صوت وصورة

 

بعد انحسار التنظيمات المتطرفة وخسارتها لكثير من المناطق التي كانت تسيطر عليها في سوريا، وقع العديد من المقاتلين في صفوف هذه التنظيمات أسرى بيد السلطات والقوات التي سيطرت على تلك المناطق بعد هزيمة المتطرفين، بعض المنتمين لمجموعات متطرفة كتنظيم داعش سلم نفسه، والبعض الآخر قُتل أو وقع في الأسر أثناء المعارك الدائرة.

في الشمال الشرقي لسوريا، بقي تنظيم داعش مسيطراً لما يقارب الثلاث سنوات على مناطق في محافظات الرقة ودير الزور والحسكة، ومع بدء المعارك لمحاربته بقيادة التحالف الدولي، خسر التنظيم الكثير من المقاتلين ومناطق النفوذ والموارد التي كان يعتمد فيها تمويل معاركه، وبذلك أخذ التنظيم بالانحسار شيئاً فشيئاً، وبدأ المتطرفون بالاقتناع أن التنظيم قد هزم، وأن الوهم الذي بُنيت عليه دولتهم قد زال، فما كان لهم من مهرب سوى تسليم أنفسهم أو الانتحار، واختار أغلب الناجين الاستسلام. كان معظم من سلّم نفسه للسلطات من جنسيات أجنبية مختلفة انضمت للتنظيم بين عامي 2013 و2015، فقد وجد هؤلاء أنه من الأفضل لهم العودة لموطنهم ومحاكمتهم على أن يقاتلوا في سبيل قضية اتضح أنها خاسرة.

في الشهر الأول من 2018 بث المركز الإعلامي لوحدات حماية الشعب الكردية مقابلة مع الفرنسي “توماس بارنوين” المعروف بأبو أحمد الفرنسي والمعتقل لديهم بتهمة الانتماء لتنظيم داعش والتخطيط لعمليات إرهابية في فرنسا، وجاء في تفاصيل الاعتراف الذي أدلى به بارنوين، بأنه حارب مع تنظيم داعش لمدة أربع سنوات منذ 2014 وحتى أواخر العام 2017 ولكنه أدرك بعد ذلك أنهم مجموعة من المجرمين والإرهابيين فحاول تركهم والهرب ولكن قبض عليه من قبل مليشيا قسد.
وتحدث بارنوين في الفيديو قائلاً: “لقد كنت طالباً جامعياً في فرنسا أدرس التاريخ واللغة العربية، متزوج ولي أربعة أطفال اثنان منهما ولدا لدى تنظيم “داعش” كما أنني مسيحي الأصل ولكنني أسلمت عام 1999 وقطنت في السعودية منذ 2003 وحتى 2006 للدراسة فيها حيث تم اقناعي عام 2005 بالأيديولوجية الإسلامية الجهادية من قبل بعض الدعاة السعوديين، قدمت لأول مرة من السعودية عبر الأردن إلى سوريا وبقيت في دمشق حيث تم اعتقالي وإرسالي إلى فرنسا ثم قامت السلطات الفرنسية بإيداعي السجن لمدة 3 سنوات وبعد خروجي من السجن قدم بعض المسلمين إلى منزلي وقالوا لي بأنهم أسسوا الدولة الإسلامية في العراق والشام وأقنعوني بالذهاب معهم والجهاد”.

يروي بارنوين قصته وعلامات الندم عن الأمور التي قام بها مع التنظيم واضحةً على وجه، كما تحدث عن العديد من الأساليب والطرق التي كان يدير بها التنظيم عملياته وإداراته في المناطق التي كان يسيطر عليها، مما يساعد في فهم هذا التنظيم بشكل أكبر والمساعدة في مكافحة التطرف مستقبلا، فالعديد من أمثال بارنوين كشفوا الكثير من الأسرار والمخططات التي كان يتم العمل عليها في كثير من الدول الأوربية، الأمر الذي ساعد السلطات في تلك البلدان على أخذ الحذر وبناء منظومات أمنية أفضل لمواجهة المتطرفين قبل القيام بأي عملية إرهابية، كما ساهم في تحسين الجهود المبذولة لمكافحة التطرف في المناطق التي خرجت من سيطرت التنظيم.
يقول بارنوين في مجمل حديثه أنه اكتشف لاحقاً الكثير عن التنظيم: “أعتقد بأن داعش صنيعة استخباراتية وليست منظمة إسلامية وتم تأسيسها من قبل البعثيين والاستخبارات لتنفيذ أجندات في سوريا ومنطقة الشرق الأوسط وأنا أراهم كاذبين ومجرمين ويريدون أن نقاتل ونموت في سبيلهم للحصول على النفط، ولم يكونوا صادقين معنا وإنما أسسوا منظمة لتجنيد المسلمين حول العالم ليلقى الكثير منهم مصرعه في معارك من أجل النفط، لقد تم خداعي”. ويدعي بارنوين محاولته الهروب من تنظيم داعش برفقة عدد من المقاتلين الفرنسيين إلا أن مليشيا قسد ألقت القبض عليه أثناء محاولته العبور إلى تركيا.

وفي حين كان اعتماد التنظيمات المتطرفة على العنصر الذكوري بشكل أكبر من العنصر النسوي، إلا أنه كان في صفوف التنظيمات المتطرفة عدد لا بأس به من النساء اللواتي شاركن في المعارك وتسلموا مراكز قيادية في مجال التخطيط والإعداد، وهن زوجات مقاتلين قدموا مع أزواجهن مقتنعين بفكر المتطرفين أو مرغمات من قبل أزواجهن كما حصل مع سامانثا بناء على أقوالها. حيث ادعت سمانثا سالي، الأمريكية من ولاية أنديانا، أنها قدمت لسوريا مع زوجها بعد عدة رحلات حول دول العالم، لكنها عندما وصلت تركيا لم تكن تعرف بمخططه وعندها خيرها بين الدخول معه إلى سوريا أو التخلي عن أطفالها، فاختارت البقاء مع أطفالها ومسايرته في مخططه.
في حديث لها مع قناة CNN الأميركية، تحدثت سامانثا عن تجربتها مع زوجها في تنظيم داعش، حيث عاشت سامانثا مع زوجها في منزل في أطراف مدينة الرقة. وتصف حياتها بأنها كانت “بمثابة كلب” لزوجها، إذ كان دائما ما يضربها، وتعرضت للعنف الجسدي أثناء قضائها 3 أشهر في زنزانة فردية، حيث احتجزها تنظيم داعش بسبب محاولتها الفرار وللاشتباه “بالتجسس”، كما أجبر مسلحو “داعش” ولدها ماثيو ذو العشر سنوات على المشاركة في أشرطة فيديو دعائية للتنظيم، وضربوه عندما حاول التهرب من ذلك. وانتهت قصة سامانثا مع “داعش” بعد تضييق الخناق على الرقة من قبل مليشيا قسد المدعومة أمريكياً، وقتل زوجها الذي كان قناصا لدي تنظيم داعش في إحدى الغارات الأمريكية بطائرة بدون طيار. وتمكنت سامانثا مع أطفالها من مغادرة الرقة في إطار إحدى الصفقات مع القوات الكردية لخروج عناصر تنظيم داعش من المدينة.
وكانت سامانثا سالي تروي قصتها، وهي محتجزة من قبل القوات الكردية التي هي نواة مليشيا قسد، في الأراضي السورية التي تحت سيطرتها، ووصفت مسلحي “داعش” الذين رأتهم في سوريا “بمجموعة من مدمني المخدرات”، وأعربت عن رغبتها في العودة إلى الولايات المتحدة مع أطفالها حتى في حال كانت ستواجه السجن.

ويتحدث أحمد الوافي المقاتل في صفوف الجيش الحر سابقاَ عن تجربته ضمن محاولة تنظيم جبهة النصرة في محافظة إدلب تجنيده للانضمام والقتال ضمن صفوفه، وشارك أحمد في إحدى معسكراتهم المغلقة عام 2014 التي كان التنظيم يقوم فيها بتدريب المقاتلين وإعدادهم نفسياَ وجسدياً لأداء المهام التي توكل إليهم، وبالطبع كانت الأولوية هي نشر فكرهم المتطرف بين صفوف المقاتلين، يقول أحمد: “كانوا يتحدثون دائما عن نصرة المظلوم ومساعدة المحتاج وحماية الأهالي، وهذا ما كنا نعمل عليه في الجيش الحر، لذلك رغبت بالانضمام إليهم كونهم يملكون موارد عسكرية أكثر، لكنني فوجئت بعد ذلك -في المعسكر- بأنهم يطمحون لإقامة الشريعة وفرض المحاكم الشرعية والقوانين الصارمة التي لا تمت للإسلام بصلة، كما أنهم كانوا كثيراَ ما يتحدثون عن الحور العين في الجنة كجائزة لمن يقتل في صفوفهم، كانوا يتلاعبون بعقول المقاتلين وخاصة صغار السن منهم”.
حاول أحمد الهروب من المعسكر، لكنهم أمسكوا به وسجنوه ثلاث شهور بتهمة الردة، التي كان عقابها الموت، إلا أن والده دفع الكثير من المال ليخرجه من السجن وهرب بعدها إلى مكانٍ آمن.

ولأن هؤلاء العناصر مركزاً للمعلومات وأداة متنقلة للفكر المتطرف إذا ما تم علاجه، تم افتتاح “المركز السوري لمكافحة الفكر المتطرف” في مدينة مارع بريف حلب بهدف إعادة تأهيل العناصر السابقين لدى تنظيم داعش، إذ يقول حسين ناصر مدير المركز إن فكرة المركز نشأت بعد نزوح المئات من عناصر تنظيم داعش من شرق سوريا و غرب العراق إلى المناطق التي تسيطر عليها فصائل المعارضة المدعومة من تركيا خصوصاً بعد انهيار تنظيم داعش هذا العام مما سبب توتر اجتماعي و خلل أمني خوفاً من قيام هؤلاء العناصر بتشكل تجمع جديد و القيام بتنظيم شبيه بتنظيم داعش. و يكمل الناصر أنّ المركز يسعى لنشر الوعي و إزالة الفكر المتطرف من عقول عناصر التنظيم مع محاولة تعزيز التسامح بين فئات المجتمع من خلال الدورات و المحاضرات بالتزامن مع نشر مواد إعلاميّة و ورقيّة مساندة لما يقوم به المركز .

ويتحدث ناصر عن قيام المركز بجلسات حواريّة و نقاشات ضمن قاعات مخصصة للعناصر الهاربين من التنظيم مع إعطاء دروس قام المركز بإنتاجها و ذلك بعد تقسيم المركز إلى ثلاثة مستويات، المستوى الأول و الثاني هم سوريون منهم من قام بتسليم نفسه للجيش السوري الحر و منهم من قام بانتهاكات بحق المدنيين، أما المستوى الثالث فهم عناصر التنظيم غير السوريين، منهم من العراق و تونس و تركستان وأوزبكستان وأوكرانيا و عدّة دول أخرى.”

ولأن التطرف ليس حصراً على منطقة، فنجد أيضاً مجموعات متطرفة في القارة الأوربية، ممن يحاولون القدوم للانضمام لتنظيم داعش في سوريا والعراق، أو ممن ينفذون أجندات التنظيم هناك، أو حتى أنهم مجموعات تشارك تنظيم داعش في التطرف وتخالفه في التوجه. لذا تعمل الحكومات الأوربية على إيجاد برامج من أجل إعادة تأهيل العناصر المتطرفة أو حماية السكان من الوقوع في مستنقع التطرف.
ففي المانيا يوجد برنامج يدعى “الخروج والدخول” الممول من الحكومة الألمانية والذي يساعد الأفراد على ترك مجموعات اليمين المتطرف من خلال توفير فرص التدريب أو خيارات التوظيف. ولا يعتمد البرنامج على كره الأجانب بل يقدم أفكارًا حول كيفية التعامل التدريجي مع العوامل الأساسية التي تسمح للمجموعات المتطرفة بالتطور. ويركز البرنامج على أن التعامل مع التطرف يحتاج أيضًا إلى مراعاة العوامل الاجتماعية والاقتصادية. كما يقدم البرنامج للمشاركين فرصة في إيجاد طريقة لترك الجماعات المتطرفة إعادة اكتشاف خيار الحياة طبيعية خارج التطرف.
يتشكل برنامج الخروج والدخول من قبل علماء الجريمة ومُحقق الشرطة السابق بيرند فاجنر وزعيم سابق لدى حركة النازيين الجدد. ويعمل البرنامج منذ صيف عام 2000 لتقديم المساعدة للخارجين من البيئات اليمينية المتطرفة والعنيفة. ويُعد برنامج الخروج والدخول أحد أكثر البرامج نجاحًا في إزالة التطرف والمساعدة في الخروج من العالم ، مع النظر إلى تجارب التطرف الأولى التي بدأها مؤسسها بيرند فاجنر في عام 1989.
وعمل البرنامج باستمرار لمساعدة الأفراد من جميع الخلفيات، مع التركيز على المنخرطين في الأوساط المتشددة جداً كقادة المجموعات والإرهابيين وقادة الأحزاب. ويقول القائمون على البرنامج أنه منذ عام 2000 حتى اليوم، تم مساعدة أكثر من 500 حالة فردية بنجاح وإبعادهم عن التطرف.

وفي الدنمارك تم اطلاق برنامج “نموذج آرهوس” في عام 2007 بعد أن أدت تفجيرات مترو لندن إلى إثارة القلق في الدنمارك بشأن وصول موجة الإرهاب إلى أوربا وكان لابد من إيجاد نهج أفضل للتعامل مع المجموعات المتطرفة. ويستند نموذج آرهوس على إشراك عدد من العلوم لإعادة تأهيل المشارك، معلم النفس وعلم السلوكيات وعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس المجتمعي بالإضافة إلى علم السياسة والفقه الديني من أجل فهم التطرف والأسباب التي تقف وراءه.

يقول رئيس بلدية آرهوس، يعقوب بوندسجارد: “إدراكاً بأن الانضمام إلى داعش تنبع من الشعور بالإقصاء في المجتمع الدنماركي، يهدف نموذج آرهوس أولاً وقبل كل شيء إلى مساعدة الشباب المتطرف على دمجه بالمجتمع، وهذا يشمل التأكد من أن الشباب المهاجر والذين قد يشعرون أنهم مستبعدون اجتماعياً من نظرائهم الدنماركيين الآخرين بأن لديهم شبكة واسعة من المساعدة يمكنهم الاعتماد عليها.” وعن المنضمين سابقاً لمجموعات متطرفة يقول بوندسجارد: ” نود أن نقدم لهؤلاء الناس فرصة لإعادة التأهيل والعودة إلى الحياة الدنماركية الجميلة التي تتميز بالأمن لأنفسهم وللأشخاص الذين يحيطون بهم”.
ووفقاً لتجربة شاب مع نموذج آرهوس بعد أن أصبح متطرفاً بشكل متزايد أثناء قضاء عطلة عائلية في السعودية وتلقيه عرضاً بالانضمام لصفوف داعش، يقول: اتصلت الشرطة بأسرتي بعد جلبي إلى مركز الشرطة، وبدلاً من معاقبتي والصراخ، عرضوا علي فنجاناً من القهوة، وأخبروني أنهم سيعينون لي معلماً يفهم بشكل أفضل إحباطي وحالتي أكثر من غيره.” تخرج الشاب من الجامعة بعد انتهاء برنامج آرهوس من تقديم المساعدة له وهو الآن متزوج وينتظر مولوداً.
ويقدم البرنامج المشورة الفردية للأشخاص الذين ينوون السفر إلى سوريا أو العراق، وذلك عن طريق دمجهم بعدد من المشاركين أصحاب التجارب السابقة في التطرف أو ممن انضم إلى مجموعات إرهابية تحت إشراف مختصين بمكافحة التطرف. وبالنسبة للمقاتلين العائدين طالما أنهم أبرياء من أي جرائم حرب، يتم أيضاً تقديم المشورة لهم وفرصة أن يصبحوا مرشدين للمواطنين الدنماركيين الراديكاليين الذين ينوون مغادرة البلاد للقتال.

ويقول رئيس المشروع توكي أغرشو: “الهدف هو مساعدة الشباب والبالغين على النشوء
بعيداً عن البيئات المتطرفة، والتي قد تنطوي على الجريمة والعنف أو المساعدة في تطرف الآخرين بحيث يتم توجيههم إلى مسار حياة مختلف. ” وأضاف أغرشو : “بالنسبة للمقاتلين العائدين طالما أنهم أبرياء من أي جرائم حرب، يتم أيضًا تقديم المشورة لهم واتاحة الفرصة أمامهم بأن يصبحوا مرشدين للمواطنين الدنماركيين المتطرفين الذين ينوون مغادرة البلاد للقتال.”

إن التجارب السيئة التي عايشها المتطرفون خلال تواجدهم مع المجموعات المتطرفة ومن ثم عرضوها، تُعد سلاحاً فكرياً يمكن استخدامه في تنوير العقول المغلقة، وكبح جمام الشبان المندفعين نحو التطرف اللذين خُدعوا بعد أن لعبت المجموعات المتطرفة على وتر العاطفة لجمع أكبر عدد من المتضامنين في صفوفهم، وإظهار الوجه الحقيقي للتطرف المليء بالكراهية والأذى والموت، و أن ما يسمعونه على ألسن الجماعات المتطرفة ما هو إلا هراء لتحقيق مصالحهم الشخصية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.