صوت وصورة

لم يكن تنظيم داعش مُصدّراً للإرهاب وحسب, بل صَدّرَ معه كثيراً من المنتجات التي غزت الأسواق المحلية والعالمية, فالنفط والقمح والقطن والآثار كانت ضمن صادرات تنظيم داعش, والتي أوجد لها سوقاً بمناطق مختلفة عن طريق وسطاء وشركات مهدت الطريق أمام هذه البضائع وأعانته على شراء مستلزمات عسكرية, وأكسبت التنظيم قوةً اقتصاديةً سخرها في معاركه وصعّبت من مهمة القضاء عليه.
فقد نشرت وكالة رويترز تقريراً عن 51 شركة تنحدر من 20 دولة حول العالم, تشارك في سلسلة توريد المكونات التي تتحول في أيدي عناصر تنظيم داعش إلى متفجرات, وأوضح التقرير أن هذه الشركات باعت أو تلقت أكثر من 700 مكون يستخدمها التنظيم في صناعة العبوات الناسفة, وأكد التقرير على أن “التنظيم قادر على الحصول على بعض المكونات في فترة بسيطة قد تصل إلى شهر؛ بعد توريدها بشكل قانوني للشركات في المنطقة، الأمر الذي يشير إلى غياب الإشراف في حلقات هذه السلسلة”.
كما كشفت صحيفة “صنداي تايمز” البريطانية، في تقريرٍ لها، عن استخدام تنظيم داعش لشركات عاملة في مدينة كارديف جنوبي بريطانيا من أجل شحن معدات ذات طابع عسكري إلى إسبانيا وتمويل مخططات إرهابية ضد الغرب، وذكرت الصحيفة نقلاً عن وثائق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (أف. بي. آي)، أن المعدات المرسلة إلى إسبانيا، التي شهدت مقتل 14 شخصا في هجوم إرهابي تبناه داعش، شملت معدات تًستخدم في المراقبة كجزء من تطوير التنظيم المتطرف لطائرات بدون طيار قادرة على تحديد المواقع المستهدفة. وتظهر الوثائق القضائية الأميركية، التي اطلعت عليها الصحيفة أن الأشخاص الذين أسسوا الشركات في جنوب ويلز, أخفوا أنشطتهم وبرروا ذلك بأنهم في “حرب أمنية مع الكفار”.
ولم تكن السوق العالمية وحدها مرتعاً لتبادلات داعش التجارية, بل فتح التنظيم قنوات تجارية مع المناطق المحيطة به محلياً, فعقد صفقات تجارية مع النظام السوري تنص على تصدير التنظيم للنفط والغاز والقمح مقابل حصوله على الكهرباء والمواد الغذائية والسلاح أو مبالغ نقدية, كما كان لداعش تعامل تجاري مع المناطق الخاضعة لسيطرة قوات المعارضة, فكان يبيع النفط الخام لتلك المناطق ويستورد منها حاجياته مثل السيارات وقطع الغيار وبعض المنتجات الغذائية.
ويؤكد عماد السعد من محافظة ديرالزور ويعمل سائق صهريج نفط, على وجود أعراف تجارية على الطرق الواصلة بين مناطق تنظيم داعش وباقي المناطق في سورية, بغض النظر عن طبيعة العناصر المتواجدة على الحواجز, “عند إيقافنا من قبل الحواجز كنا نُعرف عن أنفسنا أننا ننقل النفط من مناطق داعش إلى المنطقة الفلانية, فبمجرد ذكر كلمة نفط ندفع للحاجز مبلغ مالي ثم يسمحون لنّا بالعبور دون أي مضايقة أو حتى تفتيش”. وأشار السعد إلى أن المبالغ المالية المدفوعة تتراوح بين النصف مليون والمليون ليرة سورية بحسب كمية الحمولة, ويتكفل المشتري بدفعها وتُدفع عدة مرات على حسب كمية الحواجز المتواجدة على الطرقات.
هذه التبادلات التجارية كانت مُرضية للأطراف المستفيدة, أما الشركات المحيطة بها فقد استاءت منها واعتبرتها شكلاً من أشكال دعم التنظيم, فاتخذت خطوات المقاطعة للمصدرين والمستوردين من مناطق داعش, وذلك حسب ما أفاد به براء الموسى أحد تجار السيارات في شمال حلب, وأضاف الموسى: “سمعت عن زبون لدي يلعب دور الوسيط لدى تنظيم داعش, فيشتري قطع الغيار من هنا ويبيعها للتنظيم في محافظة الرقة, أبلغت الزبون بإيقاف تعاملي معه بسبب تجارته مع تنظيم داعش, وبرر الأمر أن التنظيم مشتري مثله مثل أي مشتريٍ أخر”, وتابع السعد: ” للأسف الشديد استطاع الوسيط أيجاد مصدر أخر, لكن المهم بالنسبة لي أنني لم أتورط في تجارة مع تنظيم إرهابي.”
وفي حديث آخر يذكر أحمد ادريس وهو تاجر محروقات سابق كان يتواجد في الرقة أثناء سيطرة التنظيم عليها: “أن داعش كانت ترغم بعض التجار على سحب المحروقات وتوريدها إلى خارج سيطرتها لقاء مكاسب مالية، وقام التنظيم بحبسي لفترة 3 أشهر لرفضي التعامل معهم كما أنهم هددوني بالقتل إن لم أتعامل معهم, فرضخت للأمر في النهاية وتعاملت معهم”. إلا أن هذا الأمر ليس بمبرر للتعامل مع تنظيم داعش, حسب وجهة نظر فؤاد الحمود من أهالي مدينة الرقة, الذي يعمل في تجارة المواد الغذائية, وأضاف الحمود “العمل التجاري مع داعش لا يختلف عن العمل العسكري معهم, كلاهما يصبان في مصلحة التنظيم, لا يوجد أي عذرٍ لمن تعامل مع التنظيم ويجب محاكمته وتوجيه تهمة دعم الإرهاب له”.
عالمياً, كانت ردود الأفعال أكثر حزماً, فقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، فرض عقوبات تستهدف عدداً من المجموعات الداعمة لتنظيم داعش في جميع أنحاء العالم، وأدرجتهم على اللائحة الأميركية السوداء لقوائم الإرهاب، واستهدفت العقوبات 3 أشخاص و3 شركات يساعدون تنظيم داعش في جنوب شرق آسيا والشرق الأوسط وافريقيا. وكان اسكالون أبو بكر على رأس قائمة العقوبات, واعتبرته واشنطن مساهماً أساسياً في مساعدة تنظيم داعش وشبكته في الفلبين منذ كانون الثاني/يناير 2016 على الأقل، ومتهم بتقديم المال والسلاح والعتاد للتنظيم.
كما فرضت العقوبات على يونس إمري سكاريا وشركته “بروفيسيونيلر إلكترونيك” ومقرها تركيا ويشتبه أنها قدمت دعماً لوجستياً للتنظيم. وشملت العقوبات أيضاً محمد مير علي يوفوس، وشركتيه “العيبان ترايدينغ” و”المتفق كوميرشل كومباني” في الصومال بسبب دعم مجموعات تابعة لتنظيم داعش في البلد الافريقي، وتقرر تجميد ممتلكات ومصالح هؤلاء الأشخاص والشركات في الولايات المتحدة ومنع الرعايا الأميركيين من القيام بأي معاملات معهم.
وفي فرنسا طلبت منظمتان غير حكوميتين كانتا قد رفعتا قضية ضد شركة لافارج الفرنسية المتهمة بعقد صفقات تجارية مع تنظيم داعش، من القضاة أن يوجهوا إلى الشركة تهمة “التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية”. وفى مذكرة أُحيلت مؤخراً إلى القضاء الفرنسي، اعتبرت منظمتا “شيربا” و”المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان” أن لافارج اقترفت جريمة “التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية” من خلال تمويل جهاديين لتتمكن من الحفاظ على نشاط مصنعها في جلابيا شمال سوريا دون الاهتمام بأمن موظفين محليين. واعتبرت الجمعيتان في بيان مشترك أنه في هذه المرحلة من التحقيق القضائي، يبدو توجيه الاتهام لشركة لافارج بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية “أمراً حتمياً”.
ورأت الجمعيتان أن لافارج ومسؤوليها لا يمكنهم تجاهل أنهم “ساهموا” مالياً في جرائم ضد الإنسانية نسبت لتنظيم داعش “في منطقة المصنع التابع للشركة بين 2012 و2015 وفي باقي العالم”.
والتمويل البالغ قرابة 35 مليون دولار, والذى سهله وسطاء اتخذ -بحسب المحققين- كرسوم لإتاحة مرور موظفين وسلع وشراء مواد أولية بينها النفط من مزودين مقربين من تنظيم داعش. ويضاف إلى ذلك، بحسب الجمعيتين، “مصدر جديد مهم” يتمثل في “بيع الإسمنت مباشرة” لداعش. وكانت الجمعيتان مع 11 موظفاً سابقاً في الشركة، أول من تقدم بالشكوى ضد لافارج بتهمة “تمويل الإرهاب” وأيضا “التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب”.
ورغم تبرير إدارة لافارج هذا التعامل بهدف الحفاظ على حياة الموظفين فيها, إلا أن القضاء الفرنسي لم يأخذ بهذه الأسباب, معتبراً عدم وجود أي مبرر لعقد صفقات مع الإرهابيين.
وعلق سرمد الجيلاني الناشط في محاربة المجموعات المتطرفة على العقوبات الدولية ضد أفراد وشركات لهم تعاون مع تنظيم داعش قائلاً: “تمنينا أن نرى هذه العقوبات بوقت أبكر منذ ظهور التنظيم, عندها لما استطاع التنظيم الوصول إلى مرحلة القوة التي بلغها في عام 2015-2016 وسببت بمقتل آلاف المدنيين, ولن يكون هنالك معركة ضده أودت بحياة قرابة 4000 ألاف مدني في مدينة الرقة وحدها, لكن في النهاية هي خطوة جيدة لكن متأخرة, ويمكن تدارك الوضع والاستفادة من تجربة داعش بتطبيق هذه العقوبات بشكلٍ حازم على مليشيات تنتهج نهج داعش مثل مليشيا قوات سوريا الديمقراطية ومليشيات إيرانية وعراقية, لتجنيب المدنيين المعاناة حالياً”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.