صوت وصورة

أثبتت التحالفات والتعاون المشترك بين الدول والسلطات، أهميتها على مر العصور، وكانت سبباً في قلب الموازين وتحويل المهزوم إلى منتصر وترجيح كفة أحد الأطراف على الآخر. ويشترط على هذا التعاون أن يكون متيناً ويغطي كافة الجوانب كحال تحالف دول الحلفاء في الحرب العالمية الثانية الذي جمع قرابة 25 دولة على رأسهم أميركا وبريطانيا وفرنسا، ضد تحالف دول المحور الذي تألف من الحكومة النازية بقيادة أدولف هتلر وإيطاليا الفاشية بقيادة بينيتو موسوليني واليابان بقياده هيروهيتو، وامتاز التنسيق بين دول الحلفاء على الشمولية وبلوغه أعلى المستويات، كما كان التعاون بين دول الحفاء يشمل الدعم الاقتصادي والسياسي والعسكري والاستراتيجي، فيما تركز تحالف دول المحور على تقديم الدعم العسكري فقط مع وجود أهداف خاصة لكل دولة منهم، وهو ما ساعد دول الحلفاء على الانتصار في الحرب وإنهاء حكم النازية والفاشية بوقتٍ قصير مقارنة مع الإمكانيات التي كانت لديهم.

في عام 2014 أعادت 58 دولة إحياء تحالفات الحرب العالمية الثانية ضد النازية والفاشية، إلا أن هذه المرة كانت الوجهة محاربة الإرهاب متمثلاً بتنظيمي القاعدة وداعش في سوريا والعراق، وارتكز هذا التحالف على التعاون العسكري وقليلاً من التعاون الاقتصادي، وذلك لوجود خلافات جانبية بين دول المتحالفة من أمثال تركيا والمانيا وأميركا، إلا أن هذه الخلافات لم تشكل عائقاً في محاربة التنظيمات المتطرفة على المستوى العالمي، وكان لها دور في إضعاف تواجد تنظيمي داعش والقاعدة في اليمن، وهزيمة تنظيم داعش وإعادته إلى الصحراء في العراق، وحصر التنظيم ببقعة جغرافية في سوريا، كما شكلت دول الاتحاد الأوربي بمشاركة أمريكا مركزاً لتبادل المعلومات الاستخباراتية واللوجستية بهدف محاربة الإرهاب حول العالم. هذا التحالف على المستوى العالمي ساهم بشكل كبير في تقليص مخاطر الإرهاب على المجتمعات الغربية، ومنح الدول المتحالفة الأفضلية في حربها ضد تنظيم داعش.
وفي الوقت الذي وجب به التعاون على أعلى المستويات بين الأطراف العربية والدول الإقليمية لإنهاء الإرهاب بكافة أشكاله وأنواعه، كون التنظيمات المتطرفة تنشتر بشكل كبير في الدول العربية والدول المجاورة لها، غاب هذا التعاون نسبياً عن الساحة العربية بسبب حالة الخصومة التي تعيشها الدول العربية فيما بينها، فكانت جميع الخطوات فردية على نطاق ضيق وبأهداف مشتتة، فكثرت الندوات التوعوية والحملات التثقيفية، والمبادرات التربوية بهدف مكافحة الإرهاب، إلا أن جميعها كان على المستوى المحلي للدول دون وجود أي تنسيق مع دول أخرى، لذا نجد أن مفعول هذه المبادرات ذو أثر محدود وقصير الأمد. ولم يقف الأمر بعدم التعاون، بل أن بعض الحكومات العربية أخذا بدعم مليشيات متطرفة كحال الحكومة العراقية التي غذت المليشيات الطائفية العراقية والمليشيات الإيرانية العاملة في العراق، أو الحكومة اللبنانية التي تتعاون مع مليشيا حزب الله بشكل كبير رغم وجود الحزب على قوائم الإرهاب، وهو ما ساهم بتقوية منظمة إرهابية على حساب أخرى.
ورغم ضعف التعاون العربي، إلا أن هنالك نوعاً من التعاون الإقليمي-العالمي، ففي الأردن تم تأسيس “المركز الأردني لمكافحة التطرف الفكري” وهو مركز أكاديمي بحثي متخصص بدراسات الفكر المتطرف ومكافحته، بتمويل من الحكومة اليابانية من خلال مكتب الأمم المتحدة لخدمة المشاريع (UNOPS) للقوات المسلحة الأردنية، ويهدف البرنامج إلى تخريج الباحثين المؤهلين منهجياً وعلمياً في تخصص التطرف والإرهاب والقادرين في الوقت نفسه على تقديم حلول استراتيجية للمستجدات المعاصرة في هذا المجال، إضافة إلى رفد المؤسسات الوطنية العامة والخاصة بالكفاءات المتخصصة في مجال مواجهة الفكر المتطرف والإرهاب لتفعيل دورهم الفكري في مجال عملهم ورفد المؤسسات الوطنية العامة والخاصة بمتخصصين في إعداد الاستراتيجيات الوطنية لمكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب، وتنبع أهمية البرنامج من مدى حاجة المجتمع له نتيجة اتساع ظاهرة الفكر المتطرف والإرهاب بحيث أصبحت تشكل التهديد الرئيس للمجتمع الدولي إضافة إلى تنوع وتعدد الآثار السلبية للعمليات الإرهابية.

أما محلياً في سوريا، فتم تشكيل أول مركز لمكافحة الفكر المتطرف في الشمال السوري بأواخر عام 2017، وتحديداً في مدينة مارع شمال حلب، يستهدف هذا المركز المنتسبين السابقين لتنظيم “داعش”، بنظامٍ يومي وفق برنامج محدد، ويلتزم عشرات المنتسبين السابقين إلى تنظيم داعش، بأنشطة يديرها “المركز السوري لمحاربة الفكر المتطرف”، الذي يعيد تأهيلهم من خلال حوارات وندوات منذ تأسيسه كأول مركز في الشمال السوري. ويقول أحد الشباب المنشقين عن تنظيم داعش (طلب عدم ذكر اسمه)، والذي يخضع للدروس في المركز، إن تنظيم داعش زرع الفكر المتطرف في عقول الشباب، منذ مطلع عام 2014، وانضم إليه كثيرون، مشيرًا إلى أنه دخل المركز لتبيان الحقيقة.
انشق الشاب، الذي ينحدر من ديرالزور، عن التنظيم بعد انضمامه إليه مطلع عام 2015، عازيًا سبب انخراطه في صفوفه، لإشكاليات مع فصائل أخرى لم يسمها، ويؤكد أنه “هرب إلى شمالي حلب بعد أن كان شاهد عيان على مجازر وأفعال تنتج عن فكر متطرف يحمله التنظيم”، ويخضع الشاب مع آخرين منشقين لبرنامج خاص يومي، متمنيًا ألا يكون المركز “تجربة وتنتهي بل أن يستمر في عمله لتنظيف عقول الشباب”
ويوضح مدير المركز حسين ناصر أن إنشاء المركز كان ضرورة “في ظل توافد أعداد كبيرة من نازحي المنطقة الشرقية إلى شمالي حلب ووجود عناصر من تنظيم داعش بينهم”، الأمر الذي اعتبره “خرقاً أمنياً كبيراً، خاصةً مع استمرار تدفق الأعداد بشكل متزايد”. وازدادت الحاجة لتشكيل المركز، “بسبب الخوف من استهداف المنتسبين إليه للمدنيين في مناطق الشمال السوري”. وتحدث مدير المركز عن إمكانية تفكيك البنية المجتمعية من خلال الأفكار التي حملوها عن شرعيي التنظيم الذي حكمهم في مناطقهم. كما أشار القائمون على المركز إلى عدم وجود أي تنسيق بينهم وبين مراكز أخرى متواجدة في مناطق مليشيا قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، بل يؤكدون أن كثيراً من عناصر تنظيم داعش الذي تم القبض عليهم في الشمال السوري كانوا قد خرجوا بموافقة من قسد.
مهاب عبد الواحد، ناشط مدني من مدينة الرقة، تحدث عن ضرورة توحيد الجهود في كل المناطق السورية لمكافحة التطرف لأنه مشكلة وطنية في المرتبة الأولى حيث قال: “تغلغل التطرف في كل المناطق السورية والمحافظات، من درعا إلى دير الزور وصل التطرف للشباب السوري، فمسؤولية وأده تقع على عاتق الجميع، لذا يجب العمل على تأسيس مركز مكافحة التطرف في كل محافظة وفي كل منطقة إدارية، والتعاون فيما بينهم للوصول إلى أكبر عدد من الشباب الناشئ الذي قد ينخدع بأفكار المتطرفين الرنانة، وأساليبهم الملتوية، كما يجب تكثيف الاجتماعات بين العاملين في مكافحة التطرف، وعقد المحاضرات والندوات للتحذير من الخطر على مستوى البلد ككل وليس على مستوى منطقة دون أخرى”.
إن مكافحة الإرهاب والتطرف هي عملية طويلة وتحتاج إلى جهدٍ مضاعف، والتعاون بين جميع الأطراف على أعلى المستويات للقضاء على الحركة الإرهابية و التنظيمات المتطرفة في مهدها، فالسنوات الأخيرة كانت أكبر دليل على قدرة الإرهاب على تشويه عقول الناشئة والسيطرة على أفكار الناس البسطاء، لذلك لابد من أخذ عملية مكافحته على محمل الجد والعمل على توحيد الرؤى والأهداف بين الجميع.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.