صوت وصورة

 

يشغل الإعلام جزءاً أساسياً في الحياة اليومية لدى غالبية الأشخاص، وارتبط بأعمالهم وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية، آخذاً من وسائل التواصل الاجتماعي المنبر الأوسع له، يبث من خلالها من الأخبار والأحداث والتحليلات والحوارات، وأصبح العالم أصغر مما كان عليه، واندمجت الثقافات بين بعضها البعض. ولمّا تغلغل الإعلام في جوانب الحياة اليومية، بدأ يُستخدم كسلاحٍ فعال في قضايا عدة، لم له من دورٍ في تغيير القناعات وبث الأفكار وتحديد الأفكار والتوجهات، حتى باتت منافعه توازي خطورته، والإيجابيات تعادل السلبيات فيه.
دخلت المجموعات المتطرفة ضمن مجال الإعلام، واستغلته في تسويق أفكارهم وغاياتهم وتوظيفها في تضليل الأجهزة الأمنية، وكسب انتباه الرأي العام عن طريق نشر أخبار العمليات الإرهابية التي ينفذونها، على اعتبار أن الحملات الإعلامية التي تغطي هذه العمليات، تساعد على تحقيق واستكمال أهدافهم.
في السنوات العشر الأخيرة؛ بدأت المجموعات الإرهابية تطرق أبواب أوربا مشكلةً تهديداً أكبر مما كان عليه، فانبرى الإعلام الغربي في التصدي لها والتحذير منها، وذلك عن طريق التغطية الإخبارية لأعمال المجموعات الإرهابية وانتاج الوثائقيات التي تتحدث عن هذه المجموعات خطورتها، ولم تكن هذه التغطية محصورةً في أوربا، بل انتقلت لتغطية الأحداث الجارية في الشرق الأوسط على اعتبار أن قيادة هذه التنظيمات هناك، وهذا ما يُفسر كُثرة الإعلاميين الغربيين المهتمين في قضايا الشرق الأوسط في السنوات العشر الأخيرة.
أخذ الإعلام الغربي في مناقشة الجماعات المتطرفة على كافة الأصعدة، وتم التركيز على تنظيم داعش كونه يشكل القوة الضاربة الأكثر دموية في الوقت الحالي، فاصبح هنالك برامج متلفزة ومنتديات ونشرات أخبار واقسام في الصحف مخصصة عن تنظيم داعش، يتم الحديث بها عن حيثيات التنظيم وطريقة تشكله وعناصره ونشاطه وانتهاكاته، وذلك عن طريق إعلاميين ومتخصصين في مجال مكافحة التطرف، وصولاً لإشراك خبراء في علم النفس والجريمة للحديث عن هذا التنظيم، وتجاوز البعض مرحلة التغطية الإخبارية إلى مرحلة إشراك سيرة التنظيم في الأفلام السينمائية، فيظهر شخص من تنظيم داعش يقتل ويذبح المدنيين ضمن الفلم حتى ولو كان الفلم لا يتحدث عن أي منطقة يسيطر عليها التنظيم، وكل هذه الخطوات تهدف إلى إبعاد شبح التطرف والانتماء لتنظيم داعش عن المواطن الغربي.

نجح الإعلام الغربي في إظهار الصورة الإجرامية الحقيقية لتنظيم داعش، وبات الجميع يعرف أنه تنظيم متطرف قائم على القتل والانتهاكات، إلا أن هذه التغطية عادت بالنفع على تنظيم داعش فيما يُعرف باسم الدعاية العكسية، وبات للتنظيم قاعدة شعبية من المتعطشين للدماء في أنحاء العالم، ممن يرون فيه الوجهة لتحقيق نزواتهم المتطرفة، وهذا ما يوضح ازدياد أعداد المقاتلين الغربيين في صفوف داعش، فوفق إحصائية أجرتها منظمة صوت وصورة التوثيقية، تم رصد قرابة 12 ألف مقاتل غربي في صفوف التنظيم خلال عام 2014، وارتفع العدد إلى 16 ألف مقاتل غربي في عام 2016، وكان الرقم ليزداد لولا الإجراءات الدولية المشددة في مراقبة الحدود مع سوريا والعراق.

إن عرض فيديوهات صادرة عن التنظيم على وسائل الإعلام المحلية والغربية، ساهم بخروجها من دائرة التنظيم الضيقة إلى الدائرة العالمية، عندها بات التنظيم ينشر الفيديوهات مرفقة بلغات مختلفة كالإنجليزية والروسية والفرنسية والألمانية والتركية وغيرها من اللغات، بعد أن بات يعلم أنها ستجد منفذاً قانونياً عن طريق الشبكات الإخبارية العالمية، وهو ما دفع ديفيد برودر المراسل الصحفي في الواشنطن بوست إلى المطالبة بحرمان الإرهابيين من حرية الوصول إلى منافذ الوسائل الإعلامية، لأن تغطية العمليات الإرهابية إعلامياً، وإجراء مقابلات إعلامية مع الإرهابيين تعتبر جائزة أو مكافأة لهم على أفعالهم الإجرامية.
تحدث لنا المستشار في مجال الإعلام والأستاذ محاضر في جامعة حلب فادي بكري عن تأثير الإعلام الغربي في الحشد والمناصرة للجماعات والتنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق، حيث قال: “عند الحديث عن وسائل الإعلام المتعددة والتي سلطت الضوء على تنظيم “داعش” في سوريا والعراق، نجد أن هذه الوسائل ساعدت إعلام التنظيم بالانتشار، أثناء حديث وسائل الإعلام العالمية عن معاذ الكساسبة، الطيار الأردني الذي أعدمه التنظيم حرقاً في تصوير سينمائي هوليودي، نقلت الوسائل الخبر بشكل مكثف ومتسارع مما دفع الملايين حول العالم بالبحث على الانترنت عن مقطع إعدامه ووصلوا للكثير من معرفات وشبكات التنظيم التي لم تكن معروفة وبالتالي حققت لهم انتشاراً أكبر وشهرة واسعة”.
يستطرد البكري متابعاً: “في كثير من الأحيان يسلط الإعلام الغربي في محاولة منه نقل الخبر، على إجرام وفظاعة عمل المتطرفين حول العالم، إلا أن المتلقي من الناس العاديين قد يعتبر هذا الفعل دليل قوة المتطرفين وتنظيماتهم، وبدل الخوف من هذه التنظيمات يقوم بالبحث عنها بشكل موسع وقد ينبهر بإعلامها الموجه خصيصاً له، ويصبح من الموالين وقد ينضم إلى صفوف المتطرفين، وهذا بالحقيقة هو الدور السلبي للإعلام الغربي”.

في الحديث عن وقوع وسائل الإعلام حول العالم في الفخ الذي ينصبه المتطرفون، يقول الدكتور حسن علي محمد، أستاذ الإعلام في جامعة المينا بمصر: ” ثمة صراع شرس على الجمهور ومنافسة طاحنة على كعكة الإعلانات، وأموال ساخنة تتدفق في شرايين كثير من الفضائيات والصحف وشبكات التواصل الاجتماعي؛ مما جعلها تجنح إلى الإبهار، وما يبثه المتطرفون من مقاطع فيديوهات تبهر المتلقي في الإخراج والتصوير بتقنيات عالية، كما في ذبح الضحايا المصريين ونحرهم وقطع رقابهم في ليبيا وكأنها أفلام سينمائية، إضافةً إلى ملابسهم السوداء والاكسسوارات والأسلحة كعوامل لإقناع الشباب بأنهم مصدر قوة، معتمدين على أن اللقطة المصورة الواحدة في الإعلام تغني عن ألف كلمة، ويدركون أنها خير وسيلة للتأثير على الشباب، فضلًا عن السرعة في استغلال سرعة تداول الأخبار، وسهولة التخلص من حسابات فيسبوك وتويتر، وصعوبة وصول الجهات الأمنية إلى المصدر، أسباب جعلت المنظمات الإرهابية تتخذها واجهة إعلامية لتوصيل رسائلهم بعيدًا عن الرقابة والتدخل؛ مما يساعدهم في التعبئة وتجنيد إرهابيين جدد، وهذا الأمر يحافظ على استمرار الخلية وبقائها، وهم يستغلون تعاطف الآخرين من مستخدمي الإنترنت مع قضاياهم ويجتذبون الصغار بعبارات حماسية مثيرة خاصةً من خلال غرف الدردشة الالكترونية”.
ويتضح جلياً مراقبة تنظيم داعش للتغطية الإعلامية عنه الغربي، فبالكاد نجد إصداراً مصوراً صادراً عن تنظيم داعش لا يحتوي لقطات مأخوذة من محطات إعلامية وصحف غربية تتحدث عن عملياته في مناطق سيطرته، دون أن غير بها شيءً، حتى أنه يبقي على لفظهم اسم داعش، في الوقت الذي يعاقب المدنيين بمناطق سيطرته بمئة جلدة في حال تلفظه بهذا الاسم، حيث يرون في التغطية الإعلامية لجرائمهم معياراً هاما لقياس مدى نجاح فعلهم الإرهابي، لدرجة أن البعض منهم اعتبر العمل الإرهابي الذي لا ترافقه تغطية إعلامية يُعد عملاً فاشلاً.
يقول سرمد الجيلاني الناشط في مجال مكافحة الإرهاب، أن تسليط الضوء المبالغ به على تنظيم داعش من قبل وسائل الإعلام الغربية فتح باب الأسئلة عن هذا التنظيم، ولدى عدم قدرة هذه المحطات على الإجابة عن الاسئلة المطروحة ذهب الناس إلى معرفات التنظيم الإعلامية بحثاً عن مبتغاهم، ويضيف الجيلاني: “عند تصفح وسائل الإعلام الغربية نجد أن الأخبار التي تخص تنظيم داعش تسيطر على القسم الأكبر، ويدفع الفضول بعض الناس لدخول إلى صفحات وقنوات تتبع للتنظيم ومتابعتهم، لكن مع الوقت ونتيجة الخطاب الإعلامي المركز للتنظيم يتم استجرار هؤلاء الناس إلى صفوف التنظيم، بل حتى أن قسماً منهم قدم إلى سوريا وانضم للتنظيم بدافع المغامرة وحب الاطلاع”.

لا شك بوجود جانب إيجابي من تسليط الضوء على أفعال المتطرفين الشنيعة للتحذير من خطرهم على المجتمع، وإظهار جوانبهم السلبية، لكن لا بد أن تُدار هذه التغطية بشكلٍ صحيح، وذلك عن تخفيف الأضواء قليلاً، ونحرم هذه التنظيمات من مبتغاها الإعلامي من نشر انتهاكاتهم وإجرامهم، وكي لا نكون أداة بيد هذه التنظيمات تساهم في انتشارهم دون قصد، فهذه التنظيمات مثل الأمراض يُمكن أن تنتقل عن طريق اللمس أو الهواء، لذا يجب الحذر عند التعامل بأي شيء يتعلق بها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.