صوت وصورة

“لم يكن هنالك فرق بين الرجال والنساء المنتمين لتنظيم داعش، كلاهما كان يمارس الإجرام والتطرف ذاته، يقاتلون سويةً، ويتناوبون على جعل حياة المدنيين أسوأ، وفي حال النظر بأمر اللذين استسلموا أو تم القبض عليهم يجب وضع جنسهم جانباً ومحاكمتهم على أنهم متطرفون تخلوا عن إنسانيتهم كانوا سبباً بقتل مئات الأبرياء، المعيار الوحيد في المحاكمة هي الجرائم التي ارتكبوها، وأي إخلالٍ في هذا المعيار يُعتبر خرقاً للعدالة التي نسعى إليها”.
هذا ما قاله الناشط الإعلامي تيم رمضان، أبرز نشطاء مدينة الرقة والذي بقي قرابة الأربع سنوات بمناطق سيطرة داعش في سوريا، فبحسب تيم فإن التنظيم قد ألغى الفرق الجندري لدى العناصر وأوكل المهام للنساء والرجال على حدٍ سواء، لذا يجب محاكمتهم على هذا الأساس.
فقد لعبت المجموعات المتطرفة على وتر العاطفة، وعلى وتر الدين حيناً آخر، وخدعت الكثير من الرجال والنساء في المجتمع للانضمام إليهم، أو التضامن معهم، وحملوا أفكاره وتناقلوها في المجتمع، وتُعد النساء الفئة الأكثر تأثراً وتأثيراً لدى الجماعات المتطرفة، فمنهن من تزوج من المتطرفين، ومنهن من عمل معهم، وأخريات كنّ يروجنّ للأيديولوجية المتطرفة في الوسط المحيط بهنّ ثم امتد ترويجهم وصولاً للمجتمعات الأوربية، وكان لهنّ التأثير الكبير على النساء اللواتي تعاطفن مع التنظيمات المتطرفة وسمحنّ للفكر المتطرف بالدخول إلى بيوتهم، وتعليمه لأبنائهم.
لكن مع انحسار التنظيمات المتطرفة عن العديد من المناطق في سوريا، تم أسر الكثير من المتطرفين الذكور وإخضاعهم لمراكز إعادة التأهيل في سوريا، أو في البلدان التي قدموا منها أساساً للانضمام للتنظيم المتطرف، وعملت هذه المراكز على مناهج متنوعة وبأسماء مختلفة لمسح الفكر المتطرف من عقول المتطرفين، وقليل ما كان هناك من النساء في تلك المراكز، ولم يتم استهدافهن بشكل جدي في عملية إعادة التأهيل.
ويرى البعض أن هذه المراكز غير مجدية وأثبتت فشلها في إعادة تأهيل المتطرفين بغض النظر عن جنسهم، فبحسب “المركز الأوربي لدراسات مكافحة الإرهاب في ألمانيا وهولندا” فقد تبيّن في ما بعد فشل تلك المراكز ولم يكن بعضها سوى طريقة من طرق تبذير ونهب المال العام، وهو ما حدث مع صونيا إملول صاحبة مشروع “بيت الوقاية والعائلة” التي صدر حكم ضدها بأربعة أشهر سجن غير نافذة بتهمة اختلاس وتبييض أموال. كما أكد تقرير أعدّته عضوتان من مجلس الشيوخ الفرنسي فشل التجربة الفرنسية برمتها وطالبتا فيه إيقاف تلك المشاريع فوراً لعدم فعاليتها.
ويصف الباحث في الأصولية الإسلامية دافيد طومسون صاحب كتاب عن الجهاديين الأوروبيين العائدين من سوريا والعراق، محاولات إبراء الجهاديين بالعملية العبثية، ومن المستحيل قياس درجة صدق نية التائبين ويعطي أمثلة لكثيرين تمكّنوا من خداع السلطات القضائية وخرجوا من السجن ثم عادوا إلى تطرّفهم وإرهابهم.
وتشكل ظاهرة العائدات من داعش هاجسًا للعديد من الدول، التي تتخوف من الخطر الناجم عن تواجدهن في البلاد، فالعديد منهن تلقى تدريبات على أيدي التنظيم على كيفية حمل السلاح، فضلًا عن أنهن عشن في بيئة دموية، ويحملن الكثير من الأفكار المتطرفة التي لها تأثير سلبي على الأجيال القادمة. وما يزيد من خطورة الأمر، التقرير الصادر عن مجموعة صوفان في مارس 2016، الذي أشار فيه إلى أن عدد المقاتلين الأجانب في سوريا والعراق ما بين 27 ألفا و31 ألفا، ثلثهم من النساء من حوالي 87 دولة حول العالم، أي ما يقرب من 5000 امرأة أوروبية انضمت للتنظيم تتراوح أعمارهن ما بين 19 و23 عامًا.
العديد من التكهنات تم طرحها بخصوص ظاهرة “العائدات من داعش”، فبعضهم تحدث بتفاؤل شديد حول إمكانية دمجهن في المجتمع والتعامل معهن بلطف، وأنهن مواطنات ولهن حق على المجتمع، والبعض الآخر تبنى نظرة تشاؤمية حول هذه الظاهرة وحذر من الخطر الناجم عنها، وقدم بعض التوصيات التي يجب أخذها بعين الاعتبار من أجل تقليل المخاطر، ورغم خطورة الظاهرة وما قد ينتج عنها، إلا أنه لا بد من التفرقة بين نوعين من العائدات، الأول، هن النساء اللواتي نفرن من التنظيم ونبذن أفعاله الوحشية وأفكاره الضالة، وبين أخريات ما زلن مقتنعات بأفكار التنظيم ويحرصن على تطبيقها في المجتمع بالقوة.
ويواجه النوعان من العائدات عدة تحديات، رصدتها دراسة حديثة صادرة عن مركز المستقبل، وهى عدم وجود برامج فكرية لتأهيل العائدات ودمجهن في المجتمع مرة أخرى، فضلًا عن سوء المعاملة ونظرة المجتمع لهن على أنهن مجرمات والتخوف من التعامل معهن بشكل طبيعي، ما يجعل بعض العائدات يتصرفن بشكل أكثر عدائية تجاه بعض الأفراد، وعلاوة على هذا يشكل الوضع الاقتصادي المأزق الأكبر للعائدات، خاصةً أن بعضهن قد لا يجدن فرصة عمل مناسبة أو مصدر رزق يستطعن العيش منه والانفاق على أطفالهن.
ورغم هذه التحديات، إلا أن بعض الدول اتبعت سياسات متفاوتة تجاه هذه الظاهرة، فأعلنت وزارة الداخلية الروسية إعفاء المواطنات الروسيات اللواتي عدن مع أطفالهن من العراق مؤخرًا من المسئولية الجنائية باعتبارهن “سلمن أنفسهن”، وجاء هذا القرار بعد عودة أربع نساء إلى الشيشان ومعهن ثمانية أطفال فيما لم يتم إعفاء أي من المقاتلين الرجال اللذين ينحدرون من أصول روسية. بينما حذر تقرير بريطاني الحكومة البريطانية من ظاهرة عودة المتشددات من داعش، وأوصى بضرورة تفعيل قانون (TpIms) لمنع الإرهاب والتحقيق مع المتطرفات ووضعهن تحت الإقامة الجبرية في مسافة تبعد مئات الأميال عن منازلهن، وطالبوا بتطبيق هذا القانون على جميع العائدين من مناطق داعش ذكوراً أم اناثاً.
وإلا أن بعض الآراء أخذت منحاً مختلفاً حين اعتبرت أن خطر المتطرفات يفوق خطر المتطرفين بمراحل متقدمة، لذا يجب التشديد عليهم بشكلٍ أكبر، فقد أكد جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة، أن هناك خطراً حقيقياً وهو النساء العائدات من داعش يفوق خطر الرجال، مشيرًا إلى أن المرأة التي تبنت فكراً متطرفاً تكن أكثر شراسة في المعاملة وفى التخطيط والتنفيذ لهذا الفكر من الرجال، مضيفًا :”إن الدليل على أن النساء أشرس في أفكارهن هو قيام إحدى نساء داعش بإرسال أطفالها الاثنين وتحميلهما حزاما ناسفا وتفجيرهما عن بعد داخل قسم شرطة في سوريا”. وأوضح فرويز: “أن النساء العائدات من داعش سيمثلن خطراً حقيقياً في المجتمع، إذا كانت عودتهن نتيجة الظروف التي يتعرض لها التنظيم في العراق وسوريا، مؤكدًا أنه في حالة اقتناع العائدات من داعش بأفكارهن التي تعلمنها على يد التنظيم المتطرف سيكون من الصعوبة تغيير أفكارهن، رغم استخدام العلاج النفسي”.
وتابع أستاذ الطب النفسي، أن تبني الأفكار المتطرفة، خاصة من تنظيم دموي مثل داعش يكون نتيجة أمراض نفسية عميقة، وبالتالي إعادة تأهيل النساء العائدات من هذا التنظيم الدموي أمر صعب جدًا إلا في حالة اقتناع النساء بأخطائهن وقبولهن لوجهة نظر أخرى، ففي هذه الحالة يتم عمل حضانة لهن ومجادلتهن بالفكر.
ولا يمكن اعتبار حديث فرويز قاعدة عامة على خطورة العائدات من التنظيم أكثر من الرجال، فالدليل الذي أورده الطبيب نجد له أمثلة مشابهة فعلها متطرفون ذكور ظهروا على شاشات داعش يحرضون أبناءهم على القتال وتفجير أنفسهم، ومنهم من نفذ عملياتٍ انتحارية سويةً.
أما الطبيبة النفسية من دمشق رقية الشمالي، فترى أنه من الإمكان تقديم المغفرة للنساء المتطرفات ولكن لا يمكن نسيان تطرفهنّ، حيث تقول: “يجب على السلطات متابعة “التائبات” بشكل مكثف، ووضعهن تحت المراقبة الدائمة، وإخضاعهن لبرامج إعادة التأهيل، ولكن مع السيدات اللواتي لم يمارسن الإرهاب بأيديهن، لأن تلك النساء قد ارتكبن جرماً أو جرائم يجب على السلطات محاكمتهن حسب القانون في كل دولة من الدول العائدة إليها تلك النساء”.
وتتابع الطبيبة قولها، “لابد من وضع خطة واضحة لمساعدة النساء اللواتي عدن من التطرف، فهن في النهاية ضحايا فكر غير سليم، ويمكن القول أن التطرف هو مرض نفسي في الحقيقة يجب علاجه، إلا أنه ليس من السهل القيام بذلك، في حين أن الرجل يحمل العنف بطبيعته، فأن المرأة المتطرفة تحتاج الكثير من العمل لأنها مسؤولة عن أطفال وعائلة، الخوف من المتعاطفات، هؤلاء النساء يجب توعيتهن لخطر التطرف، وفي حين أنهن لا يمثلن خطراً مباشراُ، إلا أنهن قد يصنعن متطرفين من أولادهنّ في المستقبل، فعلى السلطات العمل على برنامج توعوي يساهم في انتزاع الفكر المتطرف من المجتمع ككل”.
ما بين داعمٍ على إعادة تأهيل العائدات من مناطق داعش، وبين معارضٍ لها، تبقى كثيرُ من القضايا معلقة إلى حين البت في وضعهم القانوني المستقبلي، فحتى مع وجود خططٍ لإعادة دمجهم بالمجتمع، يبقى عوائل مئات الضحايا على يد هؤلاء المتطرفين ينتظرون تحقيق العدالة والاقتصاص منهم، فبنظرهم لا فرق بين متطرفين وآخر إلا الاسم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.