صوت وصورة

 

عند البحث عن نشوء الفكر المتطرف في المجتمعات حديثاً، نجد الكثير من الأسباب التي ساهمت بشكل أو بآخر من ظهور التطرف، منها الجهل وقلة الوعي والفهم الخاطئ للنصوص الدينية، ومنها التربية الخاطئة والمشاكل المجتمعية، إلا أن هناك عوامل ساهمت في تأجيج الكراهية والحقد، وهما وقود الفكر المتطرف، وتقف الحكومات والسلطات القمعية في العديد من البلدان خلف تغذية هذه العوامل، إلى جانب عملية “صنع العدو” التي قامت بها بعض الحكومات لتبرير تدخلاتها في مناطق عديدة واحتلالها لمناطق أخرى، إلا أن التطرف الذي صنعوه خرج عن نطاق سيطرتهم وتحول لإرهاب يهدد دول العالم أجمع.
وكما جاء في كتاب السياسي مايكل ريفير والذي يحمل عنوان “تزييف الإرهاب – سبيل إلى الديكتاتورية” أن الحكومات المشتبه بمشاركتها في هجمات 11 أيلول ، قد أحييت أقدم خدعة إلى العصر الروماني، تنص على إنشاء الأعداء التي تحتاج إليهم السلطة، لاستخدامهم في تحقيق مآربها، وذلك من خلال إحياء أقدم فكرة في التاريخ السياسي والعسكري، وهي خلق وصناعة أعداءها بنفسها، سواء كان أولئك الأعداء حقيقيون أم وهميون، من أجل تهيئة الأجواء المناسبة لجعل العالم يسير خلف مخاوفه.
ينطبق كلام الكاتب مع سياسة أميركا في ثمانينيات القرن العشرين عندما قدمت الدعم المالي والعسكري لتنظيم القاعدة من أجل صد غزو الاتحاد السوفييتي لأفغانستان، ورغم خروج الاتحاد السوفييتي منها بعد قرابة العشر سنوات، إلا أن أميركا خلقت وغذت عدواً لها كانت أكبر عملياته الإرهابية في عمق الأراضي الأميركية، ولينقلب لاحقاً من تنظيم مدعوم أميركياً، إلى العدو الأول لأميركا يتواجد في مناطق عدة خارج افغانستان حيث توجد المصالح الأميركية، مما هيأ للحكومة الأميركية التدخل سياسياً وعسكرياً في هذه البلدان تحت ذريعة وجود عدوٍ يهدد المصالح الأميركية هناك، وهو ما لاقى ترحيباً لدى الشعب الأميركي بعد الهجمات الإرهابية التي نفذها تنظيم القاعدة في أميركا وأوروبا. ولا يمكن الجزم بحقيقة موقف الحكومة الأميركية عندما قررت دعم تنظيم القاعدة في بداية تشكيله، وهل يندرج هذا القرار تحت بند الخطأ المقصود أو غير المقصود، إلا أن هذا الخطأ ساهم بوجود أحد أشرس التنظيمات الإرهابية اليوم.

في سوريا، مارس نظام الأسد خلال توليه السلطة سياسة القبضة الحديدية وقمع الحريات أسلوباً للحكم،
ومع بداية الثورة السورية، كانت فئة الشباب هي الأكبر ممن شارك في الحراك السلمي والمظاهرات المنددة بالممارسات القمعية، إلا أن النظام السوري قابل تلك الحركات السلمية بالقمع واعتقل الآلاف وزجهم بالسجون، ومارس عليهم مختلف أنواع التعذيب، وعمل على ارتكاب المجازر الميدانية وحملات التطهير العرقي في مناطق مختلفة من سوريا، مما حول الثورة من حالتها السلمية إلى حالتها العسكرية بهدف الدفاع عن النفس لمواجهة آلة القتل التي استخدمها النظام في قمع الشعب السوري.
ومع دخول الثورة السورية إلى الطور المسلح زاد النظام أساليبه القمعية، فاستخدم كل الأسلحة الفتاكة لاستهداف الشعب، حتى المحرمة دولياً منها، مما دفع العديد من الشباب للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة التي استغلت حماس الشباب واندفاعه لمواجهة النظام المجرم، حيث لعبت التنظيمات المتطرفة على وتر العاطفة ووعدت الثائرين بتخليصهم من النظام والقضاء عليه، فانضم المئات من المقاتلين إلى صفوف المتطرفين، الذين أرادوا أن يقاتلوا النظام.
رامز البكور، ناشط من مدينة إدلب، كان من المنضمين للحراك السلمي في بدايته، وواكب ظهور التنظيمات المتطرفة في منطقته، يتحدث عن ممارسات النظام التي دفعت العديد للتطرف، حيث يقول: “كان النظام يقصف المدن ويقتل المدنيين، فاستغلت التنظيمات المتطرفة ممارسات النظام لصالحهم، وأخذوا يدعون الشباب للانضمام إلى صفوفهم، بعد تقديم وعودٍ بإسقاط النظام وإيقاف الممارسات القمعية التي يقوم بها اتجاه الأهالي، الكثير من المقاتلين صدقوا المتطرفين لأنهم كانوا يائسين، وانضموا للتنظيمات المتطرفة”.
لم تقف ممارسات النظام السوري عند القتل والتشريد والاعتقال، بل إنه قام بإطلاق سراح المتطرفين من سجونه بعيد انطلاق الثورة السورية بعدة شهور، فكما ذكر سامر عبد الوهاب، أحد المعتقلين السابقين في سجن صيدنايا والذي تم الإفراج عنه أواخر عام 2015، بأن النظام السوري جمع المتطرفين الجهاديين من الزنازين، وأطلق سراحهم خلال أيام، حيث قال: “تفاجأنا بإطلاق سراح العديد من المتطرفين، والذين كانوا يحاولون تجنيد المعتقلين للانضمام لهم واعتناق فكرهم، وكانت المفاجأة الأكبر عند خروجنا من السجن ورؤية هؤلاء المتطرفين يتزعمون العديد من الفصائل المتطرفة ويضمون العشرات إلى صفوفهم، كنا نحاول تحذير الناس منهم، إلا أنهم كانوا مدعومين بالسلاح والمال، واستمالوا المقاتلين من الجيش الحر إلى صفوفهم، ليصبحوا لاحقاً متطرفين دون علمهم”.
ولم يكتفي النظام بإطلاق سراح المتطرفين من سجونه، بل عمل ايضاً على تفريغ ساحة الثورة السورية من المثقفين وإبقاء المتطرفين أو أصحاب الخلفية الإجرامية لقيادة الحراك، وبحسب محمد الخضر مدير منظمة صوت وصورة، فقد شن النظام حملات اعتقال طالت أطباء ومعلمين شاركوا في الحراك السلمي من أجل تغييب الصوت الواعي عن الثورة ودفعها نحو التطرف، ويضيف الخضر: “صدام الجمل من أبرز قياديي تنظيم داعش في محافظة ديرالزور بعد عام 2014، كن يتجول بحرية أمام أعين قوات النظام دون المساس به، وكان من أوائل حملة السلاح، وذو سمعة سيئة في المدينة، إلا أن النظام لم يعتقله وتوجه لاعتقال مثقفين كانوا يطالبون بإبقاء الثورة على حالتها السلمية وإبعاد التطرف عنها”.
في العراق، كان لممارسات الحكومة العراقية الطائفية، وانتشار الميليشيات الطائفية بشكل كبير بدعم من الحكومة، دور كبير في صناعة التطرف هناك، وحسب الناشط من مدينة الموصل العراقية حسام الهزاع، والذي غادر إلى تركيا هرباً من الحكومة العراقية، ومن الميليشيات الطائفية والتنظيمات المتطرفة، يرى الهزاع أن انضمام الآلاف لصفوف تنظيم داعش فقط لمواجهة الميليشيات الشيعية وهرباً من بطش الممارسات الحكومية بحق بعض المناطق في العراق، ويضيف الناشط: “لم يرغب الشباب الذين انضموا لتنظيم داعش بالانضمام، فهم لا يحملون فكره ولا يقتنعون بما يحمله التنظيم من شعارات، لكنهم لم يجدوا البديل إلا القتال مع المتطرفين في مواجهة الطائفيين، فقبعوا ضمن خيارين أحلاهما مُر، وهذا ما أدى لتدمير مدينة الموصل بالكامل ، والحكومة تتحمل هذا الأمر بشكل كبير”.

كما يُعد الوضع الاقتصادي السيء وضعف الثقة بالعملية السياسية كأسباب رئيسية دفعت العديد من الشباب للانضمام إلى التنظيمات المتطرفة، فالحكومات التي كانت تنهب خيرات الشعوب، والسياسيون الذين كانوا يكذبون على الجميع، ويخدعون من وثق بهم على مر السنين، دفع الشباب الناشئ لسلوك عدد من المناهج والطرق للخروج من حالة الاغتراب الوطني، فمثلت الهجرة أولى الطرق لذلك، أما الشكل الثاني فقد اتخذ حالة من العنف السياسي والعسكري المنظم وذلك من خلال الانضمام إلى التنظيمات المتطرفة والمتعصبة والإرهابية.

ويبدو أن الدول لاتزال ترتكب الأخطاء في سياستها اتجاه التنظيمات المتطرفة، ففي مقابلة أجراها أغيد الخضر الناشط ضد المجموعات المتطرفة مع صحيفة التليغراف البريطانية، قال الخضر أن البيروقراطية والسياسة الخاطئة في معاملة أعضاء التنظيمات الإرهابية سبباً بتواجد العشرات من عناصر تنظيم داعش حالياً على الأراضي الألمانية، وقال أن نشطاء قاموا بإبلاغ السلطات عنهم، لكنهم قيل لهم إنه لا يمكن القيام بأي تصرف دون وجود دليل، “الشرطة لا تستطيع أن تفعل أي شيء لأننا لا نملك صوراً أو فيديو لهم اثناء تواجدهم مع تنظيم داعش، نحن نحاول الحصول على أدلة، لكن الأمر يستغرق وقتًا ويمنحهم الفرصة للهروب وتغيير أماكنهم”. واختتم الخضر كلامه قائلاً: “أعتقد أن تنظيم داعش الجديد سوق يظهر خلال الأربع سنوات القادمة من أوروبا، ربما الديمقراطية ليست جيدة دائما خصوصاً عند التعامل مع الإرهابيين”.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.