صوت وصورة

ذكر المؤرخ الأمريكي نورمان نايمارك في تحليله عن الدوافع وراء الانتهاكات الجنسية السوفييتية التي طالت النساء الألمانيات عقب الحرب العالمية الثانية، أن “دعاية الكراهية التي تلقاها الجيش السوفييتي، ومعاناة الجنود في الوطن، والصورة المزعومة المهينة عن المرأة الألمانية المنتشرة في الصحافة السوفيتية، سبب اغتصابات على نطاق واسع”، كما نوه نايمارك لطبيعة السيطرة الذكورية في الثقافة الروسية و المجتمعات الآسيوية التي تشكل الاتحاد السوفييتي، كما أن الهزيمة التي لحقت بالجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى تم سدادها باغتصاب نساء العدو، وحقيقة أن الألمان كان لديهم مستوى معيشة أفضل ملحوظ حتى في الخراب قد ساهمت في تراكم عقدة النقص لدى الروس والحاجة لاستعادة الشرف، ورغبتهم بالانتقام كانت سبباً وراء اغتصاب العديد من النساء علانيةً وأمام أزواجهن قبل قتل كلٍ منهما. وتراوحت تقديرات أعداد النساء الألمانيات اللواتي تعرضن للاغتصاب على يد الجنود السوفييت إلى نحو 2 مليون امرأة، وفقاً للمؤرخ الياباني في جامعة فيرجينا وليام هتشكوك.
ولم تكن هذه التصرفات فردية من قبل الجيش الروسي، بل كانت سياسة ممنهجة اتبعتها القيادة السوفيتية لإرضاء الجنود وابتزاز العدو، فعندما قام الجنرال تسيغانكوف رئيس القسم السياسي في الجبهة الأوكرانية الأولى بإبلاغ موسكو عن الاغتصاب الهائل للنساء السوفييتيات اللاتي تم ترحيلهن إلى ألمانيا الشرقية للعمل القسري، أوصى بأن تُمنع النساء من وصف محنتهن عند عودتهن إلى روسيا. ولدى احتجاج السياسي اليوغسلافي ميلوفان دجيلاس على عمليات الاغتصاب في يوغسلافيا، أجابه قائد الاتحاد السوفييتي جوزيف ستالين “يجب عليه أن يفهم أن الجندي الذي عَبَرَ آلاف الكيلومترات وسط الدماء و النار و الموت، من حقه أن يتسلى مع امرأة لبعض الوقت”. و في مناسبةٍ أخرى، عندما قيل لستالين أن جنود الجيش الأحمر انتهكوا اللاجئات الألمانيات جنسياً، أجاب: “نحن نحاضر بجنودنا أكثر من اللازم، لندعهم يأخذوا مبادرتهم”.
فالجماعات المتطرفة على اختلاف أنوعها بين الحكومات والتنظيمات، استغلت المرأة بكل الطرق والأساليب، وحولوها لأداة ضغط لتحقيق مصالحهم منذ القدم، فكان الهدف من ذلك إخضاع النصف الأول من المجتمع للتأثير على النصف الآخر، هذه السياسة متجذرة لدى النظام السوري منذ استلام حافظ الأسد السلطة في سوريا، وأورثها لابنه بشار بجانب كرسي الحكم، فوفق تقارير توثيقية حصلت عليها منظمة صوت وصورة، تجاوز عدد النساء المعتقلات لدى النظام السوري 70 ألف امرأة منذ انطلاق الثورة السورية، تعرض 10 ألاف منهن على الأقل لاعتداءات جنسية في السجون، كما يوجد مئات الحالات التي تحدث عنها شهود عيان في مناطق ريف حمص، عن قيام قوات النظام والمليشيات المساندة له باغتصاب النساء لدى مداهمة المنازل ومن ثم قتلهم.
عمل النظام السوري على نشر تفاصيل هذه الاعتداءات على نطاق واسع في أوساط المعارضين، بغية زرع الخوف وإخبارهم ما ينتظرهم في حال الخروج ضده، كما أن النظام كان يُخضع النساء للحصول على الاعترافات من المعتقلين الذكور لديه، يتحدث أبو عامر من ريف حلب عن اعتقاله من قبل فرع الأمن الجوي على أحد الحواجز ومن ثم اقتياده للسجن، “بعد خمسة أيام من الاعتقال وجه المحقق لي عدة تهم؛ كدعم مجموعات مسلحة والخروج في مظاهرات ضد النظام، والقيام بعمليات إرهابية، ومن ثم أعطاني ورقة تؤكد اعترافي بهذا الأمر للتوقيع عليها، رفضت التوقيع فطلب المحقق من العساكر إعادتي للسجن”. يروي أبو عامر قصصاً عن طرق التعذيب التي تعرض لها في الخمسة أيام الأولى التي قضاها في السجن، من الصعق بالكهرباء والضرب المبرح وأساليب أخرى اشتهر بها النظام السوري، ويضيف أبو عامر: ” في ذلك اليوم لم اتعرض للتعذيب أبداً لكن عند المساء تم أخذي مجدداً إلى غرفة التحقيق لأجد زوجتي عارية تماماً فأخبرني المحقق أنه في حال عدم توقيعي سيغتصبها أمامي، لم أفكر أبداً سحبت الورقة ووقعت ومن ثم حاولت تغطية زوجتي بجسدي”.
ويوجد أكثر من 200 حالة مصورة وعرضت على التلفاز لشهود يروون تفاصيل مشابهة لحادثة أبو عامر داخل سجون النظام السوري، فيما رفضت ألاف النساء الإفصاح عن ظروف اعتقالهم خوفاً من طبيعة البيئة التي تعيش في محيطها وإعطاء بعض المجتمعات المتخلفة للمرأة التي تعرضت لمثل هذا النوع من التعذيب، نظرة غير إنسانية مشوبة بالتحقير والدونية. كما نجد الكثير من الأفراد في المجتمع يعاملون المرأة بدونية وبشكل واضح حتى اللواتي لم يتعرضن لانتهاكات جنسية أو اعتقال، منطلقين من عادات وتقاليد بالية ما زالت في المجتمع إلى يومنا هذا، وهم يمثلون شريحة مجتمعية متطرفة تعمل على انتقاص المرأة وتخدش كرامتها وتهضم حقوقها، وينظرون إليها نظرة احتقار ويضعونها في زاوية نكراء وموضع غير معتبر، مهملين دور المرأة كعقل وكشريك فاعل في الحياة وكإنسانه نزيهة ومستقيمة، ومركزين على الجانب الجنسي ومظهرها الخارجي فقط.
وتتحدث ناهد الشعار الناشطة في مجال توعية المرأة، من مدينة إدلب، عن دور الرجل في ضعف وعي المرأة فتقول: “إن بعض الرجل عندنا يحبون المرأة ضعيفة الذهن المثقلة بالزينة المصطنعة، ويؤثرون على طريقة تفكير المرأة ويخضعونها لرغباتهم، فبدلاً من أن تعتمد الفتاة على مرونة ذهنها وسعة ثقافتها وجمال روحها، نجدها تعتمد على كثرة ملابسها والتصنع في شعرها، وبدلاً من أن توسع آفاق فكرها بالمعرفة والعلم تلهث وراء المبهرجات، وتثقل نفسها بالجري وراء آخر صرعات الموضة في الملبوسات وألوان الطعام والمشروبات والتسوق المبالغ فيه، كان الأمر مقبولاً لو أنها تفعل ذلك من أجلها، ولكنها تحاول إرضاء الطرف الآخر”.
ويرى المختص التربوي أحمد اللبواني، أن الموروث التاريخي الحديث للعرب هو موروث مليء باستخفاف المرأة واستغلالها، رغم أن العصور الذهبية القديمة في التاريخ العربي كانت دائما ما تتسم ببروز دور المرأة بشكل كبير في كل المجالات، حتى أنها وصلت للسلطة في كثير من العصور وكانت تدير العالم، ويضيف اللبواني: “التخلف داء العصر، وبسببه تشكلت النظرة الدونية للمرأة على أنها مخلوق أضعف من الرجل، فوجدها فرصة لإبراز ذكوريته، وتعويض النقص الذي فيه، من خلال ضربها أحياناً، وإهانتها أمام الناس، أو من ناحية التطلب والتململ والاستغلال الجنسي أحياناً أخرى، وهذا صراحة ما دفع المتطرفين لاستغلال النساء، من التربية الخاطئة الناتجة عن تخلف الأهل والمجتمع المحيط والحاضن للمتطرفين”.
كما لجأت التنظيمات المتطرفة مثل تنظيم داعش وتنظيم القاعدة، إلى استخدام المرأة في عملياتها المختلفة بعد أن حوصرت أمنياً وإعلامياً وتم مراقبتها والتضييق على نشاطاتها، حيث أدركت هذه التنظيمات أن المرأة لن تجذب الانتباه كما يجذبه الرجل لأن العنف والتطرف والترويج للكراهية هي صفات بعيدة عن طبيعة المرأة التي تكوّن وجدانها من الحنان والعاطفة، في كثير من الأحيان تم استخدامها للترويج للفكر الإرهابي في محيطها وبين أقاربها وأهلها وزميلاتها في العمل بين الأهل والأقارب والجيران وزميلات العمل، وإذا كانت امرأة ناشطة على الانترنت فيتم توجيهها لتبث فكر الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي وتستخدم خبرتها واطلاعها في الدعاية لأفكار منظميها.
الباحثة التونسية د. بدرة قعلول رئيسة المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية والأمنية والعسكرية وأستاذة علم الاجتماع، تحدثت في مشاركتها في مؤتمر “صناعة التطرف قراءة في تدابير المواجهة” الذي عقد بمكتبة الإسكندرية في مصر عن الانخراط النسائي وتوسعه في السنوات الأخيرة في صفوف المتطرفين، حيث أكدت قعلول أن ظاهرة النساء الجهاديات بدأت من أفريقيا وتكثفت في الشرق الأوسط، وأن استقطاب النساء أصبح استراتيجية لبناء مستقبل للمجتمع الإرهابي وكذلك لتنفيذ العمليات الإرهابية، وأضافت الباحثة: “إن المرأة المنتمية إلى هذه الجماعات ساهمت في تقديم خدمة كبرى، هي جمع الأموال واستغلال سذاجة بعض النساء وحبهن لأعمال الخير، خاصة إذا كانت الأموال ستقدم إلى يتيم أو أرملة أو صاحب ضائقة مالية، أما الفكرة التي يتم من خلالها استدراج المرأة في الأعمال المتطرفة غير الثواب والأجر، فهي التكفير عن الذنوب وجعل هذه المساهمات التي تقدمها للحركات الإرهابية هي الطريق إلى محو الذنوب والفوز بالآخرة، وهذا ما يعبر عنه بالدمغجة الدينية، ذلك أن أغلب المجندات في الجماعات الإرهابية نشأن في بيئة سلفية وتم توظيفهن تحت التهديد وغسيل الدماغ، والكثيرات منهن زوجات لعناصر في التنظيم بتشجيع من الأب أو الأخ المتعــاطف مع الفكر التكفيري.”
وكان اخضاع التنظيمات المتطرفة للنساء استغلال ممنهجاً ومنظماً لخدمة التنظيم ككل، ضمن جماعات نسائية وكتائب تهتم بتجنيد المزيد من النساء، وتشرف على المختطفات، وتقاتل في المعارك أيضاً، فلم يوفروا أية فرصة للاستفادة من المرأة في تكوينه.
إن استغلال النساء هو نوعٌ من أنواع التطرف الفكري الذي ينتج عن التطرف العنيف، والنظرة الدونية من قبل حملة هذا الفكر للنساء تُخلق أجيالاً مريضة مهيأة لمزيد من التطرف والإرهاب في المجتمع، وعلى مر العصور كان استغلال النساء واستخدامهم كورقة ضغط ناتج عن اعتبار المجتمع للنساء كجسد فقط مجرداً من الأفكار والعواطف، فلو كان هنالك النظرة المتساوية بين الذكر والأنثى لما استطاعت الحكومات المتطرفة ولا الجماعات زج النساء في حربٍ قذرة تهدف لتحقيق مصالحهم على حساب اخضاع النساء.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.