صوت وصورة

أعلنت منظمة “اليونيسف” في تقرير نشرته على موقعها الالكتروني، أن 7.3 مليون طفل في سورية تأثروا بالصراع الدائر، منهم 1.7 مليون طفل لاجئ”، مشيرةً أن معلومات الأمم المتحدة حول سورية، تؤكد أن “هناك 35 هجمة على المدارس خلال الشهور التسعة الأولى من عام 2016، تسببت في مقتل 105 طفل وإصابة 300 آخرين باستهداف مباشر لهم”. فقد ألقت هذه الحرب على الأطفال آثاراً سلبيةً في تفاصيل حياتهم اليومية، فآلاف الأطفال السوريين في الداخل ودول اللجوء شهدوا الحرب، وتشكلت لديهم ذاكرة لن تمحى بسهولة حول الدمار والدم والقتل، و تخلفت لديهم تبعات نفسية، نتيجة تعرضهم للقصف المستمر، وتهجيرهم من منازلهم ومدارسهم وفقدانهم ذويهم ومقربين منهم.
ومن الأمور التي أثرت وما زالت تؤثر على الأطفال في الداخل السوري تعاقب المسيطرين على الأرض واختلاف أفكارهم وايدولوجيتهم، فقد تنقل هؤلاء الأطفال من أفكار حزب البعث التي كانوا يتلقونها في المدارس، إلى فكر تنظيمات متطرفة سيطرت على حياتهم لفترة زمنية، وصولاً لسيطرة مليشيات إيرانية وعراقية على أجزاء واسعة من سوريا وعمل هذه المليشيات على فرض أيدولوجيتها، في هذا السياق يقول محمد الابراهيمي أحد سكان ريف دير الزور الشرقي الذي تناوب على حكمه عدت مجموعات: “تنقل ريف دير الزور منذ العام 2011 بين العديد من الأطراف من داعش ووحدات الحماية الكردية والنظام السوري وحتى مليشيات ايران، وقد قام كل منهم على حدى بالتدخل في التعليم والإدارة، وتركز اهتمامهم على الأطفال”.
ويشير الإبراهيمي إلى أن السبب وراء اختيار طبقة الأطفال بالذات من قبل المجموعات المسيطرة، هو أنها أكثر الطبقات تقبلاً لجميع الأفكار والمعتقدات، فاذا ما سيطرت عليهم فقد ضمنت هذه المجموعات استمرارها. ويضيف: “تقلب الأيدولوجيات الفكرية جعل الطفل متخبطاً وحتى أنه أصبح ينقاد دون تفكير، وهذا من أصعب التحديات التي تواجهنا حالياً نتيجة الحالة النفسية التي يمر بها الأطفال، فلا ندري من أين نبدأ أو ماذا يجب أن نفعل.”
إن الضغوط النفسية التي تعرض لها الأطفال في مناطق الصراعات قد دمرت الى حد كبير نفسيتهم وفكرهم ومعتقدهم ودفعتهم حتى في بعض الأحيان الى التهور والقيام بأعمال تضرهم، وقد نشر موقع “نايتشر ميدل إيست” المتخصص بالدراسات العلمية دراسة حول الأوضاع النفسية للأطفال في سورية، حيث أوضحت الدراسة أن 4 بالمئة من الأطفال في مخيمات اللجوء السورية حاولوا الانتحار نتيجة الضغوط والظروف السيئة التي يعانون منها.
ويؤكد تقرير صادر عن منظمة يونيسف التابعة للأمم المتحدة في مارس/آذار من عام 2016 أن حوالي ثمانية ملايين طفل، أي أكثر من 80% من الأطفال في سوريا، تأثروا بسبب النزاع، سواء من بقوا داخل البلاد أو من أصبحوا لاجئين بالدول المجاورة، حيث تشير المنظمة المعنية بالطفولة إلى أن حوالي مليوني طفل سوري لاجئ بحاجة إلى دعم وعلاج نفسي، ويرى متخصصون في علم النفس أن أبرز انعكاسات الحرب على أطفال سوريا تتمثل بالخوف المستمر، والاضطرابات الانفعالية الحادة والاضطرابات الاكتئابية الشديدة.
ومن بين هذه الحالات، الطفل محمد ذو التسع سنوات من ريف حلب، حيث تسبب القصف على منزل أسرته؛ ومشاهدة أمه التي تحولت إلى أشلاء في عام 2016، بفقدانه الذاكرة، وعدم قدرته على النطق بشكل مؤقت. يقول مكارم الفتحي وهو معالج ومستشار دعم نفسي “يفتقد الطفل محمد القدرة على القراءة والكتابة، وحتى العمليات الذهنية البسيطة، وفقدان الإمكانية على تذكر أسماء أفراد أسرته وعملية التفكير، ويعاني حالياً من نوبات الرعب والبكاء الشديد، وجلس فترات لا يستطيع النوم، حيث تأتيه حالات من الكوابيس”. ويضيف الفتحي أن جهوداً تبذل لتقديم الدعم النفسي لمحمد “لكن احتمالات النجاح لحالة كهذه محكومة بعامل الزمن الطويل، ولا يمكن الحكم سريعاً”. ويختم بأن حالة محمد هي من آلاف وربما عشرات آلاف الحالات التي تعاني من عدم القدرة على التعلم والالتحاق بالمدارس نتيجة التعرض للقصف والصدمة.
ولم تنحصر هذه الاضطرابات النفسية لدى الأطفال المتواجدين في سوريا، فحتى اللذين استطاعوا الهرب من دائرة الموت هناك، رافقتهم هذه الاضطرابات حتى يومنا هذا، فأمير السيد البالغ من العمر اليوم 19 عاماً، والذي غادر سوريا قبل 3 سنوات، بعد اعتقاله لمدة سنة من قبل النظام السوري، وتعرض لكافة أنواع التعذيب داخل المعتقل، وبعد خروجه لم يستطع التأقلم مجدداً أو استعادة حياته السابقة، حيث يقول: ” بالرغم من كوني متواجداً في أورباً الآن وبعيداً عن النظام السوري، إلا أنني لازلت أعاني من اضطرابات وكوابيس وهلوسات يرافقها انعدام الثقة بالناس بغض النظر عن قربهم مني”. ويضيف السيد: “أتلقى حالياً جلسات الدعم النفسي برفقة أحد الأصدقاء، وآمل أن أستعيد حياتي مجدداً”.
ويتشابه الوضع الحالي لأطفال سوريا، بوضع أطفال ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، اللذين عانوا من سيطرة الحكومة النازيين ومن ثم تناوب الاتحاد السوفييت ودول الحلفاء السيطرة عليهم، مما سبب لهم مشاكل نفسية يعانون منها حتى اليوم. كارمن تبلغ من العمر 75 عاماً، وهي إحدى أطفال ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية، تُعاني مرض الزهايمر اليوم، تولّى ابنها مهمة الحديث عن ماضٍ ظلّ عالقاً في ذاكرتها حتى الأيام الأخيرة قبل أن تفقدها بالكامل، يقول: “كانت أمي في بريمن، وقد تلقت هذه المدينة الكثير من ضربات الحلفاء وخصوصاً في الفترة الأخيرة من الحرب، ظلّت لوقت طويل تخبرنا عن أصوات القنابل، وكيف كانت تختبئ مع والدتها وشقيقها في الملجأ” ويضيف الأبن: “كان لا بد لها أن تنسى حتى تتابع حياتها، لكنها أدركت أنها لم تنس، أقله صوت القنابل وهلع الطفولة وفقدان الأب الذي حارب مع النازيين، لن تنسى كراهيتها لهتلر والحزب النازي، الذي ترى وعدد كبير من أبناء جيلها أنه سبب شقائها وشقاء ألمانيا بالكامل، ولم تنسى ظلم الجيش الأحمر الذي تولى السيطرة على قسمٍ ألمانيا، ولا ظلم دول الحلفاء اللذين دمروا مدناً بأكملها”.
لم يكن خطأ الأطفال أن يولدوا خلال الحرب، ولا أن يتواجدوا على بقعة جغرافية يسيطر عليها نظامٌ مجرم ومليشيات متطرفة تسعى لتدمير كل ما هو جميل، لذا يجب على المجتمع الدولي والمنظمات العالمية التدخل للحد من هذه الظواهر ولوقف الحرب التي يدفع فاتورتها الباهظة أجيال من الأطفال ممن لم يروا من طفولتهم إلا الحرب والدم والقصف والتشريد، ويجب علينا تكثيف الجهود لمعالجة الاضطرابات النفسية التي يعانون منها عن طريق فتح مراكز دعم نفسي وتدريب اخصائيين محليين ودوليين للمساعدة على أكبر نطاق لمعالجة هذه المحنة، فالأمر برمته ليس خطأهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.