صوت وصورة

 

سيطرت التنظيمات المتطرفة على مناطق سورية واسعة، وتحكمت بإدارة تلك المناطق ومثلت النفوذ الأكبر فيها، فكانت هذه التنظيمات بحاجة لإجراء معاملات تجارية داخلية وخارجية لإغناء مخزونها الاقتصادي، عندها برز تجار الحروب بشكل كبير وظهرت أسماء جديدة وأنواع جديدة من تجارة الحروب في سوريا والعراق، وكان المتطرفون المستفيدين الأكبر من هذه التجارة.
في شمال وشرق سوريا وشمال غرب العراق، انتشر تنظيم داعش وبسط سيطرته على العديد من المدن والبلدات العراقية والسورية، وأخذ التنظيم ببناء دولته والتمدد على حساب الأطراف الأخرى من قوات حكومية ومعارضة مسلحة وفصائل أخرى، بهدف السيطرة على أكثر الموارد ممكنة، وعلى رأسها آبار النفط والمساحات الزراعية الواسعة في الدولتين.
قاتل التنظيم فصائل الجيش الحر وجيش النظام والمليشيات الكردية في الحسكة والرقة و ديرالزور؛ و استشرس في هجومه بغية السيطرة على العديد من آبار النفط في المنطقة، ثم بدأ بإنتاج النفط وتصديره خارج مناطق سيطرته فاتحاً باب التعامل التجاري مع المحيط.
لذا لم يكن تحرك تنظيم داعش صوب منطقة الجزيرة السورية واستيلاؤه على أجزاء كبيرة منها اعتباطيا، فالتنظيم الذي بات أغنى التنظيمات الإرهابية في العالم، أغوته رائحة النفط الآتية من هذه المنطقة الغنية، وسيطرته عليها ضمنت له أهم مورد لبقائه وتمدده إلى جانب مصادر تمويل أخرى ثانوية.

وفي الوقت الذي كان فيه رئيس النظام السوري بشار الأسد يرفع فيه صوته باتهام الغرب بغضِّ الطرف عن عمليات التهريب التي ينفذها تنظيم داعش باتجاه الاراضي السورية وتقديم الدعم اللوجستي للتنظيم من قبل أجهزة استخبارات دولية في ما اسماه “المؤامرة على سوريا”، كان النظام السوري أكبر المتعاملين مع تنظيم داعش؛ عن طريق سماسرة وتجار موالون للنظام، ويُعد عضو البرلمان السوري حسام قاطرجي أبرز مبرمي الصفقات سراً مع التنظيم لصالح النظام.
فتجارة النفط لدى داعش كانت بكميات كبيرة مع قوات النظام في دمشق وبمردود مرتفع للتنظيم ، إذ شكل النظام أكبر المستوردين للنفط من التنظيم، فكان التنظيم يبيع الفائض من النفط بعد سد حاجة المناطق التي يسيطر عليه، كما صدّرَ التنظيم قسماً من النفط المستخرج إلى العراق وباعه لسماسرة مرتبطين بشركات خاصة وبعضهم لديه تعامل مع الحكومة العراقية ومليشيات طائفية، وقليلٌ إلى باقي المناطق السورية الخارجة ع سيطرة النظام.
يقول الدكتور أسامة قاضي، رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا في تصريح للعربية نت: “في ضوء الأزمة الخانقة التي يعاني منها الاقتصاد السوري والمحاولة المستميتة من قبل النظام للظهور بمظهر المتحكم باقتصاد البلاد، لجأ الأخير إلى جانب الدعم الإيراني الذي يصل إليه عن طريق العراق، إلى التعامل مع تنظيم داعش المسيطر على غالبية نفط سوريا”.
ويوضح رئيس مجموعة عمل اقتصاد سوريا: “هناك معلومات تفيد بوجود صفقة عقدها النظام مع تنظيم داعش فيما يخص حقل توينان في البادية السورية، بإشراف ما يسمى “بوالي الرقة” أبو لقمان في بداية أبريل 2014، حين فرض داعش سيطرته على الحقل وعلى جميع أملاك الشركة النفطية في المنطقة، وباستشارة من أحد عناصر لواء “أويس القرني” المنضمّين إلى داعش، تم حينها التوصل إلى اتفاق مع النظام السوري لتوقيع عقد ينص على قيام التنظيم بحماية الحقل وتأمين وصول المواد الخام إلى مصافي النظام، فيما يؤمن النظام الصيانة والمهندسين لإدارتها، على أن تقسم الأرباح إلى قسمين؛ 60% للنظام و 40% لتنظيم داعش”.
ويتابع القاضي: “لقد أرسل النظام عدّة ورشات لصيانة تلك المصافي، وتفيد معلومات بأن النظام يشتري مادة المازوت من تنظيم داعش بـمبلغ 55 ليرة سورية ليبيعها للمواطن السوري في مناطق سيطرته بـ مبلغ125 ليرة، في حين تصل مادة المازوت في المناطق التي تخضع لسيطرة المعارضة المسلحة في شمال غرب سوريا لمبلغ 400 ليرة سورية للتر الواحد.”
مصطفى العرابي، سائق صهريج نفط، عمل منذ عام 2014 حتى عام 2016 في نقل النفط من مناطق سيطرة التنظيم إلى مناطق سيطرة المعارضة المسلحة مروراَ بالأراضي التي تسيطر عليها المليشيات الكردية، يقول مصطفى: “يفرض التنظيم على السائقين ضرائب قد تصل أحياناَ إلى عشرين بالمئة من قيمة النفط المنقول تضاف إلى قيمة النفط الذي تم شراؤه من التنظيم، في حين تأخذ القوات الكردية مبلغاّ ماليا من الصهاريج يتغير كل فترة وأخرى كتذكرة للعبور في مناطق سيطرتهم، ويصل النفط لمناطق سيطرة المعارضة بمبلغ أكبر من مناطق سيطرة النظام بسبب المخاطر التي يواجها، والإتاوات التي يدفعها التجار والسائقون على طول الطريق”.
وتحدث أحمد الصالح، أحد التجار الذين كانوا يتعاملون مع تنظيم داعش لتأمين النفط لمناطق النظام في ديرالزور، عن سبب تعامله مع التنظيم حيث يقول: “كان التنظيم ولسنوات ثلاث تقريباَ يسيطر على ما يقارب 80% من حقول النفط في سوريا، ومن المعلوم أن النفط اليوم هو عصب الحياة في أي منطقة، فكل شيء يعتمد اليوم على المازوت والبنزين والغاز في الحياة اليومية والخدمات للمدنيين الذين لا دخل لهم في أي صراع جاري في المنطقة، كان لابد من التعامل مع المتطرفين لتأمين احتياجات الناس ولو كان الموضوع خطيراَ وصعباَ، إلا أننا استطعنا تأمين النفط للأهالي في المناطق المختلفة”.

ولم يفتح تنظيم داعش باب تجارتها على النفط وحسب، بل أدخل المواد الزراعية وعلى رأسها القمح ضمن صفقاته التجارية المبرمة مع النظام السوري، وقال مزارعون من محافظة الرقة، المعقل السابق للتنظيم، أن هذا الترتيب ساعد النظام السوري في توفير الغذاء للمناطق التي لا تزال تحت سيطرته؛ بعد أن سيطر التنظيم على منطقة زراعة القمح في شمال وشرق سوريا.
وأضاف المزارعون أن تجاراً يعملون لحساب رجل الأعمال السوري وعضو مجلس الشعب، حسام قاطرجي، كانوا يشترون القمح من المزارعين في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، وينقلونه إلى دمشق بعلم التنظيم الذي كان يجني عمولة للسماح بنقل القمح خارج مناطق سيطرته.
أويس علي، النائب في مجلس القيادة المشتركة للطبقة، وهو مجلس مماثل للمجلس المدني في الرقة لمرحلة ما بعد داعش، تحدث عن علمه بتفاصيل بيع القمح لقاطرجي، من خلال التحدث مع معتقلين من تنظيم داعش وآخرين كانوا يعملون في تحصيل الضرائب ورسوم الطرق للتنظيم، حيث قال: “شاحنات قاطرجي كانت معروفة، والشعار عليها كان واضحًا، ولم تكن تتعرض لأي مضايقات”، مشيرًا إلى أن رجال قاطرجي نشطوا خلال موسم الشراء الأخير، من أيار/ مايو إلى آب/ أغسطس من عام 2017 مقابل إعطاء التنظيم عمولة 20% من قيمة القمح.”
ولم يكن تعامل النظام السوري مع تنظيم داعش فقط، فقد عقد النظام عدة اتفاقيات تجارية مع المتطرفين في مناطق سيطرتهم شمال غرب سوريا كتنظيم “جبهة النصرة”؛ الذي يسيطر على المعابر التجارية مع النظام السوري، والذي يقوم من خلالها بتصدير المواد الزراعية وبعض الصناعات البسيطة، كما تفرض جبهة النصرة ضرائب على المواد الخارجة والداخلة عن طريق تلك، لتأمين مصدر تمويل لها في مناطق سيطرتها.
ويقول فؤاد المصطفى، تاجر مواد غذائية، أنه يصدر منتجاته إلى دول الخليج العربي عن طريق لبنان، وتقع مصانعه في مدينة إدلب، ولكي ينقل بضائعه يحتاج أن يدفع ضرائب لإدارة المعبر مع النظام بالقرب من مدينة حماه السورية، كما أنه يدفع للنظام السوري كي يستطيع العبور ضمن مناطق سيطرته إلى لبنان.

ولم ينحصر التعامل مع تنظيم داعش على المستوى المحلي فقط، بل طال الأمر شركات أجنبية مثل ما حدث مع شركة “لافارج” الفرنسية لصناعة الإسمنت .إذ أوضحت صحيفة لوموند الفرنسية في عددها الصادر، بتاريخ21 يونيو 2016، أن الأمر يتعلق بمصنع “لافارج” بمدينة جلابيا، شمال شرقي سوريا، الذي اشترته الشركة في العام 2007 من شركة “أوراسكوم” المصرية. وتماشيا مع القوانين السورية، اضطرت “لافارج” إلى منح نسبة من أسهم الشركة إلى رجل الأعمال السوري المقرب من السلطة فراس طلاس.
وبحسب مصادر الصحيفة، فحتى نهاية العام 2013، كان المصنع يشتغل بوتيرة عادية رغم الاضطرابات التي عمت سوريا في عام 2011، وكانت القوات الحكومية تتكفل بحراسته حتى صيف 2012، تاريخ انسحابها من جلابيا، بحيث صارت قوات “وحدات حماية الشعب الكردي” تتكلف بحراسته باتفاق مع إدارة “لافارج”.

وابتداء من العام 2013، بدأت وتيرة إنتاج المصنع في التراجع، ما جعل أسعار الإسمنت ترتفع بشكل مهول في السوق السوداء. وما بين العامين 2013 و2014، عندما سقطت مدينة الرقة بأيدي مسلحي داع”، وبعدها بلدة منبج التي تقع على بُعد 65 كيلومترا شرق مقر المصنع، قامت إدارة “لافارج” الفرنسية، من مقرها الرئيس بباريس، بشتى المحاولات لضمان أمن المصنع وعماله وتأمين الطرق التي تسلكها الشاحنات منه وإليه. وبحسب المصدر، فقد استعانت “لافارج” بخدمات شخص أردني يدعى أحمد جلودي، بعثته الإدارة إلى مدينة منبج مستهل العام 2013، ليتولى تأمين اتصالات مع مسؤولي “داعش” وأمرائه المتواجدين في الرقة المجاورة.
وقد حصلت الصحيفة الفرنسية على نسخ من رسائل إلكترونية متبادلة بين جلودي والمدير العام للفرع السوري لشركة “لافارج”، فريديريك جوليبوا، الموجود في العاصمة الأردنية عمان، وتتعلق بالتحويلات المالية اللازمة لرشوة تنظيم “داعش”. وكانت الرسائل تصل أيضا إلى مدير أمن الشركة في باريس، جان كلود فييار، ما يثبت أن إدارة “لافارج” كانت موافقة على التعاون مع “داعش” وتمويله بطريقة غير مباشرة عبر “الإتاوات”.
واتهم القضاء الفرنسي الشركة بتعريض حياة عمالها للخطر، ودفع نحو 35 مليون دولار لتنظيم داعش ، من أجل الاستمرار في العمل. كما أكد تحقيق “لوموند” أن الشركة كانت تشتري البترول من تجار السوق السوداء الذين كانوا على علاقة بالتنظيم، وأيضا بعض المواد الأولية اللازمة لصناعة الإسمنت، مثل الجبصين والبوزلان من مناطق محاذية لمدينة الرقة.

يحاول الكثير ممن يتعامل مع التنظيمات المتطرفة تبرير عمله لضرورة المواد التي يحتاجها الناس وتمتلكها تلك التنظيمات، ولكن لا بد من توضيح أن المستفيد الأكبر من هذا كله هم التنظيمات المتطرفة اللذين يحصلون عن طريق تجارتهم مع الأطراف الأخرى على مصادر تمويل تساعدهم في نشر فكرهم المتطرف وبسط سيطرتهم بشكل أكبر. فقد حولت هذه التنظيمات عائدات تجارتها إلى مخزون اقتصادي يُستخدم في تجنيد المزيد من العناصر وشراء الاسلحة التي تم توجيهها في معظم الأوقات إلى صدور المدنيين وكانت وسيلة لمعاقبتهم أو سلبهم حياتهم.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.