغيير الأفكار السيئة، حيث قالت: “أتانا العديد من الأطفال الذين انقطعوا عن التعليم من مناطق كانت تسيطر عليها تنظيمات متطرفة مثل “داعش”، وعملنا ما بوسعنا لمساعدة هؤلاء الأطفال للعودة للدراسة في المدارس وتهيئتهم للمساهمة في المجتمع بشكل صحيح بعيداَ عن الأفكار التي زرعها جنود التنظيم ومناصروه في عقول الأطفال، وعلى مدار عدة شهور استطعنا بجهود العديد من المدرسات أن نساعد الأطفال بالعودة لصفوف الدراسة في العام الدراسي الجديد”.
وقد رأت سامية أن التطرف لا يحارب بالقمع، فالخطأ من وجهة نظرها لا يحارب بخطأ مثله، حيث قالت: ” القمع سيولد الكبت، هذا ما نعرفه وما درسناه في الجامعات ولامسناه في حياتا اليومية، والكبت في حالة التطرف سيصنع أعمالاَ إرهابية في المستقبل، ولن يكون المجتمع سليماَ بعد ذلك، فالحل هو باستخدام الوسائل السلمية التعليمية، مع الانتباه لتصرفات واهتمامات الأطفال لقياس تأثير الأدوات التعليمية المتبعة”.
سليم الصادق، أحد سكان الريف الغربي لمدينة الرقة، والذي اضطر للخروج من مدينته بسبب تصرفات قوات قسد المتطرفة حسب وصفه، ونزح إلى محافظة حلب، يتحدث عن تجربته مع أبنائه، فيقول: “منذ سيطرة مليشيا قسد على بلدتنا وتدخل الإدارة الذاتية التابعة لهم بكل مفاصل الحياة، حاول هذا التنظيم تجنيد الأطفال والتلاعب بعقولهم وإغرائهم بالمال والسلاح للانضمام لصفوفه، فتأثر أبنائي الصبيان بهذه المحاولات، وخفت عليهم أن ينجرّوا وراء الدعوات للانضمام للقتال، هنا هربت بهم ونزحت لمناطق سيطرة الجيش الحر في ريف حلب الشمالي، وسجلت أبنائي في المدرسة ليتابعوا تعليمهم، وقد وجدت تغيراَ حقيقياَ في الأيام الأولى من ارتيادهم للمدرسة، وانحسار الأفكار المتعلقة بالقتال والسلاح والمعارك، شيئاَ فشيئاَ، وسعدت كثيراَ بهذا الأمر”.
في حين أن التعليم ضرورة وسلاح قويُ في مواجهة التطرف، إلا أن البعض يرى من الضروري استخدام أساليب أكثر صرامة تترافق مع العملية التعليمية والتوعوية لمكافحة التطرف، مصطفى بكر، مدير قسم الأمن والسلامة في إحدى المنظمات العاملة في محافظة إدلب، يرى أنه لا بد من القمع لبعض من يحمل الأفكار المتطرفة في المجتمع، فيقول: ” يجب علينا مراقبة هؤلاء الأشخاص الذين تورطوا سابقاَ مع التنظيمات المتطرفة، أو كان لهم صلة قرابة بأحد أفرادها، فالفكر المتطرف لا يرحل ببساطة، نعم التعليم مهم ووسيلة قوية للتصدي للأفكار المتطرفة، إلا أنه ليس بكاف، وعلى السلطات أن تبتكر وسائل حديثة لقمع من ينشر الأفكار المتطرفة ويروج لها”.
بينما تخالف ربا الحكيم، الناشطة في مجال حقوق الإنسان من مدينة حلب، مصطفى في رأيه وترى في القمع أداة مساعدة لانتشار التطرف لا مكافحته والحد منه، تقول: “القمع يعني استخدام القوة، واستخدام القوة يعني التشجيع عليها، وأحد أدوات التطرف هو استخدام القوة مع كل من يخالف رأي المتطرف، وبالتالي كيف تحارب شيئاً بتعزيز أحد نقاط قوته، لا أرى في القمع إلا أسلوباَ لمزيد من التطرف ولو اختلف نوعه وشكله والايدلوجية التي تصنعه”.
وتركز منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو” على ضرورة التعليم في مجابهة التطرف، إذ دعت المديرة العامة للمنظمة إيرينا بوكوفا، قادة العالم لاستثمار العملية التعليمية في مكافحة التطرف، حيث قالت: “يجب أن نمد الشابات والشبان في المنطقة، وفي جميع انحاء العالم، بالتعليم الجيد، وبتطوير المهارات حول التفكير النقدي، والتركيز على الثقافة الاعلامية لمحو الامية ورفض الكراهية، بالإضافة الى تعزيز الكفاءات للحوار والتسامح، مع التطلع ليصبحوا مواطنين عالميين”. وعملت بوكوفا على عقد المؤتمر الأول من نوعه رفيع المستوى، يُعنى بمكافحة التطرف العنيف من خلال التعليم، حيث تعمل اليونسكو ايضاً، على تطوير دليل المعلمين لمكافحة التطرف العنيف، لدعم المربين في جميع انحاء العالم.
وفي الحديث عن التعليم كسلاح لمكافحة التطرف وترسباته في المجتمع، لا بد من الحديث عن أدوات التعليم الصحيح لاقتلاع الفكر المتطرف من جذوره، وضمان عدم عودته في المستقبل وبهذا الشأن تقول الدكتورة علا المفتي مدرسة الأدب والثقافة بكلية البنات في جامعة عين شمس بمصر: إن ظاهرة الإرهاب لن تنتهي، ما دمنا أننا لا نعالج جذورها الفكرية. وإن العالم اليوم أصبحت معاركه معارك فكرية، فقد أصبح السلاح الفكري أعتى وأقوى وأبقى أثرا، وأكثر فتكا من الصواريخ والقنابل والمدمرات.
وتقول الدكتورة فيفيان مرقس – خبيرة فى مجال التعليم – إن التعليم الصحيح من أهم ركائز نجاح وتقدم الدول ونضوجها، فالإرهاب يستقطب العقول البسيطة وفى معظم الوقت تكون هذه العقول جاهلة عن حقائق الأمور لفقر ثقافتها وعلمها وتعليمها فتصبح فريسة مثالية لزرع الأفكار والعقائد المغلوطة التي لا تشبه أي علم أودين أو شرع وتصبح هدفا وأداة يستخدمها المتطرفون للوصول الى غايتهم.
وعن أهمية التعليم ودوره في مكافحة التطرف، فقد وافقت الحكومة البلجيكية على تمويل ثمانية مشاريع تنفذها منظمات معنية بمجال الشباب في بلجيكا، وهي مشاريع تهدف إلى مكافحة الاستقطاب والتطرف في أوساط الشباب، من خلال العمل على تجنب حدوث تزايد في أعداد الشباب اللذين يتركون التعليم من دون الحصول على مؤهل دراسي، وكذلك مكافحة جرائم الشباب صغار السن، والتصدي لآفة التطرف، وأي محاولة لاستقطاب هؤلاء الشباب.
وحسبما أعلنت ھیلنا كریفتس وزيرة التعليم في الحكومة البلجيكية، فقد وافقت الوزارة على إطلاق ثمانية برامج لحماية الشباب من التطرف والاستقطاب. وقالت الوزيرة: إن “التعليم لديه مهمة وقائية عندما یتعلق الأمر بالتطرف والاستقطاب، هناك رغبة من جانب المدارس ومنظمات المجتمع المدني لمساعدة الشباب الضعفاء في اختيار طريق الدراسة، والقيام بالواجبات المدرسیة، وتنمیة المواھب، ومعالجة حالات الفصل الصعبة”. ومن بین البرامج التي حصلت على تمویل ھناك، برنامج في مدرسة “إیرسموس العلیا” في بروكسل، لتدریب المعلمین والطلاب في المدارس على المشاركة في الحوار والتعامل مع أي محاولة للاستقطاب المتطرف.
إن محاربة التطرف تعتمد على بناء الفكر السليم الخالي من السموم، لا بطلقات الرصاص أو القمع و التضييق، ويجب على السلطات في المناطق السورية التي تحررت مؤخراَ من التنظيمات المتطرفة أن تعمل على تعزيز دور المربي والمعلم في المجتمعات وتساعد العملية التعليمية في إنشاء جيل سليم خال من بقايا التطرف، وعدم إهمال دور الأسرة في غرس القيم الأخلاقية وترسيخ المفاهيم الصحيحة لإنتاج جيلٍ سوي قادر على النهوض بالواقع السوري مجدداً.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.