صوت وصورة

أصدر تنظيم داعش في نهاية شهر نوفمبر\ تشرين الثاني من عام 2016 إصداراً مرئياً بعنوان “عليك بهم أيها الموحد” داعياً من خلاله لقتال الغرب و “بلاد الكفر” كما وصفهم عناصر التنظيم في سياق الفيديو. وبدأ الفيديو بلقطات تظهر قصف التحالف لمناطق سيطرة تنظيم داعش، ليدعي عنصر التنظيم أنها حرباً ضد الإسلام لا ضد التنظيم، ثم لعب التنظيم –من خلال الفيديو- على مظلومية المسلمين في العالم محرضا أتباعه على تنفيذ عمليات انتقامية ضد من أسماهم الكفار عن طريق السلاح الأبيض، الذي يحقق النصر على الكفار و أتباعهم. وظهر في الفيديو الذي استمر لمدة نصف ساعة عنصراً من التنظيم يطالب أنصار التنظيم باستهداف “الكفار” حتى وإن كانوا من المدنيين، صغاراً أو كباراً، فبفعلهم هذا يأتي النصر للإسلام.
لم يكن هذا الإصدار هو الوحيد من نوعه الذي عمل داعش من خلاله على شيطنة جميع معتنقي الديانات الأخرى وإظهارهم بمظهر العدو المتربص بالمسلمين، مدعياً أنه حامي المسلمين من شرور الديانات الأخرى، متناسياً أن التنظيم ذاته كان سبباً بمقتل الآلاف من المسلمين وتهجير عشرات الآلاف منهم هرباً من بطشه وإجرامه فعن أي كفار يتحدث التنظيم؟
يجب محمد عدنان الطالب الجامعي من محافظة الرقة عن هذا السؤال بقوله: ” في شريعتنا الإسلامية يتم تعريف المسلم بأنه من سلم المسلمون من لسانه ويده، فهل سلمنّا من أذى تنظيم داعش؟ بالطبع لا” ويتابع محمد: “لفظة الكفار كانت وليدة مع تنظيم داعش، فخلال دراستي الجامعي كان معي زملاء من مذاهب وديانات مختلفة، وحتى خارج الجامعة كان هنالك العديد من العوائل المسيحية في المدينة كنا نسميهم بأسمائهم لا بأسماء ديانتهم أو بإطلاق لقب الكفار عليهم”. ويروي محمد قصة جمعتهم مع أحد شبان المدينة من أبناء الديانة المسيحية قائلاً: “في أحد المرات طلب مني صديقي من الديانة المسيحية اصطحابه معي إلى المسجد، ومن باب المجاملة طلبت منه أيضاً اصطحابي إلى الكنيسة، كلاً من الشيخ والقس كان يدعو لحب الله وطاعته والتحلي بالأخلاق، عندها فهمت معنى قوله تعالى الدين كله لله”.
إلا أن التنظيم استطاع تحقيق جزءٍ من أهدفه بنشر ثقافة “التكفير” لدى شريحة واسعة من المدنيين في مناطق سيطرته، من خلال تصدره الساحة هناك ومنع وجود أي طرفٍ يعاكسه أو يفضح زيف ادعاءاته، مما أنتج جيلاً يستخدم مصطلحات مثل “كافر و مرتد” كانت غائبة تماماً عن الساحة السورية حتى عام 2013، ويقول الشاب مصعب الخضر من ريف حلب: “خلال سيطرة تنظيم داعش على مدينة الباب كُنّا نستخدم لقب مرتد على المسلمين اللذين لا يقيمون في مناطق سيطرة داعش ونطلق على أتباع الديانات الأخرى لقب الكافر، ونُسمي تلك المناطق ببلاد الكفر، لم نكن نعي كثيراً معنى هذه التسمية، إلا أن كثرة ترديدها أمامنا ساهم بزرعها في الأذهان”، ويعزي مصعب سبب هذه المشكلة إلى غياب الطرف المضاد للتنظيم وعدم إمكانية إجراء أي حوار معه من قبل أتباع الديانات الأخرى، أو حتى الوصول إلى المدنيين في مناطق سيطرته، ويضيف الخضر: “في تلك الفترة زار صحفي غربي مناطق سيطرة داعش وبحماية من عناصر التنظيم، عندها أدركنا أن ادعاءات التنظيم كانت كاذبة وأن الغاية منها حشد أكبر عدد ممكن لمناصريه فكيف من المعقول أن يطلب من المسلمين قتل من اسماهم الكفار وهو يحمي شخص كافر حسب تفكيرهم!”.
ويرى سعد العيسى من محافظة ديرالزور أن الحوار الذي أُقيم في بداية الثورة السورية بمدينة ديرالزور بين أتباع الديانة الإسلامية وأبتاع الديانة المسيحية، ساهم بتوحيد الصف وإبعاد الفتن وصبغة التطرف عن الثورة السورية، فيقول: “في الشهر الخامس من عام 2011، اجتمع أبناء محافظة ديرالزور مسلمون ومسيحيون، من أجل مناقشة الوضع في المدينة خلال المرحلة القادمة، وكان الاجتماع بعيداً عن الصيغة الرسمية ولم يكن هنالك شيوخ أو قساوسة، كان هنالك إجماع لدى جميع الحضور أن الثورة هي ثورة الشعب السوري بمختلف الطوائف والديانات ضد نظامٍ مجرم، وأن الهوية الوحيدة التي يحملها المتظاهرون هي الهوية السورية”. ويؤكد سعد لمس نتائج إيجابية لهذا الاجتماع من خلال المظاهرات، فقد كان كثيرٌ من المسيحيين يأتون يوم الجمعة إلى المسجد للخروج بمظاهرة كون المساجد تحتوي على حشودٍ كبيرة ومركز لانطلاق التظاهرات. ويضيف سعد: “للأسف لم يستمر هذا التناغم بعد سيطرة مجموعات متطرفة بدأت بجبهة النصرة وصولاً لتنظيم داعش، فقد اعتبرت المجموعات المتطرفة أبناء الديانة المسيحية بأنهم كفار، وكان تنظيم داعش قد فرض عليهم دفع مبالغ مالية عالية لقاء بقاءهم في المحافظة، فغادر القسم الأكبر منهم خارج سوريا تاركين خلفهم ذكرياتٍ جميلة في بداية الثورة”.
ولمّا كان الحوار بين الأديان ضرورة مرحلية وأزلية، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة ما يسمى “أسبوع الوئام العالمي بين الأديان” وهو حدث سنوي يُحتفل به خلال الأسبوع الأول من شهر شباط/فبراير ابتداء من عام 2011. وقد أقّرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أسبوع الوئام العالمي الأديان في قرارها رقم A/RES/65/5 والذي اعتمد في 20 من تشرين الأول/أكتوبر 2010. وفي هذا القرار أشارت الجمعية العامة إلى أن التفاهم المتبادل والحوار بين الأديان يشكلان بُعدَين هامين من الثقافة العالمية للسلام والوئام بين الأديان، مما يجعل الأسبوع العالمي وسيلة لتعزيز الوئام بين جميع الناس بغض النظر عن ديانتهم.
وترتكز فكرة أسبوع الوئام بين الأديان على العمل الرائد لمبادرة كلمة سواء، وقد انطلقت هذه المبادرة في عام 2007، حيث دعت كلاً من العلماء المسلمين والمسيحيين للحوار بناءً على وصيتين أساسيتين مشتركتين وهما حب الله وحب الجار دون المساس بأي من المعتقدات الدينية الخاصة بهم. وتعدّ هاتان الوصيتان في صميم الأديان السماوية الثلاث، لتوفر بذلك أصلب أرضية دينية عقائدية ممكنة. وتتعدى مبادرة أسبوع الوئام بين الأديان هاتان الوصيتان من خلال إضافة “حب الخير، وحب الجار”، وتشمل هذه المعادلة كل أطراف النوايا الحسنة، بالإضافة إلى جميع الأفراد الذين يؤمنون بديانات أخرى.
وتحدثت هانيفا مزوي، كبيرة مستشاري مكتب ممثل الأمم المتحدة السامي لتحالف الحضارات، عن أهمية الحوار بين الأديان قائلةً: “يشير التاريخ إلى أن الإبادة الجماعية ارتكبت إلى حد كبير تحت اسم الدين، وقد رأينا ذلك من خلال الفظائع الجماعية، والمحارق ومحاولة إبادة جماعة دينية محددة، لكن على الرغم من الاختلافات الايديولوجية في عالم الإيمان الواسع، تتشاطر جميع الأديان قيمة الإنسانية والعدالة.”
وأشارت مزوي في كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى أن تحالف الحضارات يقوم بدور قيادي في تعزيز أسبوع الوئام العالمي بين الأديان منذ تأسيسه بقولها: “فيما يعترف التحالف بالدور المهم للعوامل الدينية في عالم اليوم، ويتابع رؤية الأديان، من خلال التثقيف حول الدين والمعتقدات وبناء تفاهمات حول دور الدين والقضايا المتعلقة بالإيمان وتشجيع الشباب على الابتكار والقيام بمشاريع فيما بين الأديان.”
بينما أشار المستشار الخاص للأمين العام المعني بمنع الإبادة الجماعية أداما ديانغ، إلى أثر الدوافع الدينية أو الأيديولوجية في الحروب والصراعات العنيفة، وأضاف ديانغ: “أصبحت أعمال عنف التي تقودها الكراهية الدينية، متكررة في الآونة الأخيرة، بشكل ينذر بالخطر، وشكلت خطورة وشدة هذه الأعمال تهديداً للتعايش المتناغم بين مجموعات مختلفة، وفي نهاية المطاف، للسلم والأمن الدوليين، بالإضافة إلى ذلك، فإننا نرى مظاهر التعصب والتمييز على أساس الدين أو المعتقد في جميع المجتمعات تقريبا.” وتابع ديانغ: ” من المهم أن نتذكر أن معظم الديانات والمعتقدات تبشر بأن جميع الأفراد متساوون ويجب أن يتعاملوا على قدر المساواة في الحقوق والفرص، مع ذلك، لا تعني التماثل، وإنما الوحدة في إطار التنوع، وهو مبدأ يعتبر الاختلافات في العرق أو الدين أو التاريخ أو اللغة أو التقاليد كعنصر نافع.”
ويؤكد ديانغ أن مبدأ احترام التنوع، واحترام الاختلافات بين الشعوب، بما في ذلك معتقداتهم، أمر أساسي لتطوير مجتمعات مستقرة وسلمية صلبة تجاه الصراعات وفظاعة الجرائم، وأوضح قائلا: “لا يوجد مجتمع متجانس، جميع المجتمعات متنوعة، وتتكون من مجموعات وطنية أو أثنية أو عرقية أو دينية مختلفة، وليست الاختلافات بين هذه الجماعات، في حد ذاتها، هي التي تخلق التوتر والصراع، بل التمييز على أساس هذه الاختلافات، الذي يخلق عدم المساواة في الحصول على الموارد والاستبعاد من عمليات صنع القرار ويؤدي إلى الحرمان من حقوق الإنسان، هذا ما يسبب الصراع.”
وفي رسالته بمناسبة أسبوع الوئام العالمي بين الأديان، ذكر الأمين العام السابق للجمعية العامة للأمم المتحدة بان كي مون أن مسؤولية الحديث بلغة التسامح والاحترام تقع على عاتق الزعماء الدينيين والثقافيين، سواء على المسرح العالمي أو داخل مجتمعاتهم، داعياً إلى توجيه رسالة أمل إلى الشباب، فالشباب الذي كثيراً ما يتعرض للتهميش والبطالة ويواجه مستقبلاً مثيراً للقلق، يمكن أن يقع فريسة سهلة للمتعصبين الذين يوفرون له إحساسا بالدفاع عن قضية والانتماء إلى جماعة، قائلا إنه علينا أن نكشف عن زيف هذا الإغواء وأن نوفر لهم بديلاً مقنعاً.