صوت وصورة

يُعرف التطرف بأنه حَدِّ الشَّيْءِ وَحَرْفِهِ، والابتعاد عن الوسطية، والخروج عن المألوف ومجاوزة الحَدِّ، والبُعد عما عليه الجماعة. ويُطلق مفهوم التطرف في عصرنا الحديث على عدد من المنهجيات كالإيديولوجيات السياسية والاقتصادية والدينية التي تتبنى أفكاراً شاذة خارجة عن التفكير السائد في المجتمع، وبعيدة عن توجهاته. وإذا ما رافق هذه المنهجيات العنف والتدمير والقتل، عندها يتقاطع مفهوم التطرف مع مفهوم الإرهاب ويتحول لتطرف إرهابي.
كما أن للتطرف أسبابٌ عديدة منها الدينية أو الاقتصادية أو قومية وأحياناً يكون السبب الرئيسي له انتشار الجهل والتخلف وقلة المعرفة بين أفراد المجتمع واتساع الفجوة بين طبقاته، كما تُساهم بعض الاضطرابات النفسية التي تُصيب الأشخاص في انتشاره بشكلٍ كبير، بالإضافة إلى اضطراب العلاقة بين الناس والأسباب النفسية المختلفة الناتجة عن التعرض لأزمات نفسية قوية تُسبب ردة فعل متطرفة.
وبناءً على الأسباب التي ينتج عنها التطرف، نجد أنواعاً مختلة للتطرف، كالتطرف السياسي والديني والسلوكي والاجتماعي والعرقي والمعرفي والوجداني. فالتطرف ليس حكراً على دينٍ أو جماعة أو فصيل بل له اشكال كثيرة نجدها عند جماعات مختلفة تتبنى شكلاً من أشكال التطرف.
في مدينة الرقة السورية، كان هنالك 11 ألف مدني يعتنقون الديانة المسيحية خلال عام 2013 أثناء سيطرة الجيش السوري الحر، لينخفض هذا العدد إلى 850 شخص في عام 2014 بعد سيطرة تنظيم داعش وفرض التنظيم عليهم نمط حياة جديدة.
إذ بدء التنظيم فرض القرارات والأحكام الشرعية على المسلمين والمسيحيين على حد سواء، فأمر التنظيم بتحطيم الصلبان وتدمير الصور، والرسوم داخل الكنائس، وطمس معالم الدين المسيحي ورفع رايته السوداء على كل من كنسية “سيدة البشارة” وكنسية “الشهداء” في المدينة. وفي 26 شباط\فبراير 2014 فرض والي الرقة نيابةً من زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي ما يسمى وثيقة “عقد الذمة بين الدولة الإسلامية في العراق والشام ونصارى الرقة” والتي تضمنت مجموعة من الأحكام والأوامر يجب على المسيحيين الالتزام بها تحت طائلة العقوبات بحق من يخالفها.
وتألفت الوثيقة من سبع بنودٍ، جاء في البند الأول، أن يلتزم النصارى بدفع جزية عن كل ذكرٍ منهم، مقدارها 4 دنانير من الذهب على الأغنياء، ودينارين على متوسطي الحال، ودينار واحد على الفقراء، ويعادل دينار الذهب 200 دولار. ونص البند الثاني والثالث والرابع على أن لا يبنوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا صومعة راهب، ولا يجددوا ما خرب منها، وأن لا يظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم أمام المسلمين، ولا يستعملوا مكبرات الصوت عند أداء عباداتهم، وأن لا يُسمِعوا المسلمين تلاوة كتبهم وأصوات نواقيسهم، ويضربونها داخل كنائسهم.
أما البند الخامس فاشترط التنظيم عد القيام بأي أعمال عدوانية تجاه الدولة الإسلامية، وفي البند السادس ألا يمنعوا أحداً من النصارى من اعتناق الإسلام إذا هو أراد ذلك، لينص البند السابع بعدها على منعهم من بيع الخنازير، أو الخمور مع المسلمين، أو في اسواقهم، وألا يشربوها علانيةً.
وألزم التنظيم نفسه بعد هذه الوثيقة بضمان سلامة المسيحيين مقابل دفعهم للجزية والتزامهم بالوثيقة، بعد اجتماع مندوبين من المسيحيين مع ممثلي التنظيم في الرقة، وتخييرهم بين اعتناق الإسلام أو دفع الجزية أو اعتبارهم رافضين لشرع الله ويوجب قتالهم من قبل التنظيم. عندها اعتبر الكثير من المسيحيين شروط تنظيم داعش شكلاً من اشكال العبودية، فاختار الكثيرون منهم الخروج من المدينة تاركين ممتلكاتهم، أو التنازل عنها لأحد المسيحيين الذين قبلوا البقاء في المدينة. وكان 45 مسيحي قد تحولوا إلى الديانة الإسلامية بعد عجزهم عن دفع الجزية.
وإذا ما فتشنا في التاريخ، سنجد مثالاً مطابقاً لتنظيم داعش، ويتمثل بمحاكم التفتيش في إسبانيا التي نشطت في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، إذ لم توفر وحشية محاكم التفتيش طفلاً ولا شيخاً ولا امرأة من المسلمين، وامتدت وحشيتها المفرطة لتطال المسيحيين أيضاً فيما بعد.
ومحاكم التفتيش في الواقع نمط عجيب من المحاكم وتطرف التطرف، فقد مُنحت سلطات غير محدودة، ومارست أساليب في التعذيب لم يعرفها أو يمارسها أكثر الطغاة وحشية عبر التاريخ، وقد بدأت تلك المحاكم أعمالها بهدم الحمّامات العربية، ومنع الاغتسال على الطريقة العربية، ومنع ارتداء الملابس العربية أو التحدث باللغة العربية أو الاستماع إلى الغناء العربي، ومنع الزواج على الطريقة العربية أو الشريعة الإسلامية، ووضعت عقوبات صارمة جدًّا بحق كل من يثبت أنه يرفض شرب الخمر أو تناول لحم الخنزير، وكل مخالفة لهذه الممنوعات والأوامر تعد خروجًا على المذهب الكاثوليكي ويحال صاحبها إلى محاكم التفتيش.
كان المتهم الذي يمثل أمام المحكمة يخضع لاختبار أولي، وهو أن يشرب كؤوسًا من الخمر يحددها المحاكمون له، ثم يُعرض عليه لحم الخنزير ويطلب منه أن يأكله، وبذلك يتم التأكد من المتهم أنه غير متمسك بالدين الإسلامي وأوامره، ولكن هذا الامتحان ليس إلا خطوة أولى يسيرة جدًّا إزاء ما ينتظر المتهم من رحلة طويلة جدًّا من التعذيب، إذ يعاد بعد تناوله الخمر وأكل لحم الخنزير إلى الزنزانة في سجن سري ودون أن يعرف التهمة الموجهة إليه.
ولم يكن ضحايا التفتيش فقط من المسلمين السابقين، بل كانوا من المسيحيين أيضاً، فقال “ويل سميث” في كتابه “تاريخ اوروبا في العصور الوسطى: “انتهجت الكنيسة السلوك الإرهابي عينه تجاه المسيحيين عن طريق محاكم التفتيش التي أوكلت إليها مهمة فرض آرائها على الناس باسم الدين والبطش بجميع من يتجرأ على المعارضة والانتقاد.” فنصبت المزيد من المشانق وأعدمت الكثير من المسيحيين عن طريق حرقهم بالنار، حيث يقدر عدد الضحايا المسيحيين اللذين أُعدموا من قبل محاكم التفتيش 300 ألف، أُحرق منهم 32 ألف وهم أحياء، وكان من بينهم العالم الطبيعي “برونو” الذي نقمت عليه الكنيسة نتيجة آرائه التي تنص على تعدد العوالم وكذلك الأمر فيما يتعلق بالعالم الطبيعي جاليليو الذي تم إعدامه، لأنه كان يعتقد بدوران الأرض حول الشمس.
أما عن التطرف القومي، فنجد حزب العمال الكردستاني متمثلاً بوحدات حماية الشعب الكردية المصنفة على قوائم الإرهاب، والتي انتهجت منهج داعش بالقمع والاستبداد والتسلط، ويروي لنا محمد أمين أحد أبناء محافظة الحسكة الذي هرب من بطش وحدات الحماية، يقول: “إن وحدات الحماية لا تختلف أبداً عن تنظيم داعش، فقد انتهجت نفس المنهج القمعي والأعمال الوحشية ضد الشعب، تختلف عنه بالمسمى واللباس فقط”، ويكمل محمد “أثناء تواجدي في مدينتي تفاجأت بمجموعة لوحدات الحماية تداهم الحي وتعتقل فتاتان بعمر 15 عشر عام، وعلمت فيما بعد أنه قد تم سحبهم للتجنيد عن طريق وحدات حماية المرأة، فالوحدات تتبع منهج التجنيد الإجباري لسد متطلباتها من أعداد المقاتلين من أجل إقامة دولتهم المزعومة”. ويشير محمد إلى أنها ليست المرة الأولى لتجنيد الشباب والقاصرات في صفوف الوحدات بل هنالك العشرات ممن تتكتم عنهم عائلاتهم خوفاً من بطش المليشيات.
وفي حديث آخر يخبرنا محمد حقي وهو من سكان ريف حلب من قرية اخترين ألقت وحدات الحماية القبض عليه عند مروره على أحد حواجزها بتهمة التعامل مع الارهابين، يقول: “أوقفني حاجز يتبع لوحدات الحماية الكردية عند بوابة مدينة عفرين، وطلب مني وثائقي الشخصية فأعطيته هويتي فغاب قليلاً ثم عاد، وقال نريدك قليلاً، لم ألقي للأمر بالاً في بداية الأمر، ولكن عندما جاء الضابط المسؤول علمت أنه سيتم ايقافي، وبعدها جرى اعتقالي وسوقي الى السجن ولم أعلم ما هي التهمة الموجهة لي، إلا عند التحقيق معي وتوجيه الأسئلة، فعلمت أنني متهم بالإرهاب”، ويضيف محمد “رأيت في السجن أموراً فظيعة، فالزنزانة لا تتسع لعشر اشخاص يوجد بها ما يقارب الستين، والعفن والروائح تتسبب بأسوأ أنواع الامراض، وعند أخذي إلى التحقيق انهالوا علي ضرباً وشتماً وقاموا بتهديدي مرات عديدة بتسليمي لأفرع المخابرات السورية، وظللت على هذه الحال أشهر حتى تدخل رجال من قريتي وطالبوا بإخراجي مقابل فدية مالية، وافقت وحدات الحماية على ذلك، وأطلقوا سراحي، بعد ستة اشهر اعتقال.”
وكانت حكومة الولايات المتحدة قد فرضت عقوبات على حزب العمال الكردستاني وعرضت جوائز مالية تصل إلى خمسة ملايين دولا أميركي لمن يدلي بمعلومات عن شخصيات قيادية في الحزب.
ويمكن مقارنة تطرف مليشيا حزب العمال الكردستاني، بمنظمة وطن الباسك والحرية المعروفة اختصاراً باسم “إيتا”، وهي منظمة إسبانية مسلحة تشكلت من طلبة غاضبين في 31 يوليو/تموز 1959بمنطقة الباسك الواقعة على الحدود بين إسبانيا وفرنسا، وسعت منذ نهاية خمسينيات القرن العشرين إلى انفصال إقليم الباسك عن إسبانيا وتأسيس دولة مستقلة.
بنت إيتا عقيدتها على ثلاثة أسس: أولها الدفاع عن اللغة المحلية والعرق الباسكي، وثانيها معاداة ومقاومة الإسبانية، وثالثها العمل على استقلال بلاد الباسك التي تضم مقاطعات آلابا وبيثكايا وغيبوثكويا الإسبانية، ولابوردي ونابارا السفلى وثوبيروا الفرنسية.
قامت المنظمة بأنشطة مسلحة واختطافات، وكانت أول عملية مسلحة تقوم بها يوم 18 يوليو/تموز 1961عند استهداف قطار يقلّ فريقا من أنصار الجنرال فرانشيسكو فرانكو الذي حكم إسبانيا في الفترة 1939-1975. وتلت هذه العملية عدة عمليات ارهابية طالت مسؤولون وجنرالات في الجيش راح ضحيتها مئات الضحايا المدنيين.
أدرج كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية المنظمة على لائحة المنظمات الإرهابية، فيما أعلنت المنظمة من جانبها وقف عملياتها العسكرية مؤقتا عام 1989، ودخلت في مفاوضات مع الحكومة الإسبانية. اعتقلت إسبانيا بمساعدة فرنسا عددا من زعماء منظمة إيتا، منهم ايزاسكون ليساكا في أكتوبر/تشرين الأول 2012 بشرق فرنسا، و إيبون غوخياسكوشيا -الذي يُعتقد أنه زعيم الجناح العسكري للمنظمة- في شمال فرنسا.
جددت بعدها المنظمة عام 2012 الإعلان عن استعدادها للتفاوض والدخول في حوار مباشر مع الحكومتين الفرنسية والإسبانية تمهيدا لحل نفسها بعد أربعين سنة من العمل المسلح، لكن الحكومة الإسبانية قابلت ذلك بالرفض وأصرت على اعتبارها منظمة إرهابية وطالبت بحلها دون شروط.
وفي 8 أبريل/نيسان 2017 أعلنت إيتا تسليمها مخازن أسلحة إلى السلطات الفرنسية، وقال رئيس الوزراء الفرنسي برنار كازنوف، إنّ المتفجرات والأسلحة التي كانت على الأراضي الفرنسية بلغت 3.5 طن. ووصف وزير الداخلية الإسباني خوان إغناسيو ثويدو تسليم “إيتا” الانفصالية أسلحتها بأنه “استعراض إعلامي”، وقال في تصريح متلفز “ينبغي على إيتا أن تعتذر للمتضررين بسبب أعمالها، وتحل نفسها بدلاً من استعراض إعلامي”، معتبراً أن المنظمة تسعى من خطوتها إلى تحقيق مصلحة سياسية بعد هزيمتها. وأضاف ثويدو أنه “على الإرهابيين عدم انتظار حسن نية من الحكومة الإسبانية”.
لم يرتبط التطرف عبر التاريخ بدين أو قومية بقدر ما ارتباطه بفكر سقيم عقيم، معتمداً على الهدام والتشبث برأي أو جماعة أو حزب أو فكر معين ومعاداة كل من يخالفه، مروجاً لنفسه بأنه الجانب الصحيح، ولاعباً على وتر المظلومية التي كانت تجذب كثيراً من المتعاطفين لصفوفهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.