صوت وصورة

عانت المرأة من التحيز بمجتمعات الشرق الأوسط عبر السنوات الماضية، ولم يكن المجتمع منصفاً في حقها، فلم يأخذها قسمٌ من الرجال على محمل الجد، وضاعت حقوقها ودورها، وازداد ضعفها أمام الرجال جيلاً بعد جيل. لكن بتطور حركة العولمة والتكنولوجيا في العالم، فُتحت أبوابٌ كثيرة أمام المرأة في المجتمع العربي، لتطّلع على المجالات الواسعة التي يمكن أن تكون بها، وأثر هذا الانفتاح حتى على الرجال في المجتمع، فأصبحوا على معرفة جيدة بحقوق المرأة في العالم الحديث، واستطاعت المرأة أن تحصل على بعض الحقوق وأن يكون لها مكانة أفضل في المجتمع.
عند اندلاع الثورة السورية بداية عام 2011، انضمت المرأة السورية إلى صفوف المتظاهرين، وشاركت في الحراك السلمي للثورة، كانت جنباً إلى جنب مع الرجل في الكثير من التنسيقيات ومراكز تنظيم المظاهرات والفعاليات الثورية، من المثقفات للعاملات للسيدات على اختلاف أعمارهن، ساهمت المرأة في كل شيء، مما ساهم برفع مكانة المرأة بشكل أكبر، فتضحياتها لم تقل أبداً عن تضحية الرجال، بل فاقته في جوانب عدة.
ومع إعلان النظام السوري الحرب على الشعب السوري وتدمير المدن وتشريد العوائل، كانت المرأة السند والقوة التي يستند إليه الرجال في الظروف الصعبة، فكانت المرأة على اختلاف أدوارها -من أمٍ وزوجة وأخت وابنة- قوية لتحمل أعباءً كبيرة لم يكن الرجل يظن أن المرأة قادرة على حملها، ميريام شيخاني، إحدى الناشطات من مدينة دمشق، تحدثت عن دورها في المجتمع والأدوار التي كانت تأخذها، حيث قالت: “كنت أساعد الرجال في كتابة اللافتات، وفي التحضير للمظاهرات، لاحقاً أخذت أكتب مقالات عن الوضع في المجتمع والاضطهاد التي كان يعاني منها المجتمع في ظل حكم الأسد، تمت ملاحقتي من قبل قوات الأمن السوري، واعتقلت لمدة شهرين، عندما خرجت من المعتقل، كنت أكثر إصراراً على متابعة المسير، خرجت من سوريا إلى تركيا، وهناك عملت مع نساء أخريات لتأسيس هيئات ومؤسسات تضمن حقوق المرأة”.
ولم تشق المرأة طريقها بين الورود، فقد كانت التحديات والمصاعب رفيقة دربها نتيجة قلة الوعي بحقوقها ودورها، إذ تتحدث الناشطة منال السعيد من إدلب، عن عملها في منظمات المجتمع المدني في التوعية والتثقيف والتحديات التي واجهتها في المجتمع، تقول: “الكثير من النساء السوريات لا يملكن الوعي الكافي لمعرفة حقوقهن وواجباتهن، بعضهن راضخ تماماً للرجل، ولا يقمن بأي اعتراض على أي طلب، واجهت الكثير من حالات العنف الأسري، إلا أن معظم النساء يرفضن التحدث عن هذا الأمر، عملت خلال السنوات الماضية في مجال التوعية للنساء، حققت الكثير من النجاحات في هذا المستوى، واستطعت أن أزيد وعي العديد من السيدات”. وتتابع السعيد حديثها عن أهمية التوعية والدور الذي يجب أن تأخذه المرأة، حيث تقول: “من المهم الاستمرار بنشر الوعي في المجتمع ككل، وليس فقط استهداف النساء، يجب على الرجال أن يعرفوا دور المرأة وإمكانياتها، ويجب العمل على توعية الرجال بإعطاء النساء حرياتهن، لبناء مجتمع سليم، نشر الوعي هو ما يلزمنا بشكل كبير”.
بعد اشتداد الظروف الصعبة في الحرب، وتأثر الكثير من السيدات بالأوضاع المأساوية التي مررن بها، كان لابد من العمل على مساندتهن بكل الخطوات اللازمة، فانبرى العديد من منظمات المجتمع المدني للعمل على مساعدة النساء لتحمل الضغوطات الصعبة ومواجهة الحياة، تقول السيدة خلود من الغوطة الشرقية مديرة إحدى مراكز التوعية في الغوطة الشرقية قبل السيطرة عليها من قبل قوات النظام، “
“النساء هن الأكثر عرضة للخطر في حالات الحروب، لذلك تم إحداث قسم دعم نفسي لحماية السيدات من الآثار الناجمة عن الحرب”، مضيفةً “كان لدينا برنامج القيادات النسائية، والمتضمن لعدة محاور من التواصل والتفاوض والمناصرة المرأة القيادية والإشراف و وتقييم الاحتياجات الإنسانية، إذ هدفَ البرنامج إلى مساعدة المرأة لتغدو أكثر قدرة على الاستقلالية والاعتماد على الذات، حتى تكون قادرة على صنع القرار بنفسها”.
عمل المركز في الغوطة الشرقية على تمكين المرأة بناحيتين أساسيتين، في المجال الاقتصادي، وذلك عبر إقامة دورات مهنية كالخياطة والتطريز والحلاقة والتجميل، بالإضافة للتمكين المعرفي أيضاً، عن طريق دورات متنوعة في اللغة العربية والإنكليزية، والرياضيات والحاسوب والتمريض، تقول خلود: “كان لدينا ورشات تتعلق بالأمن الرقمي، وكتابة السيرة الذاتية، وإدارة المشاريع، ومبادئ الصحافة والإعلام، وقدمَ المركز العديد من الدورات والندوات التعريفية والتثقيفية، التي تهدف لتمكين المرأة اقتصادياً ومعرفياً، كما يتميز المركز بوجود مدربات متخصصات، كل حسب مجاله.
وفرضت الحرب ظروفاً معيشية قاسية على قسمٍ من النساء، ووضعتها أمام أشكال جديدة من الحياة اضطرت للتعايش معها، وقبولها مرغمةً لأنها في أكثر الأحيان غدت المعيل الوحيد لأطفالها، لكنها استطاعت التكيف مع هذه الظروف والتغلب عليها، كحال غادة نحاس، معلمة من ريف إدلب، اضطرت هي وعائلتها النزوح إلى مخيمات أطمة في الشمال السوري، وبدأت هناك حياة جديدة مع زوجها وأولادها، ورغم أن ظروف المخيمات لا تُساعد على تطوير الذات، إلا أنها لم تستلم للظروف، حيث أسست مع مجموعة من السيدات؛ جمعية نسائية تعنى بمحو الأمية لدى نساء المخيم، والتعليم المهني للنساء العاطلات عن العمل في المجتمع، لجعلهن نساء فاعلات، ويساهمن في تأسيس جيل يعلم أطفاله احترام المرأة، كما عملت فيما بعد مع العديد من المنظمات بأدوار إدارية وقيادية عديدة، وأثبتت أن المرأة تستطيع أن تكون حيثما ما تريد إن هي عملت على ذلك، تقول: “لا أظن أننا كنساء نمتلك إمكانيات أقل من الرجال، ها أنا أعمل في المناصب التي يحلم الكثير من الرجال بالعمل فيها، وهذا ما أعلمه للنساء، أنتن أقوى من الظروف ومن العادات والتقاليد، عليكن بالعلم والعمل، وستكونن أهم من الرجال المتقاعسين في المجتمع”
وللتربية الصحيحة القائمة على تعليم الأطفال الدور الحقيقي للأم والأخت والزوجة، والإمكانيات الهائلة التي لا تقل عن إمكانيات الرجل، دوراً مهماً بتعليم الطفل بأهمية مشاركة النساء في المجتمع منذ الصغر، هذا ما يراه أحمد المسلط، الأخصائي التربوي الذي يقول: “عندما تربي أطفالك على عادة ما، فلن يتركوها في كبرهم، وعندما تعلمهم الأخلاق الحميدة من الصغر، سيكبرون ويصبحون أشخاصاً جيدين، وهذا ما يحصل إن أنت علمتهم احترام المرأة ودورها الحقيقي في المجتمع، عندما يرون احترامك لأمهم، وتشجيعك لأختهم، بالتأكيد سيحترمون المرأة تلقائياً”.
كما أن المرأة العاملة تترك أثراً عملياً في نفس ابنتها، وتظهر لها قدرتها على النجاح في الحياة وتأسيس أسرة في الوقت نفسه، حسب قول رهام شناق، الناشطة المدنية من ريف حلب الشمالي، كما ترى بأن المرأة العاملة تساهم بشكل كبير في زرع احترام المرأة في نفوس أطفالها، حيث قالت: “تربيت في منزل جميع من فيه نشيط، عند الصباح الباكر يخرج الكل إلى أعمالهم، أمي كانت مدرسة، وأختي الكبيرة كانت مديرة مؤسسة حكومية، لم يكن هنالك أي فرق بين الذكر والأنثى في البيت، كانت المنافسة قائمة على الدراسة والتفوق آنذاك، ولم يكن في منزلنا أية نظرة دونية للمرأة على أساس الجنس، هذا ما شجعني لأكون ناشطة في حقوق المرأة عندما كبرت، لأساعد الأخريات على تربية أبنائهن كما ربتني أمي”.
لايزال هناك الكثير من الخطوات التي يجب بذلها في المجتمع كي تضمن المرأة حقوقها، هناك الكثير من العمل الواجب على الجميع المشاركة به، فضمان حقوق المرأة لا يقع على عاتقها فحسب، بل يتحمله كل من زوجها وأبيها، ابنها وأخيها، وكل الرجال في محيطها، كما يجب العمل على تغيير ثقافة المجتمع حول المرأة فالأفكار المغلوطة التي تحملها فئة من المجتمع، جعلت المرأة ضعيفة وبلا حقوق وهمشت دورها في المجتمع، إلا أن المرأة اليوم تثبت للعالم بأنها تستطيع القيام بمهام ولعب أدوارٍ يعجز عنها الرجال، ولتكون الدفة التي توجه من حولها إلى بر الأمان.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.