صوت وصورة

 

يقضي الطفل على مدار 12 سنة دراسية ثلث يومه في المدرسة، وبذلك تكون أكثر مكان يتواجد به بعد منزله، لذلك اقترنت العملية التعليمية بالعملية التربوية، لما للمدرسة من دور مهم في التربية وتأسيس الجيل الناشئ، فإذا كانت المدرسة منبعاً للعلم والأخلاق الحميدة والفكر السليم، نشأ مجتمع صحي معافى قادر على التطور والتقدم، أما إذا كانت المدرسة بؤرة فساد، أنتجت جيلاً فاشلاً لا أخلاقياً، سمته الأساسية التخلف، ومرضه الجهل.
ويُعد المعلم حجر الأساس للمدرسة، فهو الذي يؤسس الأجيال على مر الأعوام، ويأخذ الطفل عنه المعارف والأخلاق، وبما أن الطفل في السنوات الأولى من الدراسة يكون أكثر مرونة وينسخ الكثير من التصرفات عن الآخرين، فمن الطبيعي أن يكون تأثير المعلم عليه كبيراً وأن يتخلق ببعض أخلاقه ويتحلى ببعض صفاته، ومن هنا أتت أهمية دور المعلم في مكافحة الأفكار المتطرفة وزرع الأفكار البديلة الصحيحة في عقول الناشئة كون التلاميذ يرونه المثال القريب الذي يجب أن يحتذون به، ولعل هذا ما يُفسر انتشار التطرف بشكل كبير في السنوات الخمس الأخيرة على الأراضي السورية، نتيجة انخراط عدد كبير من المتطرفين ضمن العملية التعليمية والتربوية.
حيث يرى الكاتب الصحفي حسني عبد الحافظ: “أن ظاهرة التطرف هي بالأساس ظاهرة فكرية-سلوكية، وصناعة تعليمية خاطئة، وإن أفضل عملية استباقية للوقاية من شرورها، تتمثل في إشهار سلاح التعليم الصحيح في وجهها، وبالتالي القضاء عليها قبل أن تولد”. ويتفق الكثير من الباحثين التربويين، مع خبراء في مكافحة الجريمة، على ضرورة دعم وتشجيع مؤسسات الدولة للتربويين، في سبيل بذل المزيد من الجهود لحماية الجيل الناشئ من الأفكار الهدامة والمتطرفة، وتوجيهه نحو فكر وسطي بناء يقبل الآخر، ويساهم في تحقيق أمن وسلامة المجتمع، حيث كتبت المفوضة الاوروبية سيسيليا مالمستروم مقالاً تتحدث فيه عن ضرورة تفعيل دول المدارس في مكافحة التطرف لما لها من تأثير مباشر على الأطفال واليافعين، وذلك عن طريق رفع مستوى الدعم المقدم للمدارس والانشطة الاجتماعية التي تُبعد الأطفال عن فكر التطرف.
كما وافقت الحكومة البلجيكية على تمويل ثمانية مشاريع تنفذها منظمات معنية بمجال الشباب، وهي مشاريع تهدف إلى مكافحة الاستقطاب والتطرف في أوساط الشباب، من خلال العمل على تجنب حدوث تزايد في أعداد الشباب اللذين يتركون التعليم من دون الحصول على مؤهل دراسي، وكذلك مكافحة جرائم الشباب صغار السن، والتصدي لآفة التطرف، وأي محاولة لاستقطاب هؤلاء الشباب.
وحسبما أعلنت ھیلنا كریفتس وزيرة التعليم في الحكومة البلجيكية، فقد وافقت الوزارة على إطلاق ثمانية برامج لحماية الشباب من التطرف والاستقطاب. وقالت الوزيرة: إن “التعليم لديه مهمة وقائية عندما یتعلق الأمر بالتطرف والاستقطاب، هناك رغبة من جانب المدارس ومنظمات المجتمع المدني لمساعدة الشباب الضعفاء في اختيار طريق الدراسة، والقيام بالواجبات المدرسية، وتنمية المواهب، ومعالجة حالات الفصل الصعبة”. ومن بين البرامج التي حصلت على تمويل هناك، برنامج في مدرسة “إیرسموس العلیا” في بروكسل، لتدريب المعلمين والطلاب في المدارس على المشاركة في الحوار والتعامل مع أي محاولة للاستقطاب المتطرف.
في المناطق التي سيطرت عليها التنظيمات المتطرفة شمال وشرق سوريا، كان تأثر الأطفال بهذه التنظيمات أكثر من غيرهم، حيث عملت تلك التنظيمات جهدها على غسل عقول الأطفال والترويج لأفكارهم المسمومة في نفوس الناشئين، من خلال السيطرة على المدارس وتغيير المناهج، وتعيين مدرسين يتبعون لهم كمعلمين ومشرفين على العملية التعليمية، لكن مع خروج هذه التنظيمات من القسم الأكبر من المناطق التي كانت تحتلها، ظهر التحدي الحقيقي في مكافحة أثر التطرف داخل المجتمع.
كان المعلمون خط الدفاع الأول في صد الآثار المتطرفة المترسبة في المجتمع، ومسح الأفكار المسمومة لدى الأطفال، بعد إعادة تفعيل دورهم التربوي والتعليمي واستلامهم لزمام الأمور، ويشير سامي كنعان، أحد الآباء من ريف الرقة، عن الأثر الذي تركه تنظيم داعش الإرهابي لدى أطفاله، حيث قال: “كانوا يعلمونهم القتل في المدارس، حقيقة وليس مبالغة، كانوا يعلمونهم استعمال السلاح وهم أبناء عشر سنوات، ويزرعون الكره والحقد لديهم، لم أستطع الاعتراض خوفاً من بطش التنظيم، والأسوأ أن يقنعوا طفلي بقتلي بيديه كما حدث في عدة مرات داخل مناطق سيطرة داعش، ولكن بعدما تم طرد التنظيم من قريتنا، عادت الحياة لما كانت عليه قبلهم، عملت كل ما بوسعي لأن يتعلم أطفالي الدين الصحيح، والتربية الصحيحة، وللمدرسة الدور الأكبر الذي ساعدني في ذلك”.
ويتمثل دور المعلم في الوقاية من التطرف الذي قد يتسلل إلى الطلاب في مدى قُدرته على تأسيس فكرٍ سليم؛ تستطيع عقول الطلاب -في المراحل العُمرية اللاحقة- البناء عليه بما يُحقق طموحات الأفراد ويخدم المجتمع، ويتحدث محمد الراوي، معلم في إحدى مدارس مدينة الباب شمال شرق حلب، عن التحديات التي واجهها بعد خروج تنظيم داعش من مدينته قائلاً: “أتلف تنظيم داعش جميع المناهج التعليمية التي كنا نُدرسُّها، مما اضطرنا أن ننتظر طباعة مناهج جديدة، وعملنا بالبداية ضمن الإمكانيات المتاحة لتغيير الأفكار المتطرفة والمشبوهة، علمنا الأطفال على التسامح والمحبة والغفران، كان الأمر في البداية صعباً لكن ومع خطة ممنهجة اتبعناها في معظم المدارس ترتكز على العمل الجاد وإحياء المبادئ الإنسانية، استطعنا أن نتقدم كثيراً، وما يزال العمل جارياً، لكنه يحتاج للوقت ولمزيد من الجهد”.

وتروي أماني الحسن، معلمة في مدينة عفرين، التي كانت تسيطر عليها قوات PYD التابعة لحزب العمال الكردستاني الإرهابي، المصاعب التي واجهتها بعد دحر التنظيم المتطرف من عفرين، حيث قالت: “كانت الأفكار المتطرفة لدى PYD ترتكز بشكل أساسي على التعصب للقومية الكردية، والدعوة الانفصالية وتأسيس دولة كردية يعتبر المتطرفون أن عفرين جزءاً منها، حاول هؤلاء المتطرفون تجنيد الأطفال، وغسل عقولهم، وكانوا يعلمونهم على السلاح وكره العرب، زرعوا في قلوبهم الحقد والكراهية”. وتشير أماني إلى دور المعلمين في المنطقة لإزالة ايدلوجية الحزب الزائل بعد خروجه من عفرين فتقول: ” كانت مهمتنا في تغيير هذه الأفكار صعبة جداً، فأعوام من سيطرة الحزب على عقول الأطفال تحتاج لمجهود مضاعف لإعادة الأطفال إلى الطريق السوي، فكان علينا خلق جو تعليمي بعيد كلياً عن ذاك الذي كان يفرضه حزب PYD، ويقدم المعلمون كل ما يستطيعون من أجل إزالة فكر التطرف من الأطفال، لكننا نحتاج الكثير من المساعدة، ويجب على السلطات تقديم الحلول بشكل سريع، وعلى المدرسين التعاون لزرع الأفكار المستنيرة في عقول الأطفال من المحبة والتسامح والتعاون والمواطنة”.
ويرى صالح رزوق، الناشط في المجال التربوي في ريف إدلب الجنوبي، أنه هناك الكثير من الأمور التي تقع على عاتق المدرس من تطويرٍ للأسلوب واستيعاب للطلاب وصولاً للعب دوره كقدوة حسنة على أكمل وجه حيث يقول: “يجب على المعلم اتباع طُرق التدريس الحديثة، التي أثبتت فاعليتها في الوصول إلى الطالب على نحو جيد، والابتعاد عن الطُرق التقليدية، التي تُعظِّم الحفظ على حساب الفهم، فشعور الطالب بأنه مُجرد وعاء لحِفظ المعلومات، التي يسترجعها في ورقة الامتحان، يجعله أكثر سهولة للانقياد إلى الأفكار، وأكثر صرامة في تطبيقها، دون إعمال العقل، ومن ثم يُصبح صيدًا سهلاً للمؤدلجين فكرياً، وعلى المعلم أن يُمارس دوره باعتباره قُدوة ومثل أعلى، ومن ثم لا مناص أن يظهر أمامهم دائماً بمظهر لائق، فهو بديل الأب خارج نطاق الحياة الأسرية، ويقوم بدور مُهِم ومؤثر في حياة النشء.” ويضيف رزوق: “المعلم الماهر، هو من يعمل على دفع تلاميذه نحو التطبيع الاجتماعي، عن طريق تشجيع ودعم الاستجابات المرغوبة، وإضعاف وإطفاء الاستجابات السلبية، مثل الأنانية والعدوانية والخشونة”.

إن محاربة التطرف ومكافحة آثاره في المجتمعات التي تتعافى منه ليست بعملية سهلة، تحتاج الكثير من الجهد والوقت، لكن أكثر ما تحتاجه هو التعاضد والتكاتف بين جميع الأطراف لتأسيس جيل سليم معافى من الأفكار المسمومة، ولعل أكثر طرفين مؤثرين في مكافحة التطرف هما الأسرة والمدرسة حيث يكمل كلٌ منهما مجهود الأخر لتكليل العملية التربوية بالنجاح.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.