صوت وصورة

بعد تناوب مجموعات متطرفة مختلفة السيطرة على أجزاء واسعة في سوريا، وعمل هذه التنظيمات على زرع الفكر المتطرف داخل المجتمع، واجه العاملون في مجال محاربة التطرف و في مجال التعليم مشكلات كثيرة، كان أهم هذه المشكلات هي الوصول للطريق الأنجح لمحاربة آثار التطرف في المجتمعات، فهل من المفيد محاربتها عن طريق التحاور مع المتأثرين بالفكر المتطرف، أم أن الأجدى؛ قمع أية ميول متطرفة و التعامل معها بحزم.
أحمد الصالح ناشط مدني في مكافحة التطرف من ريف ديرالزور الشرقي، يرى أن القمع كان أحد الأسباب الرئيسية للتطرف، فليس من المجدي أن نكافحه بهذه الطريقة : “عند دراسة الأسباب التي أدت لظهور التطرف في مجتمعاتنا سوف نلاحظ أن قمع النظام السوري كان واحداً من أبرز أسباب ظهور التنظيمات المتطرفة، و فيما بعد عند سيطرة تنظيم داعش على شرق سوريا استمر القمع بأشكال عدة، مثل منع الانترنت و التلفاز و فرض لباس معين، واعتقال و إعدام الأشخاص الذين حاولوا محاربة هذا القمع، لذا ليس من المنطقي أن نحارب التطرف بنفس الطريقة التي أدت لظهوره”.
و أضاف أحمد أنه بعد تجربته مع شُبان كانوا على احتكاك مع تنظيم داعش، تبلورت لديه قناعة بنجاح الحوار معهم فقال : “نظمت مع مجموعة من الناشطين عدداً من الجلسات الحوارية غير الرسمية مع شباب في ريف ديرالزور، كان الأمر عبارة عن جلسات شبابية للحديث و التحاور، ما أعطى الشباب أريحية في التعامل و الحديث، ضربنا لهم عدداً كبيراً من الأمثلة عن مخاطر التطرف وتركنا لهم المجال للحديث، وبحكم صدور الكلام عن فئة عمرية قريبة كانت استجابتهم أكبر، كما أن عدم إعطاء الرسمية لهذه الجلسات أعطى النتائج المرجوة بالالتزام بها طواعية و عدم الإحساس بأنها مفروضة عليهم، اليوم هؤلاء الشباب بدورهم بدأوا بإيصال الأفكار السلمية التي أردنا نشرها فيما بينهم، وأعدادهم تزداد يوماً بعد يوم”. ويشير أحمد إلى أن القمع قد يجلب نتائج سريعة إلا أنها نتائج وهمية و ليست ثابتة، و سوف تؤدي على المدى الطويل إلى نتائج عكسية و عودة التطرف ربما بطريقة أعنف من سابقاتها، لذا مفاتح الحل يكمن في التعليم بجميع أشكاله، ابتداءً من المناهج الدراسية التي تُدرس في المدارس وصولاً إلى التعليم الذي يتلقاه الفرد في حياته العملية.
على الجهة الأخرى يرى عبد الخالق السعيد رب أسرة من ريف البوكمال أن الشدة مطلوبة أحياناً مع الشباب و الأطفال الذين تأثروا بالجماعات المتطرفة :” بعد سيطرة تنظيم داعش على منطقتنا ، أغلقوا المدارس ونشروا النقاط الإعلامية التابعة لهم في أرجاء المنطقة، سياراتهم كانت تدور في كل مكان و وتوزع الهدايا على الأطفال و تدعوهم للانضمام لمعسكرات التدريب التابعة لهم”. ويضيف الأب: “دخل المنزل ابني ذو العشر سنوات، حاملاً معه مطويات وزعوها في الشارع و معها ذاكرة محمولة عليها أناشيد جهادية، قمت بنهره و أخذها منه و حذرته من الوقوف معهم مرة أخرى لأي سبب كان، و أخبرته بضرورة سلك طريق مختلف إن رآهم في الشارع، و لكن كل هذه التنبيهات لم تجدي، فهم موجودون في كل مكان، حتى في المسجد يعطون المحاضرات بعد الصلوات، و قد لمست من ابني تأثراً بأقوالهم، الأمر الذي أجبرني على النزوح باتجاه إدلب خوفاً من ازدياد تأثره و التحاقه بهم”.
و شرح أحمد كيفية تعامله بعد النزوح مع ابنه قائلاً : ” في البداية تحاورت مع ابني محاولاً التوضيح له؛ أن أقوال هذه الجماعات المتطرفة مختلفة عن أفعالهم، و أنهم مجرمون بحق المجتمع بكافة مكوناته، إلا أنه في كل مرة كان يرد علي بالأقاويل التي سمعها منهم، الأمر الذي أجبرني على التصرف بشدة معه، فحذرته من امتلاك أية أناشيد جهادية أو ترديد الأقاويل التي كانوا يتحدثون بها، و نبهته أن مخالفة أوامري سوف يكون لها عواقب وخيمة” وتاع قائلاً: “أعلم أن تصرفي ربما ليس صحيح بشكل كلي و لكن رغبتي في حماية ابني في هذه المرحلة العمرية كان الدافع الرئيسي لهذه التصرفات”.
وترى الاختصاصية التربوية عبير الحسن أن التعليم و المناهج التعليمية الصحيحة هي حجر الأساس في محاربة التطرف، و أي محاولات دون تطوير التعليم لن تلقى النجاح : “لمحاربة التطرف يجب مقاومته قبل ظهوره، و ليس الانتظار لغاية ظهوره و نشره سمومه حتى نحاربه، و هذا الأمر يتم بالتعليم و المناهج المدروسة التي تقوم بإيصال الأفكار السليمة للأطفال و إلا سوف نقع في المحظور”. وتضيف الحسن: “اليوم بعد نزوح عدد كبير من مناطق سيطرة تنظيم داعش و ميليشيا قسد، نواجه مشاكل كبيرة تتعلق بالآثار السلبية التي قامت هذه الجماعات بنشرها بين الأطفال، و مع غياب المناهج الرسمية المدروسة كان من الضروري إيجار حلول بديلة و إن كانت مؤقتة، أحاول جاهدة الالتقاء مع أكبر عدد مكن من هؤلاء الأطفال و دراسة الحالات بشكل منفصل لتنظيم دراسة ميدانية عن الأسباب و العوامل التي ساهمت باقتناعهم بالفكر المتطرف و الطريقة الأفضل للتجاوب، كما أنني أحاول مع عدد من الزملاء صياغة منهاج بسيط مؤقت لهؤلاء الأطفال مبني على الوسطية و الشرح الصحيح للأحاديث و الآيات التي استند عليها المتطرفون، أو المناهج التي اعتمدت عليها جماعات أخرى مثل ميلشيا قسد، بعد الانتهاء من هذا المنهاج اتفقنا مع عدد من المعلمين على وضعه كمنهاج تجريبي لمدة معينة لدراسة آثاره”.
وتحدثت كريستيان كليرسي، رئيسة جامعة “ديدرو” الفرنسية و ضمن فعاليات منتدى قامت الجامعة بتنظيمه بعنوان “التطرف الديني وسبل التصدي له” قالت أن التطرّف الديني ليس شيئاً جديداً في المجتمعات الغربية، بل يعود إلى قرون، مشيرةً إلى أن أوروبا عرفت في الماضي مشاكل تتعلق بالتطرف الديني، وأضافت أن الجامعات الفرنسية بإمكانها أن تلعب دوراً محورياً في معالجة هذه المعضلة، من خلال قيامها بدراسات حول معنى وأسباب التطرّف الديني. واقترحت الرئيسة “بناء جسور بين الجامعات الفرنسية والسجون التي تحول بعضها حسب رأيها إلى أماكن للتطرف الديني والعنف”.
و قد بدأ العديد من الدول الأوربية بتنظيم برامج تعليمية للمكافحة و الوقاية من التطرف، مثل الحكومة الألمانية التي أعلنت عزمها تخصيص مبلغ 116 مليون يورو في ميزانيتها، لبرامج تهدف إلى دعم مشاريع لوقاية الشباب من التطرف الديني، وقالت كاترينا بارلي وزيرة الأسرة الألمانية إن كل يورو ينفق في الوقاية من التطرف يمثل استثماراً جيداً وسيؤدي إلى تحسين الوضع الأمني، و أضافت أنه ليس مسموحاً الانتظار حتى يتطرف الشباب، لأن تحركنا بعد ذلك سيكون متأخراً جداً لذلك علينا العمل مبكراً وعلى نطاق واسع لتفعيل برامج الوقاية للشباب المهدد بالتطرف في مدارسهم وعلى الإنترنت وفي السجون.
إن استخدام الشدة في التعامل مع أثار التطرف لن يؤتي بنتائج جيدة، بل سيكون المغذي الذي يسقي بذور التطرف ويساعدها على النمو، على عكس التعليم الذي يخلق مناعة ذاتية فكرية لدى الإنسان تساعده على صد جميع الافكار المتطرفة التي يحاول متطرفون مختلفون نشرها في المجتمع، خصوصاً أننا نخوض الآن حرباً فكرية وليس عسكرية فقط ضد التطرف وجنوده، فإن لم نُحصن العقول ونمنحها الفرصة لمحاربة الأفكار بالأفكار، سنكون قد عملنا على توليد تطرف مضاد يشابه التطرف الذي نسعى للقضاء عليه.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.