صوت وصورة

إن فهم أبعاد التطرف والعنف اللذين يؤديان إلى الإرهاب هو الأساس لوضع استراتيجيات فعالة لمنع ومكافحة الإرهاب، وترتبط هذه الأبعاد باعتبارات تاريخية وسياسية واقتصادية واجتماعية ونفسية، فالتطرف العنيف تجاوز جميع الحدود حتى وصل الى مرحلة استهداف النساء في المجتمعات المختلفة، بغرض تجنيدهن لخدمة مشروعاتهم التوسعية.
فاستهدفت المجموعات المتطرفة النساء باعتبارهم العمود الأساسي والمؤثر الرئيس في العائلة من أجل للتأثير على أفكارهن كمرحلة أولى ومن ثم الوصول الى العائلة بأكملها والسيطرة عليها لاحقاً. ولم تعد ظاهرة تطرف النساء أمراً مستغرباً، فالتنظيمات المتطرفة من أمثال جبهة النصرة وتنظيم داعش ومليشيا قسد، تضم آلاف النساء اللواتي يشاركن في العمليات الإرهابية، ويحملن الفكر المتطرف ويروجون له.
لكن مع ازدياد أعداد النساء المتطرفات، ظهر على الجانب الآخر نساءٌ حملن مسؤولية مواجهة هذا التطرف، كونهم جزء أساسي من المجتمع، مستغلين قنوات العمل التي يرتادونها، بنشر الفكر الصحيح، فقد لعبت النسوة في الشمال السوري دوراً مهماً بمنع نشر الفكر المتطرف الذي جاءت التنظيمات المتطرفة مثل داعش والنصرة، وعملن على توعية النساء من حولهم بخطورة هذه الجماعات، كحال الناشطة في حقوق المرأة هدى حسني، التي اقامت معهداً لتوعية النساء من خطر التطرف، وبمساعدة بعض المنظمات المحلية استطاعت إقامة دورات توعية وجلسات استشارية مع عدد من المتطوعات لمحاربة هذا الفكر الدخيل على المجتمع السوري الرافض له، وذكرت الناشطة انها “استطاعت بالحوار والأدلة وبمساعدة استشاريين من تصحيح المفاهيم لدى بعض من النساء الذين قدموا إلى الشمال السوري من مناطق تنظيم داعش، وإعادتهم إلى الفكر الصحيح وتوعيتهم ومساعدتهم على الانخراط مجدداً ضمن مجتمع ينبذ التطرف بكافة اشكاله”.
وأضافت هدى: “كوننا نساء فهذا الأمر يمنحنا ميزة فهم نفسية النسوة أكثر، ومقدرة أكبر بالوصول إليهم والتأثير عليهم، ولا نستهدف في عملنا النساء فحسب، بل يمتد الأمر لإنقاذ أطفالهم أيضاً من الوقوع في شباك التطرف”.
ولم تعمل المرأة على مقاومة التنظيمات المتطرفة ذات التوجه الديني فحسب، بل عملت ضد جميع أشكال التطرف الذي يستغل المرأة ويدمر المجتمع وينشر أفكار الكراهية فيه، فحسب الناشطة المدنية روجين عيسى من مدينة عفرين فإن “التطرف واحد بغض النظر عن مرجعيته وأهدافه”، وتعمل روجين برفقة عدد من الشابات على مجابهة حملة تجنيد الفتيات التي تنتهجها مليشيا واي بي جي المكون الأكبر لمليشيا قوات سوريا الديمقراطية “قسد” وأحد أذرع حزب العمال الكردستاني المصنف على قوائم الإرهاب، وتقول روجين: “رغم وجود شعارات حماية المرأة والدفاع عنها ضمن مليشيا قسد، إلا أن المرأة بالنسبة لهم سلعة يتم تداولها بغرض التأثير على الرأي العالمي، فالمليشيا تُجند الفتيات القاصرات وترسلهم إلى جبهات القتال، وكثيرةٌ هي الحالات التي أجرت بها المليشيا عمليات نزع الرحم لدى الفتيات من أجل منعهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية”. وتضيف روجين: “أعمل برفقة عدد من المتطوعات في مناطق سيطرة مليشيا قسد سراً، نتواصل مع العوائل والفتيات ونحاول إقناعهم بخطورة الانضمام للمليشيا وضرورة عدم الانخداع بالشعارات التي تتبناها المليشيا، وكثيرٌ من الفتيات اللواتي أردن الانضمام لقسد، أصبحن اليوم متطوعات معنا”.
تحظى التجمعات النسائية الشعبية بمكانة هامة لدى المجتمع، حيث إن هذه التجمعات تمثل الرأي العام الشعبي وهي لسان حال المجتمع، فهي الأم والأخت والزوجة والأبنة، ولها تأثيرٌ كبيرٌ على كلا الجنسين، لذا يُعد دعم هذه التجمعات أحد أهم الاستراتيجيات في التوجه بالمجتمعات نحو الوسطية والبعد به عن التطرف باعتبار المرأة هي أول موجه للفرد وأول مدعَّم له بصفات السماحة وأول محصَّن له ضد التشدد والإرهاب، وتمكين هذه التجمعات سيؤدى إلى إفساح المجال أمام النساء المصلحات لتوصيل رسائلهن لشرائح المجتمع المختلفة ، والقضاء على كل كل فكرٍ متعصب لدى النساء والرجال، ومنع ظهوره مجدداً.
ومما يساعد في وضع المرأة على الطريق الصحيح في محاربة الإرهاب قيام مؤسسات المجتمع المدني بتنظيم ورش عمل ودورات تدريبية من شأنها تقديم التثقيف للنساء، ومن ثَم إبراز تاريخهن الثقافي ونشر فكر التسامح وقبول الاختلاف مع الآخر وتوضيح فكرة التعددية في المجتمع الواحد، مالم يكن الآخر شريكاً في الإجرام.
ويقع على عاتق الدول المعنية بالشأن السوري، توعية المرأة والأسرة بالأخطار المحيطة وذلك من خلال تكثيف البرامج التثقيفية في المجتمعات النسائية، وإنشاء خطاب دعوي مناسب للمجتمعات النسائية، وتفعيل مشاركة المرأة في المؤسسات الاجتماعية، ودورات مكثفة تدريبية على أسس الوسطية والشخصية المتوازنة للمعلمات والمربيات، والقضاء على الأمية بين النساء وذلك بتعليمهن القراءة والكتابة والتي تعتبر الخطوة الاولى لرفع المستوى الثقافي للمرأة وزيادة وعيها لتكون فاعلة في بناء المجتمع وتطوره، والمشاركة الفعالة للمرأة بالأنشطة الثقافية والفنية وذلك بتشجيعها بكتابة الشعر والقصة والمسرحية وتسهيل نشر نتاجها الادبي وإقامة الدراسات النقدية لتطويره وتشجيع المرأة على المشاركة الفاعلة في الانشطة الفنية كالموسيقى والمسرح والفنون التشكيلية المختلفة كالرسم والنحت والزخرفة وحسب قابليتها، من أجل استغلال الطاقة بما ينفع المجتمع.
كما يجب اشراك النساء في مكافحة ممارسات التطرف والإرهاب وذلك من خلال دمجهم في تطوير مبادرات هادفة لإيجاد تأثير إيجابي في مجتمعاتهم تقوم على النهج الحقوقي وترسيخ ثقافة الأمن والسلام، وتوظيف تكنولوجيا المعلومات والاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية في مجال تمكين النساء وإحداث التغيير الاجتماعي عموماً، وفي حملات التوعية وكسب التأييد والدفاع عن حقوق النساء والفتيات في الأسرة والمجتمع ومواجهة التطرف والإرهاب بشكل خاص.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.