صوت وصورة

مع بداية الثورة السورية وملاحقة الأجهزة الأمنية للطلبة المشاركين في الحراك السلمي، واعتقال الآلاف منهم، اضطر كثيرٌ من الطلبة على ترك دراستهم والتخفي عن الأنظار أو الهروب إلى المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، للمشاركة في العمل المدني والحراك الثوري هناك، مما أجبرهم على الانقطاع عن عمليتهم التعليمية، كما أن العديد منهم تعرض لاحقاً للحصار من قبل قوات النظام في مناطق عدة من حمص وريف دمشق، الأمر الذي جعل من المستحيل متابعة التعليم في ظل الحصار الذي عاشوه. لكن ومع توفر الأنترنت في العديد من المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وانفتاح المناطق المحاصرة والمناطق المحررة على العالم المحيط بشكل كبير، كان هناك بعض الخيارات التي مكنت الطالب من التفكير في استكمال حلمه ومحاولة متابعة التحصيل العلمي، فكان التبادل والتعليم الافتراضي أحد الحلول المطروحة.
ويتمثل التبادل الافتراضي باستخدام الانترنت للتواصل بين الأفراد والجماعات الصغيرة ما بين البلدان؛ والاستناد إلى منهج دراسي؛ والتواصل المستمر، ويمكن أن يؤدي التبادل الافتراضي إلى بناء مهارات عملية وتوسيع قدرة الشباب على التواصل مع أشخاص من خلفيات مختلفة. وتُعد برامج التبادل الافتراضي كبرامج تعليمية تستخدم المنصات الرقمية لإتاحة تعليم اجتماعي تفاعلي معمق، يستخدمها الطلبة فيما بينهم للتواصل. ويعني التعليم الافتراضي أن المؤسسة التعليمية بما فيها من محتوى وصفوف ومكتبات وأساتذة وطلاب وتجمعات، يشكلون قيمة حقيقية موجودة فعلاً لكن التواصل بينهم يكون من خلال شبكة الإنترنت، حيث يمكن أن يتألف الصف الافتراضي من طلبة واساتذة موزعين حول العالم، ويحضرون لهم ويتفاعلون معهم ، إما مباشرة بشكل فوري أو من خلال الخادم التقني الخاص بالمؤسسة، متحررين من حاجزي المكان والزمان.
مشروع “صوتي مدرستي” الذي تأسس عام 2014، بالتشارك بي منظمة الأونروا مع شركة ديجيتال إكسبلورر المتخصصة في التعليم الافتراضي، يُعد أبرز برامج التبادل الافتراضي في الشرق الأوسط، إذ عمل المشروع على إشراك أكثر من 900 طالب وطالبة من المرحلتين الأساسية والمتوسطة، كما تعمل الأونروا على تطوير مجموعة جديدة من الموارد لزيادة العدد، وتقول الدكتورة كارولين بونتيفراكت مدير دائرة التربية والتعليم في الأونروا: “إننا بحاجة إلى الاستماع أكثر، بحاجة لإشراك الأطفال والشباب بحيث يتم سماع أصواتهم وهمومهم”. وتضيف بونتيفراكت : “إن انخراط الطلبة يعد عنصراً رئيساً في نهج الأونروا نحو التعليم النوعي، سواء أكان ذلك في الأوقات العادية أم في أوقات الطوارئ”.
في موسم الخريف من كل عام، يقوم طلبة من 15 مدرسة في سوريا وغزة وبلجيكا والمملكة المتحدة والنرويج بالاتصال ببعضهم البعض من خلال مشروع التبادل الافتراضي “صوتي مدرستي”، وعلى مدار 12 أسبوعاً، سيقوم طلبة الأونروا بالتواصل مع المدارس المشاركة من أجل استكشاف أهمية وأثر التعليم وتطوير مشروع كسب تأييد طلابي لاقتراح كيف يمكن تحسين التعليم لكافة الشباب.
إن مشروع صوتي مدرستي ومشروعات كسب التأييد التي يقوم الطلبة بتطويرها في غرفهم الصفية تعكس الهدف الرابع من أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة “التعليم النوعي” وتدعم الطلبة للحديث من أجل حق كل طفل في الحصول على تعليم نوعي مهما كان موقعه، وخلال المشروع، ستلتقي الغرفتان الصفيتان في كلا الموقعين عبر الارتباط الفيديوي من خلال الأنترنت ثلاث مرات لتبادل الأفكار والمشروعات الطلابية فيما سيتم التقاط الصور ولقطات الفيديو للمناقشات وذلك من أجل إيصال هذه الأصوات للجمهور الواسع عبر الصحافة ووسائل التواصل المجتمعي.
على المستوى المحلي، أطلق مجموعة من الطلبة الجامعيين حملة “أحلام محاصرة” وهي حملة لدعم طلاب الغوطة في ريف دمشق لاستكمال تعليمهم الذي يحلمون به، حيث أدى الحصار المفروض على الغوطة لمدة 5 أعوام؛ لانقطاع الطلاب عن التعليم، يقول القائمين على الحملة: “نحن نحاول النهوض من جديد على الرغم من أننا فقدنا الكثير من المقومات، والكثير من الوقت، لا زلنا نرغب بالعودة إلى دراستنا والسعي لتحقيق أحلامنا. إن كنت ترغب بمناصرتنا ومساعدتنا للوصول لهذا الهدف، هذه قائمة بخمسة أشياء تستطيع فعلها”. ويطلب القائمون على الحملة ممن يستطيع المساعدة حول العالم؛ من السوريين أو المتعاطفين معهم بالمطالبة بمقعد في أي جامعة حول العالم، فالعديد من الجامعات لديها منح ومقاعد للطلبة في مناطق النزاع، والمساهمة في إيجاد مراكز رسمية للتسجل على المنح يتم افتتاحها من قبل الجامعات حول العالم في الشمال السوري، كما شجع القائمون على الحملة، الجميع للتطوع معهم عن طريق مساعدتهم للتحضير للامتحانات المطلوبة لدخول الجامعة والمساعدة في تدريس اللغة من أجل التحضير لامتحانات اللغة، إضافة لمساعدة الطلبة بتصحيح طلبات الدخول الجامعي. ويطلب القائمون على الحملة من الطلبة في الخارج اخبارهم عن المنح والفرص في كل الجامعات خارج سوريا، كما يرغبون من الجميع؛ المساعدة في مشاركة الحملة للوصول إلى كل من يستطيع المساعدة.
واستطاع بعض السوريين الذين اجبرتهم الظروف على إيقاف دراستهم من اكمالها في الجامعات الافتراضية وكان لهم تجربة في هذا الباب، حيث أن كثيراً منهم بات ينصح اصدقاءه وأقاربه لخوض هذه التجربة لما فيها من فائدة، وتقول تسنيم صافي وهي طالبة سوريا من حمص لم تساعدها الظروف على إتمام الدراسة الجامعية بعد أن أتمت دراستها الثانوية : “فقدت الأمل من أن إتمام دراستي الجامعية بسبب القمع الممارس من قبل النظام السوري وخوفي من الاعتقال بسبب مشاركتي في المظاهرات السلمية، فنزحت مع عائلتي إلى محافظة إدلب حيث لم يكن هناك أي فرصة لحصولي على مقعد جامعي”، وتضيف تسنيم: “تواصلت معي صديقة تُقيم في النمسا وطرحت علي فكرة الدراسة في جامعة افتراضية عن طريق الانترنت، بدأت بالبحث عن الجامعات الافتراضية التي تقدم منحاً للسوريين، وعثرت على واحدة، وأنا الآن في السنة الثانية من إدارة الاعمال وأُكمل مسيرتي التعليمية بفضل التعليم الافتراضي وبفضل صديقتي أيضاً التي شجعتني لخوض هذه التجربة”.
عزز التبادل الافتراضي بين بعض من الطلاب السوريين مع نظرائهم في البلدان الأخرى، مهارات الطرفين وأغناهم بمعلومات لم يكن ليحصلوا عليها عن طريق التعليم التقليدي، لكن لا يزال الآلاف الطلبة المنقطعين عن دراستهم في سوريا بحاجة للمساعدة، والتبادل الافتراضي، وفتح قنوات التواصل مع الجامعات والأكاديميين خارج سوريا، لذا يجب العمل بشكل أكبر لتوسيع هذه البرامج والسعي لنشرها وفتح المجال امام الطلاب لتجربة هذه الطريقة بالتعليم واشراك التكنولوجيا في مجالات أخرى من الحياة، وفتح الأبواب المغلقة أمامهم، وتشجيعهم للمبادرة في البحث أولاً، وإيصالهم مع الراغبين بمساعدتهم حول العالم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.