صوت وصورة

مع انتشار المجموعات المتطرفة في كثير من دول العالم، طورت هذه المجموعات من أساليب التجنيد للوصول إلى أكبر عدد ممكن، وبرز دور المرأة لديهم بشكل أكبر، حيث كانت المرأة في هذه التنظيمات ذات أدوار رئيسية في القيادة والقتال ونشر التطرف والعمل على تجنيد الأخريات، وعملن جنباً إلى جنب مع الرجال، وقاموا بتربية أطفالهم أيضاً على التطرف.
العديد من النساء كان لهنّ أدوار مؤثرة في التنظيمات المتطرفة، مثل السعودية “أم الرباب” أو هيلة القصير؛ الملقبة بـ”سيدة القاعدة”، والتي جمعت ملايين الدولارات لتمويل تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، ثم تراجعت عن أفكارها وانتمائها للتنظيم، حسب وسائل الإعلام بعد القبض عليها، و السعودية “أم هاجر” وفاء الشهري، الملقبة “بشاعرة داعش” أو “أحلام النصر” والتي ارتبطت عام 2014 بقيادي في تنظيم داعش هو أبو أسامة الغريب، إلى العراقية ساجدة الريشاوي التي حاولت تفجير فندق في العاصمة الأردنية عمان، ثم أُعدمت في الأردن عام 2014 بعد القبض عليها وغيرهن كثيرات برزت أسماءهم ضمن المجموعات الإرهابية.
وتذكر الكاتبة منية العرفاوي في كتابها “النساء والإرهاب” أن النساء في تنظيم أنصار الشريعة المتطرف والذي بايع تنظيم داعش، ينقسمن إلى ثلاث فئات، الأولى: زوجات أُرغِمْنَ دون اختيار على الخضوع والتسليم لأزواجهن القياديين في التنظيم، والثانية: هُنّ المقتنعات بالفكر المتطرف ممن سعين للانتماء للتنظيم، ونشر أفكاره، مثل أسماء البخاري زعيمة مجموعة “شباو” الإرهابية في تونس، التي نسيت مشاعر الأمومة، وجازفت بحياة طفليها، ورفضت الاستسلام وتبادلت إطلاق النار مع قوات الأمن، ولم تكتفِ بذلك (حسب العرفاوي)، بل كفّرت زوجها وقائد المجموعة، وأصرت على القتال إلى آخر رصاصة. أما الفئة الثالثة: فهن المتعاطفات والمتحمسات للتنظيم وأفكاره، وهؤلاء يمكن أن يساعدن المتطرفين ويقمن بالتستر عليهم ويمكن أن ينضموا لصفوف المقاتلات في التنظيمات المتطرفة”.
وحسب الدراسة التي أجرتها الكاتبة، فتتراوح أعمار المنتميات من النساء لتنظيم أنصار الشريعة بين 16 و35 سنة، ولاحظت الدراسة أن 90% ممن شملتهم العينة من النساء المهاجرات لتنظيم داعش وغيره كانت العاطفة وابتزاز المشاعر حافزاً رئيساً لهم، ولم يركزن أو يسألن أو يتساءلن عن تأصيل شرعي أو ما شابه، وهنا نذكر بحالة شبيهة ظهرت بعد ظهور الكتاب وهو حالة الفتاة الألمانية ليندا وينسل ذات الستة عشر عاماً، التي عُرِفَت بـ”حسناء داعش”، وتم القبض عليها بعد تحرير الموصل في العراق.
وكانت ليندا قد تعرفت على فتاة أردنية في ألمانيا تدعى فاطمة، ، التي بدورها عرفتها على شيخ في ألمانيا يدعى “أبو خالد” إمام مسجد في مدينة بولستنيز جنوب ألمانيا، الذي أخبرها أنه لا يستطيع اللقاء بها كثيراً لصعوبة الاختلاء معاً بحجة أنها امرأة، لكنه أعطاها بعض الكتب باللغة الألمانية عن الإسلام، فيما تولت فاطمة تعريفها وإشراكها في عدد من المنتديات الجهادية، وأضافت ليندا أنها اكتشفت فيما بعد أن أبو خالد لم يكن يلتقيها لأسباب أمنية، ولكونه مراقباً من أجهزة الأمن الألمانية.
وقالت ليندا إنها تعرفت عبر المنتديات الجهادية على شخص يدعى محمد ويكنى بـ”أبو أسامة الشيشاني”، الذي أقنعها بالانضمام إلى تنظيم داعش، والسفر إلى “أرض الخلافة” واعداً إياها بالزواج.
بدأ الفكر المتطرف يبدو واضحاً على الفتاة، ما جعل مدرستها ترسل بريداً إلكترونياً إلى أمها تعلمها بتلك التغيرات المريبة، وما إن علمت أم ليندا بالأمر حتى انهالت عليها ضرباً وصراخاً، بحسب قولها، وهكذا بدأت تتدهور العلاقة التي لم تكن على خير ما يرام أصلاً بينهما.
بعد تأزم الأمور مع عائلتها، أخبرت ليندا أبو أسامة الشيشاني بالأمر، فأعطاها التعليمات والتوجيهات من أجل السفر إلى تركيا حيث سيلتقيها هناك، وبعد تزوير إمضاء أمها، حسب قولها سافرت إلى تركيا، وتواصلت مع الشيشاني، فأخبرها أنه اضطر للسفر إلى سوريا، فعقدا قرانهما عبر الهاتف.
وبعد القران الهاتفي طلب منها الشيشاني الانتقال إلى الحدود التركية السورية، حيث وجدت مجموعة من الشيشانيين اللذين نقلوها مشياً على الأقدام، لمدة 3 ساعات عبر طرق تهريب غير شرعية، إلى مدينة الرقة السورية ومن ثم انتقلت إلى مدينة الموصل العراقية.
لم تكن ليندا وينسل الفتاة الوحيدة التي تنظم لداعش، فالتنظيم قد أجاز “جهاد” النساء بالمال والجسد، فهاجرت مئات النساء نحو التنظيم، وبلغن حسب تقارير دولية 1000 امرأة أغلبهن من الأجنبيات توزعن على عدد من الكتائب، مثل كتيبة “الخنساء” التي كانت من أشهر كتائب داعش و أشرسها إضافة لعدد من السرايا، مثل سرية “أم محمد” التي كانت تقودها باكستانية تسمى أقصى محمد، إلى جانب سرية “أم مقداد” التي تقودها سعودية، وسرية “أم الريان” التي كانت تقودها تونسية، وأغلب القيادات النسائية تزوجن من قادة عسكريين في داعش.
وتصف آمال السعيد من محافظة الرقة نساء داعش بالمتوحشات اللواتي حولن حياة النساء في المدينة إلى جحيم، وتضيف آمال: “لا يوجد فرق بين معاملة النساء والرجال المنتمين لتنظيم داعش، كلاهما كان يمارس إجرامه على المدنيين، وكنا نحاول تجنبهم بأي وسيلة ممكنة”.
وتختلف الدوافع لانضمام النساء إلى تنظيم داعش، فهاجر المنشقة عن كتيبة الخنساء تبرر انتسابها إلى التنظيم؛ من أجل التغطية على ماضيها، وتبلغ هاجر 25عاماً، وكانت تعمل سابقاً راقصة في أحد أماكن السهر العامة، وتضيف هاجر: ” انتسبتُ إلى كتيبة الخنساء في 7/2/2014، أي بعد خمسة أيام من تشكيلها، كان انتسابي عن طريق أم ريان التي تعد المرأة الأقوى في التنظيم بذلك الوقت، و قد عرَّفتني عليها جارتي “أم إسلام الجزراوية”، زوجة سعودي شرعي لدى تنظيم داعش في الرقة”.
وأم ريان هي مهاجرة تونسية جاءت مع عائلتها من العراق بعد أن زوّجت ابنتيها إلى قياديين في التنظيم، وهما من زكيّاها لتشكيل كتيبة الخنساء بالرقة وهي أول كتيبة نسائية في مناطق سيطرة تنظيم داعش.
وتتابع هاجر حديثها فتقول: ” كنت ضمن مجموعة مؤلفة من 35 امرأة، ثلاث نساء سوريات، والبقية من جنسيات مختلفة، كانت المهمة المعلنة لكتيبة الخنساء بداية تشكلها؛ تفتيش النساء في الشوارع والمحلات، ومن أجل إزالة العقبات التي تواجه التنظيم أثناء اعتقال أو محاسبة النساء اللواتي يخطئن ويخالفن الشريعة الإسلامية، ولكن هذا ما هو إلا جزء من الحقيقة، وتتمتها هو تأمين مجاهدات للتنظيم، تتراوح أعمارهن بين 18 و25 سنة، وهو الشرط الأساسي، وباقي الشروط يمكن مناقشتها لاحقاً مع المنتسبة”.
وعملت النساء في التنظيم المتطرف داعش على إغلاق المدارس ومضايقة الطالبات ومحاولة زرع الكره للدراسة من أجل لزواج بالمقاتلين الأجانب أو الانضمام لصفوف المقاتلات المتطرفات، حيث تحدثت هاجر عن هذه النقطة بشكل مفصل فقالت: ” في بداية شهر آذار 2014، بدأت حملات إغلاق مدارس الفتيات بمداهمة مدرستي حميدة الطاهر وعبد الهادي الكاظم الثانويتين للبنات، دخلنا المدرستين على شكل اقتحام لبثّ أكبر كمية من الرعب في قلوب الفتيات، كانت أم ريان وكوثر الحمصية هما رأس الحربة في الاقتحام، وكانتا تصرخان بالفتيات بعبارات قاسية “.
وتتابع هاجر حديثها: “اعتقلنا عشر طالبات من ثانوية حميدة الطاهر ، بتهم مختلفة تتعلق باللباس، وعندما حاولت المعلمات الدفاع عن طالباتهن، تم اعتقال معلمتين وأمينة السر، وتم جلد الفتيات من إحدى نساء داعش، أمّا المعلمات فتمت معاقبتهن بالعضّاضة -أداة تعذيب حديدية لها فكي كماشة توضع على مناطق حساسة- وعلى إثر العقوبة جرى إسعاف أمينة السر إلى المشفى”.
ومثل قوانين التنظيم العامة المطبقة على الرجال، تفرض الحسبة النسائية عقوبات على النساء، مثل المعسكر الشرعي، أو الغرامة المالية التي تبدأ من عشرة آلاف ليرة سورية وتصل إلى مائة ألف، إضافة إلى الجلد، وتعنيفها بواسطة العضاضة، وصولاً إلى السجن، ويتم توزيع نساء الحسبة على السجون لمراقبة السجينات حيث يفرضن أيضا العقوبات على كل من تخالف التعليمات. ولا يسلم أزواج نساء الحسبة بدورهم من المراقبة؛ إذ ضمن المهام الموكلة إليهن أيضا، مراقبة أزواجهن المقاتلين في التنظيم، ومن ثم نقل المعلومات للمكتب الأمني.
ولا تقتصر مهام النساء لدى داعش على المراقبة والعقاب، بل تتعداها إلى دور “الخطّابات”، إذ يبحثن عن زوجات لعناصر وقادة التنظيم، ويصل الأمر في أحيان كثيرة إلى تزويج الفتيات بالقوة تحت التهديد، وهو ما يشير إليه محمد الحقبي، أحد النشطاء من مدينة الرقة، مؤكداً تسجيل حالات انتحار لفتيات تعرضن لضغوط لإجبارهن على الزواج، وقد تكون الزوجة الثانية أو الثالثة، كما أن عدم القبول يعرض الفتاة إلى حملات تشهير، وكانت كتيبة الخنساء قد أصدرت سابقاً تعميماً يطلب من الفتاة التي تريد الزواج ارتداء غطاء أبيض اللون على وجهها تحت الغطاء الأسود، يدل على رغبتها في الارتباط.
وتشير الباحثة ميرفت عبد الرحمن في أطروحة ماجستير بجامعة نايف للعلوم الأمنية في المملكة العربية السعودية، إلى أنه أصبح تجنيد المرأة في الجماعات المتطرفة من أهم استراتيجيات التنظيمات والجماعات الإرهابية، وترى الباحثة أن إغراق المرأة فكرياً يعمل على نشر التطرف العنيف بين أبناء أسرتها والمجتمع المحيط بها، وهذا ما تقوم به التنظيمات المتطرفة عن طريق النساء المتطرفات اللواتي يأخذن أدواراً هامة في تلك التنظيمات.
تغيرت قواعد المجموعات المتطرفة في السنوات العشر الأخيرة نتيجة انتشارها في مجتمعات مختلفة وعلى بقع جغرافية واسعة حول العالم، محاولين بهذا التغيير التكيف مع الظروف المحيطة وإغناء المخزون البشري لديهم، ففي الوقت الذي بدأت به المجموعات المتطرفة في ثمانينيات القرن الماضي واعتمدت على الذكور فقط، باتت هذه التنظيمات اليوم تشرك الإناث ضمن تشكيلاتها وتوكل إليهم المهام، ليخرج التطرف من دائرة الجنس الذكري ويتحول إلى فكر متنقل يتشاركه النساء والرجال ضمن هذه التنظيمات.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.