صوت وصورة

كثرت في عصرنا الحديث التنظيمات المتطرفة على اختلاف توجهها وأفكارها، إلا أن أيدولوجيتهم كانت ولاتزال قائمة على الفكر وليس الأشخاص، فعمل المتطرفون بشتى الوسائل لنشر هذا الفكر لجذب أكبر قدر من العقول التي من الممكن أن تتبنى هذه الأفكار وتكون جزءاً منهم. ولعل الاختلاف الكبير بين التنظيمات المتطرفة اليوم والتنظيمات في ما سبق، هي آلية نشرهم الفكر المتطرف، فسابقاً كان انتشار هذا الفكر محدوداً ومحصوراً في بقعة جغرافية معينة، أما اليوم بوجود الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بات بمقدور هذه التنظيمات استهداف أي شخص في دول العالم.
ومن اشهر هذه التنظيمات اليوم هو تنظيم داعش، الذي وضع ثقله الكبير لنشر الفكر المتطرف بين جميع شرائح المجتمع، فيذكر لنا الناشط الحقوقي مصطفى الاسعد الذي عاشر التنظيم إبان وجوده في الشمال السوري قبل طرده من قبل الفصائل المعتدلة، ” أن التنظيم منذ نشأته حاول اجتذاب أكبر قدر ممكن من السكان من كافة الاعمار والفئات، فعمد الى جذب الأطفال من خلال ندوات يقيمها في مدارسهم، يقوم من خلالها بتوزيع بعض الهدايا عليهم ليرغبهم بحفظ وريقات صاغها بعناية تحوي بعض أفكاره، كما عمد إلى جذب شريحة الشباب التي يحتاجها التنظيم بشدة، ليس فقط في الداخل بل أراد جذب الشباب من جميع اصقاع العالم ومن جميع المناطق السورية، ويتضح ذلك من خلال إصداراتها المترجمة أو الناطقة بعدة لغات عالمية.”
فقد ركز تنظيم داعش منذ نشأته على الإعلام للفت أنظار العالم وجذب المقاتلين اليه، واعتمد منهجية إعلامية ضخمة بخلاف تنظيم القاعدة الذي كان منغلقاً على نفسه، الأمر الذي أكسبه شهرة لدى الكثير من الناس محلياً وعالمياً. كما بنى التنظيم ترسانة إعلامية تشمل جميع أشكال المنافذ من مدونات ومنتديات ومواقع إلكترونية تقليدية، وشكل العديد من مؤسسات الانتاج المرئي والصوري، وأنشئ مواقع ذات روابط متغيرة باستمرار لتلافي الملاحقة والإغلاق. وتوفر هذه الترسانة خدمات بلغات عدة إلى جانب العربية مثل الانجليزية والفرنسية والتركية والشيشانية والكردية وعدة لغات أخرى، كما يمتلك مجلات وإصدارات وإذاعات محلية أبرزها إذاعة “البيان”، وكابينات يطلق عليها “نقاط اعلامية” يعرض ويوزع من خلالها بياناته وافلامه بشكل مباشر للجمهور.
وأرجأت تقارير المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، تزايد عدد المنضمين لصفوف التنظيم، إلى قوة الاستراتيجية الإعلامية وضخامة جهاز العلاقات العامة وقدرتهما على استمالة الشباب، إلى جانب قوة الخطابات التي يروج لها عبر شبكات التواصل الاجتماعية وقنوات التنظيم التي تعمل بجد لإيصال رسالتها إلى أكبر شريحة ممكنة. إضافة إلى أن تنظيم داعش قد سخر شبكات التواصل الاجتماعي لنشر الرعب بين الناس بطريقة لم يشهد التاريخ لها مثيلاً، واستخدم التقنية الحديثة لتوثيق أعماله الميدانية عبر الصور ومقاطع الفيديو المروعة، بغية إبراز قوة التنظيم وإيصال رسالته إلى أكبر شريحة من الناس لكسب عناصر جديدة تدعمه على أرض المعارك التي يخوضها عناصره.
الباحثة دنيا بوزار المتخصصة في علم الانثروبولوجيا -علم الجماعات البشرية وسلوكها- ذكرت أن: ” أكثر من 90% من عمليات التجنيد تتم من خلال الإنترنت ووسائط التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر مقاطع الفيديو الاحترافية التي لديها القدرة على التأثير النفسي والإغواء”. حيث ترى الباحثة أن التنظيم لم يستخدم مشاهد العنف وحسب، بل أدرج مقاطع من أفلام مثل “ماتريكس” و”سيد الخواتم” وغيرها من الأفلام العالمية بخلفية موسيقية جذابة وكلام مؤثر عن المظلومين إخوتنا في الإنسانية وواجب نصرتهم والدفاع عنهم، “ومع التكرار يقتنع المستهدَف بأنه مختار للدفاع عن قضية عادلة، ويستبق الفيديو الانتقادات التي سوف يتعرض لها المختار من المقربين منه فيطلب منه تجاهلها وعدم التعامل معها”.
وتظهر المبالغ الخيالية التي أنفقها التنظيم على الإعلام اهتمامه بهذا الجانب بشكل كبير، ففي أحد الفواتير المسربة من داخل تنظيم داعش التي حصلت عليها منظمة صوت وصورة، تظهر الفاتورة صرف التنظيم مبلغ 110 ألاف دولار لشهر مايو 2015 للمكتب الإعلامي التابع للتنظيم المتواجد في الريف الشرقي من محافظة ديرالزور. ولم يكن المال هو الوحيد الذي انفقه التنظيم، فالإصدارات المرئية الصادرة عن التنظيم توضح كمية الوقت والجهد الذي ينفقها التنظيم أيضاً، كما أن آلة التنظيم الإعلامية كانت مواكبة للأحداث العالمية وتعمل على استغلالها. فمن استغلال حادثة الصراع بين تركيا وأميركا على القس أندرو برونسون بخطاب البغدادي الأخير، إلى العمل على تجييش الأشخاص لتنفيذ عمليات إرهابية في بلادهم، كما حدث عند الاحتجاجات بمدينة فيرغسون الأمريكية، فقد استخدم تنظيم داعش هاشتاغات مختلفة باللغتين العربية والإنجليزية لتحريض الأمريكيين من أصل أفريقي على الحكومة الأمريكية وتشجيعهم على تنفيذ هجمات في الولايات المتحدة. ومن الرسائل التي وجهت إلى المتظاهرين “أنهم يتشاجرون حول مسائل دنيوية، لذلك يمكنكم إرسالهم إلى الجحيم”، “يا أنصار الدولة الإسلامية في أمريكا ما يحدث في فيرغسون فرصة ثمينة لا تعوض قم واشغلهم عن المجاهدين بأنفسهم واسفك دماءهم بالطرقات والحارات”، و”الحل لحريتكم هو الإسلام، وتنظيم الدولة”.
ويرى ستيفن ستالينسكي المدير التنفيذي لمعهد الشرق الأوسط لأبحاث الإعلام “أنه ليس أمرٌ طبيعي لتنظيم داعش، أو الجماعات المسلحة الأخرى، عند استخدام الأحداث الجارية لتحريض أتباعهم، وأنه من شبه المستحيل معرفة ما إذا كانت مثل هذه الجهود على وسائل الإعلام الاجتماعي تؤدي بشكل مباشر إلى حدوث المزيد من العنف”. إلا أن التحقيقات تظهر الذين نفذوا هجمات مسلحة بشكل فردي في الدول الغربية كانوا فاعلين دائمًا ونشطين على تويتر لصالح تنظيم داعش، أو شاهدوا الكثير من الفيديوهات التحريضية التي بثها التنظيم.
ولم يكن استغلال الإعلام لدى الجماعات المتطرفة القائمة على أيدولوجية دينية، فحزب البي كي كي متمثلاً بوحدات الحماية الكردية الذي كان قائماً على التطرف الحزبي والقومي، برع ايضاً بالتسويق لعناصره وإظهارهم بمظهر المقاتل الشجاع الذي يضحي بنفسه من أجل الأخرين، مستغلين تعاطف الشعوب الغربية معهم كون تطرفهم غير قائم على أساس ديني.
ووثق الناشطون الانتهاكات والمجازر التي ارتكبتها وحدات حماية الشعب الكردية، شمال شرق سوريا، وقال علي الحريث أحد مؤسسي حملة “أنقذوا الجزيرة السورية من الوحدات الكردية”: أن الوحدات الكردية لم توفر وسيلة إلا واتبعتها بقصد تغيير البنية الديموغرافية للمحافظة، واتهم الوحدات بـسلب بيوت العرب وتوطين أجانب في بيوتهم، إلى جانب ارتكابهم مجازر بحق العشرات من سكان تلك القرى، ويضيف الحريث “استغلوا الاعلام لتصوير قضيتهم على أنهم أقلية ولهم حق بالانفصال عن سوريا والعراق وتركيا، بل ولهم الحق ببناء دولة مستقلة داخل الدول، وقاموا عن طريق الاعلام بمحاولات كثيرة لاستثارة الكرد في المهجر لتقديم الدعم لهم أو الانضمام لصفوفهم، ولم تقف الدعوات لدى الكرد بل تعدتها للأجانب في أوروبا وأميركا الذين انضموا لصفوف القوات الكردية في كل من سوريا والعراق”.
وغدت وسائل التواصل الاجتماعية هي الطريق الأسرع والأسهل بالنسبة للجماعات المتطرفة حول العالم لنشر أفكارهم المتطرفة بشتى الطرق والوسائل وهذا الأمر ليس محصوراً في منطقة بعينها كالشرق الأوسط، بل إن هناك الكثير من الجماعات المتطرفة أيضاً في المجتمعات الغربية تنشر أفكارها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي ومجالس النقاش الحر في دول الغرب والتي تسيطر على عقول بعض الشباب المائلين لنزعة متطرفة. كحال بعض الأحزاب اليمينية في أوروبا ودول الغرب التي تنتهج سياسية متطرفة ضد اللاجئين وتحفز الناس على معاملتهم بالسوء و إقامة الاحتجاجات لطردهم من البلاد مثل حركات حزب “البديل” الألماني ضد اللاجئين السوريين ووقف باب الهجرة لألمانيا وحزب سفاريا ديموكراتنا.في السويد.
تقول الناشطة الاجتماعية السويدية كارينا فريدريك معلقةً على تقدم الحزب اليميني المتطرف في الانتخابات: “تُعد القارة الأوربية من أكثر دول العالم انفتاحاً، وتحتل السويد مركزاً متقدماً على رأس القائمة، ربما كان من الجنون التفكير منذ عشر سنوات أن أحزاباً يمينية متطرفة قد تستطيع المشاركة بالانتخابات، أما اليوم فهم يحققون نتائج متقدمة”. وتضيف كارينا: “لوسائل التواصل الاجتماعي دور مهم في الترويج لأفكار هذه الأحزاب، فسابقاً كانت أفكارهم محصورة في رؤوسهم، أما اليوم فأي متطرف في السويد قادر على إنشاء صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي وبث خطاب الكراهية من خلالها وجذب أنظار حملة البذور الطائفية”.
لم يُدخل الإعلامُ تنظيمَ داعش إلى الموصل ولم يمكّنَ لهم في الرقة، إنما دعم ذلك بقوة، كما أنه لم يُدخل وحدات الحماية الكردية إلى الحسكة والشمال السوري، ولكن ساعدهم لكسب مؤيدين لقضيتهم ومناصرين لأفكارهم وأعمالهم، فالإعلام وإن كان يستخدم لجذب الشباب نحو التطرف والإرهاب فهو أيضا سلاح ذو حدين يجب أن يُستخدم لتوعية الشباب وفتح مداركهم، ويجدر الإشارة بأنه يجب على الدول جميعاً محاربة هذا الفكر على منصات التواصل الاجتماعي من خلال برامج توعوية عن هذا التنظيمات وخطر هذا الفكر في هدم المجتمعات، ومن خلال حجب الروابط والمواقع التي تؤيد وتنشر هذا الفكر، وملاحقة المتعاطفين معهم قبل تحولهم لآلة قتل متنقلة.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.