صوت وصورة

كانت المرأة أحد أكثر المتضررين في مناطق سيطرة الجماعات المتطرفة على مدار الأعوام الخمسة الأخيرة على الأراضي السورية، فقد عملت هذه التنظيمات على تقييد حرية المرأة، و فرض الكثير من القوانين والمخالفات عليها، مثل إلزامها برداءٍ مُعين وأعمال محددة، وأوقات خروج من المنزل، وقيود أخرى، ولم تتوقف التنظيمات المتطرفة عند هذا الأمر فحسب، بل عملت على تجنيد النساء في صفوفها، وغسيل عقولهن بالفكر المتطرف، وزجهن في صراعات ومعارك عديدة، حتى خسرت المرأة دورها الطبيعي وحياتها الخاصة، وأصبحت التنظيمات هي من تحدد مسار حياتها.
لم تدم سيطرة التنظيمات المتطرفة على بعض المناطق في سوريا أكثر من أربعة سنوات، لكنها تركت خلفها أثاراً تحتاج لسنواتٍ من العمل، فقد عانت تلك المناطق من الفوضى وانهيار بعض المؤسسات الخدمية في المجتمع، وكانت المرأة في مواجهة مباشرة مع هذه المصاعب، فكان عليها أن تأخذ زمام المبادرة في الكثير من النواحي.
سعاد الحسين، مدرسة من مدينة الباب في ريف حلب الشرقي، عانت كثيراً في ظل تواجد تنظيم داعش في المدينة، وأجبرها التنظيم على ترك مهنة التدريس، وبعد خروج تنظيم داعش من المدينة، تطوعت سعاد مع عدد من السيدات لفتح إحدى مدارس المدينة، تتحدث سعاد عن تجربتها فتقول: “لم تكن الحركة في المدينة سهلة لأي أحد، فما زال الوضع الأمني آنذاك متوتراً، كان الرجال معظم الرجال ضمن فصائل عسكرية أو معتقلين، لذلك قررنا مجموعة من المعلمات إعادة التعليم لمدرسة الحي، قمنا بتنظيم المدرسة مع بعض المتطوعات من نساء الحي، وخلال أيام بدأنا التدريس من جديد، ومع الأيام عادت الحياة للمدينة بشكل طبيعي، واستطعنا أن نستقبل الطلاب من كل الحي للعودة للدراسة”.
وتنوعت محاولات النساء في سوريا بإصلاح ما افسدته المجموعات المتطرفة ففي بلدة إعزاز بريف حلب الشمالي، قامت مجموعة من النساء الناشطات من أهل المنطقة مع ناشطات مهجرات من الغوطة الشرقية في دمشق، بتشكيل “وحدة دعم وتمكين المرأة” لمساعدة النساء في المناطق التي كانت تسيطر عليها التنظيمات المتطرفة والنساء المهجرات، على العودة للحياة الطبيعية والمساهمة في بناء المجتمع، وتقول نيفين حوتري أحد مؤسسات الوحدة وهي ناشطة مجتمع مدني من الغوطة الشرقية، : “نهدف في وحدة دعم وتمكين المرأة؛ مساعدة النساء في أخذ دورهن الصحيح في المجتمع بعد الحروب والمصاعب والمآسي التي عاشوها، ونرغب في الوصول لكل السيدات اللواتي عانين وواجهن الصعوبات في كل المناطق المحررة”.
ندى الأحمد، ناشطة حقوقية من مدينة إدلب، تعمل في مجال التوعية المجتمعية، ودعم المرأة، تحدثت عن تجاربها مع نساء نازحات من مناطق كان يسيطر عليها تنظيم داعش، فتقول: “معظم السيدات اللواتي قابلتهن من مناطق ديرالزور، والرقة كانوا يعانون كثيراً من آثار القمع والتقييد الممارس عليهن، عملنا على تضمينهن في المجتمع، وعقد الندوات الحوارية معهن، لتوعيتهنّ بأهميتهنّ في المجتمع، والدور الذي يجب على النساء أن تأخذه في الأسرة والعمل والمجتمع، واجهنا بعض الصعوبات معهنّ في البداية، لكن ومع مرور الوقت عادت السيدات لما كنّ عليه قبل التنظيمات المتطرفة، وانخرطن في المجتمع والعمل، إحداهن مهندسة مدنية من ديرالزور، تعمل اليوم في شركة إنشاءات جديدة، وهي عضو في مجلس إدارة الشركة”.
في عفرين، وبعد طرد مليشيا قوت سوريا الديمقراطية “قسد” من المنطقة، تناقص عدد الرجال بشكل كبير، فمنهم من كان ضمن التنظيم المتطرف، وهرب معه، ومنهم من نزح إلى مناطق سيطرة النظام ، وبقي العدد الأكبر من النساء والعجائز، فكان على المرأة أن تتحدى الصعوبات وتعمل من أجل مدينتها أو قريتها، في تشكيل المجلس المحلي لمدينة عفرين بعد انحسار مليشيا “قسد” من المدينة، كان التمثيل النسوي حاضراً وبقوة، وعمل المجلس على إعادة الخدمات إلى المدينة، كما سعى بتوحد الجهود مع المهجرين المقيمين في المنطقة لإدارتها بشكل جيد في المستقبل.
وتحدثت ريم السعيد، إحدى الناشطات من مدينة عفرين، عن تجربتها مع النساء المهجرات، من أجل زيادة أواصر المحبة والأخوة بين أهالي المنطقة وضيوفها، فقالت: “كان الأهالي في المنطقة يخافون بشكل كبير من المهجرين القادمين من دمشق وريفها، بسبب الإشاعات التي كانت تبثها مليشيا قسد المتطرفة في المنطقة، وبسبب بعض التجاوزات التي قام بها السيئون من الضيوف، لذا كان لا بد من أخذ زمام المبادرة لتقريب الأهالي من بعضهم، فعملت على زيارات دورية مع بعض السيدات من المهجرين لنساء المنطقة وزرنا ما يقارب المئة بيت خلال فترة قصيرة، مما كسر الكثير من الحواجز بين الضيوف وأهالي المدينة”.
وفي يومنا هذا، المرأة السورية ليست الوحيدة التي عانت من آثار التطرف على المجتمع وتحاول جاهدةً استعادة دورها الطبيعي في المجتمع، ففي الصومال، الدولة التي عانت كثيراً من التطرف والهجمات الإرهابية، أصبحت فيها المرأة أمام الكثير من التحديات للنهوض بالمجتمع، ففي شهر آب من عام 2018، على مدى يومين اجتمعت نساء صوماليات في عدد من المدن وعواصم الأقاليم الصومالية، لمناقشة الدور الحيوي الذي تلعبه المرأة في عملية السلام والمصالحة في البلاد، وتعزيز مكافحة التطرف العنيف الذي يؤثر على جهود السلام الجارية. وعن الغرض من هذه الاجتماعات، قالت رئيسة المنظمة النسائية مادينو محمد، في الاجتماع الذي عقد في مدينة كيسمايو عاصمة إقليم جوبالاند الواقع في جنوب البلاد: “هدفنا هو تشجيع النساء على تمرير ما تعلمنه هنا إلى عائلاتهن وقراهن ومناطقهن، وتوعيتهم حول آثار التطرف العنيف من أجل تحقيق السلام الكامل في البلاد.” وكان الهدف الرئيسي للمنتديات هو التشاور مع مجموعة واسعة من النساء المعنيات – دعاة السلام والناشطات – لتحديد الطرق والاستراتيجيات لتحسين دور المرأة في تعزيز السلام ومنع التطرف العنيف في البلاد.
إن الدور الكبير الذي تلعبه المرأة حالياً في سوريا، يوازي المهام الكبيرة الملقاة على عاتقها، وبرزت في هذه المرحلة الجديدة أهمية الجمعيات النسائية، لتحقيق مطالب حقوقية خاصة ، مثل مساعدة ضحايا الاعتداء والاختطاف، وحماية النساء اللواتي حرمن من أزواجهم وأبناءهم المعتقلون لدى النظام السوري ومجموعات متطرفة أخرى، وعملت المرأة السورية على إلغاء كل قوانين التمييز التي تحرمها من حقوقها، وذلك من خلال عملها وافعالها في المجتمع وليس مجرد خطابات وكلمات.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.