صوت وصورة

ينتشر في سوريا أكثر من مئة ألف مقاتل موزعين على قرابة 50 مليشيا مسلحة ذات خلفية دينية من المذهب الشيعي، جاءوا من بلاد مختلفة لقتل الأحياء من أجل حماية مراقدِ الأموات. ففي إحصائية أجرتها وكالة الأناضول التركية، يتواجد في سوريا 160 ألف مقاتل يتبعون لمليشيات إيرانية وعراقية وحزب الله ذات المذهب الشيعي، موزعين بمناطق مختلف من سوريا، وكانت هذه المليشيات قد قدمت بذريعة حماية المراقد الدينية الشيعية، إلا أنها تقاتل جنباً إلى جنب مع قوات النظام وتعمل على إحداث تغيرات ديمغرافية كتلك التي تحصل الآن في محافظة ديرالزور شرق سوريا.
وعلى الجانب الآخر، فقد بلغ تعداد عناصر تنظيم داعش قرابة 36 ألف مقاتل في أواخر عام 2017 ويمثلون المذهب السني، يقاتلون من أجل إقامة الدولة الإسلامية وتحكيم شرع الله في الأرض حسب الرواية الرسمية التي يروج لها التنظيم. وبين داعش والمليشيات الإيرانية يتواجد العشرات من المجموعات المسلحة المتطرفة الذي يبلغ عدد عناصرهم قرابة 60 ألف مقاتل حسب مصادر منظمة صوت وصورة.
توضح هذه الأرقام وجود أكثر من ربع مليون مقاتل في سوريا يتقاتلون فيما بينهم وجميعهم ينتمون للدين الإسلامي موزعين على مذاهب مختلفة، وجميعهم يتذرعون بالدين لشرعنة قتالهم وتواجدهم، ويستخدمون الدين كبطاقة جذب للمزيد من العناصر للانضمام إليهم، فما دور الدين بحالة التطرف التي تعيشها هذه المجموعات؟!

يجيب مروان العمر مدني من محافظة ديرالزور عن هذا السؤال قائلاً: “يمكن تلخيص الإجابة بمقولة هذا ما وجدنا عليه أباءنا، أتذكر في صغري كان والدي يصحبني إلى مسجد يبعد عنا عدة كيلومترات متخطين عشرات المساجد لمجرد أن إمام المسجد يدعو للمجاهدين في أفغانستان، الأمر الذي كان يستحق العناء حسب وجهة نظر أبي، فالإمام بكلماته يساند مجموعة مسلمة تقاتل من أجل الدين وعلينا أن نساند الإمام نحن أيضاً”. ويضيف العمر، “حتى أن أبي أسمى أخي الصغير أسامة لشدة تأثره بشخصية أسامة بن لادن، وفي أيام الغزو الأميركي على العراق كان يتداول مع رفاقه؛ أشرطة الفيديو المصورة التي تظهر عمليات انتحارية وإعدامات، كنا نتحمس أثناء مشاهدتها فهؤلاء المسلمون يدافعون عنا، وهم ذات المسلمين اللذين يقتلوننا اليوم”.

وكان لغزو العراق من قبل القوت الأميركية وشركائها الأثر الأكبر بانتشار الفكر الديني المتشدد الذي أسس لظهور المجموعات المتطرفة الإرهابية بوقتٍ لاحق، ففي ذلك الوقت بدأ الآلاف من مناطق مختلفة –معظمها عربية- بالذاهب إلى العراق لقتال القوات الغازية معتبرين الأمر حرب ضد الإسلام فقط وعليهم الدفاع عن العراق، متناسين أن كلاً من أمريكا ونظام صدام حسين يتبعون للمذهب العلماني الذي يفصل الدين عن الدولة، فأخذت المجموعات المتطرفة على أساس ديني بالظهور بشكلٍ تدريجي وهي ذات المجموعات التي تواجدت في سوريا بعد عام 2013.
ولم يكن تأثير الغزو محصوراً في العراق وحدها وحسب، فالجهاديين اللذين مروا من الأراضي السورية متوجهين إلى العراق تركوا خلفهم بداية الفكرة الإسلامي المتشدد، واصطحبوا معهم عدة مقاتلين عادوا بوقتٍ لاحق لينشروا هذا الفكر ويتولوا زعامة المجموعات الإرهابية اليوم. ولم يقف نظام الاسد موقف المتفرج، بل تدخل في تنظيم هذه الجماعات وتسهيل عبورها وإقامة مراكز تدريب لهم على طول الحدود السورية العراقية، وغذا بتلك الفترة النزعة الدينية وسمح لخطباء المساجد بالتحريض على الجهاد في العراق وكانت الفروع الأمنية توزع الخطب على أئمة المساجد لتشجيع الناس على قتال القوات الغازية في العراق، ورغم أن هدف النظام لم يكن دينياً وكان يسعى لإشغال القوات الأمريكية في العراق خوفاً من توجهها إلى سوريا، إلا أنه عمل على شحن الخلفية الدينية لدى الناس لتحويلهم إلى جهاديين.

ومع انطلاق الثورة السورية، أخذت المجموعات المتطرفة بالظهور تدريجياً مستغلةً إجرام قوات النظام واستعانته بمليشيات أجنبية، للعب على وتر الدين لتحويل الأمر إلى معركة عقائدية بعيدةً عن الحرية والديمقراطية التي خرجت الثورة لأجلها، وكانت استجابة الناس لهذا الأمر لا شعورية نتيجة اصطباغ المرحلة بصبغة دينية، وعن هذا الأمر يقول الناشط الميداني سومر الحسن من محافظة ديرالزور: “كانت الكتائب المسلحة تطلق على نفسها أسماء شخصيات دينية مثل الصحابة والعلماء المسلمين رغم عدم امتلاكهم خلفية دينية، وعند سؤالي لعدد من الكتائب عن سبب هذه التسمية كانوا يتهربون من الإجابة ويقولون هل تريد أن نسميها بأسماء المطربين مثلاً!”. ويضيف الحسن: “في نهاية الأمر حصلت على إجابة مقنعة عندما أخبرني أحد قادة الكتائب بأن إطلاق أسماء إسلامية على الكتائب تعزز لدى العناصر الشعور بالقوة وأنهم في معركة بين الحق والباطل”. ويتحدث الحسن عن معركة سيطرة تنظيم داعش على محافظة ديرالزور في شهر يونيو\حزيران 2014، عندها كانت المعركة بين التنظيم ومجموعة من الكتائب اللذين شكلوا ما يُسمى مجلس شورى المجاهدين، فكان الأمر “قتال مجاهدي مجلس الشورى ضد مجاهدي تنظيم داعش”.

وفي جبهة قوات النظام، كان التطرف أشد فتكاً وأكثر عدداً وأسرع ظهوراً، فأول ظهور لمليشيات متطرفة على أساس ديني كان بصف قوات النظام عندما بدأ حزب الله اللبناني المُدرج على قوائم الإرهاب، وأخذت عناصر حزب الله بالظهور علناً مع بداية العام 2012 مرتكبين عدة مجازر في ريفي حمص ودمشق، وحي الجورة بمحافظة ديرالزور، وظهرت معهم أولى حالات قطع الرؤوس وإحراق الأحياء والإعدامات الميدانية، وقد عُثر لدى العناصر بعد مقتلهم، على عدة وقات كُتب عليها “جواز سفر إلى الجنة – يُسمح لحامله الدخول إلى الجنة دون حساب”. ليكون تواجد هذه المليشيات بذريعة دينية، وليمنحها القائمون عليها أذناً بالدخول إلى الجنة رغم قتلهم واغتصابهم لمدنيين من ذات الديانة، من أجل نظام يُعرف عن نفسه كنظام علماني.

إن أثر الخلفية الدينية بظهور الحركات المتطرفة وتغذيتها ليس بالأمر الجديد، فمنذ القديم لعبت الخلفية الدينية دوراً كبيراً بتأجيج الحروب على اختلاف الأديان والشعوب، ولعل حرب الثلاثين عام في أواسط القرن السابع عشر التي جرت في أوربا دليلاً على هذا، وترجئ المؤرخة البريطانية سيسلي فيرونيكا ويدغود في كتابها “حرب الثلاثين عاماً” أسباب هذه الحرب إلى الخلفية الدينية التذي غذت هذه الحرب التي نشبت بين بين عامي 1618- 1648، عند اقتتال أتباع البابا والمذهب الكاثوليكي من جهة، وأتباع مارتن لوثر وكالفن والمذهب الإصلاحي البروتستانتي من جهة أخرى، تقول ويدغود: “انقسمت أوروبا بعد مارتن لوثر إلى قسمين: بروتستانتي مؤمن بأفكاره وقسم ظل كاثوليكيا تابعاً للبابا والفاتيكان، وتخلى القسم الأول عن عقائد كثيرة في المسيحية، كتقديس رجال الدين أو إطاعتهم إطاعة عمياء، وكالاعتقاد بمعصومية البابا، إلى غير ذلك من الأفكار والعقائد التقليدية، ولكن البابا حاول سحق هذا الإصلاح الديني عن طريق القوة، ونتجت عن ذلك حروب ومعارك طاحنة طيلة القرن السادس عشر في عموم أوروبا”.

كان كلا الطرفين مشحوناً دينياً قبل أن تندلع الحرب المذهبية الكبرى بين الطرفين، وقد حصلت آخر محاولة للمصالحة في مدينة براغ عندما وصل إليها وفد كاثوليكي للتفاوض، وبعد مناقشات عديدة احتدت الأمور وتصاعدت اللهجة بين الطرفين، عندها اشتبكا ببعضهما البعض وقام البروتستانتيون برمي الوفد الكاثوليكي من نافذة القصر الذي جرت فيه المناقشات، وكانت تلك أكبر إهانة لجماعة البابا والطائفة كلها، وشكلت الشرارة الأولى لاندلاع الحرب عام 1618.

وتردف المؤلفة قائلة: “في ذلك الوقت كانت أوروبا الوسطى والشرقية ذات أغلبية بروتستانتية نسبياً، وأما اسكندنافيا، أي السويد والدانمارك والنرويج، فكانت ذات أغلبية بروتستانتية ساحقة إن لم تكن كاملة، وأما ألمانيا فكانت مقسومة إلى قسمين متعادلين تقريبا، ولذلك فإن الحرب فيها كانت هائجة وأدت إلى قتل عدد كبير من السكان وتدمير المحاصيل الزراعية حصول الفقر والمجاعات”.
انتهت حرب الثلاثين عاماً بعقد معاهدة صلح ويستفاليا سنة 1648 ، وأدت هذه المعاهدة إلى تشكيل الدولة القومية في أوروبا لأول مرة، وهي الدولة التي لا تزال سائدة حتى الآن، بمعنى أن العامل القومي أصبح مهما كالعامل الديني الطائفي بل وتفوق عليه لاحقا في القرن التاسع عشر. عندئذ أصبح الانتماء إلى القومية الألمانية أو اللغة الألمانية أهم بكثير من الانتماء إلى المذهب الكاثوليكي أو المذهب البروتستانتي، وعندئذ أصبح توحيد ألمانيا ممكنا بعد أن خفّت العصبيات الطائفية أو المذهبية فيها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.