صوت وصورة

 

توسعت المجموعات المتطرفة بشكلٍ كبيرٍ في السنوات الخمس الأخيرة، وانتقلت من مرحلة المجموعات الصغيرة، إلى مرحلةِ العمل على بناء دولة أو إقليم، واتجهت أنظارهم نحو الإعلام لبث خطابهم ونشر أفكارهم حول العالم، فأصبحت أفلامهم المؤذية تنتشر انتشار النار في الهشيم، ويتداولها الناس لرؤية كيف يقوم هؤلاء المتطرفون بأعمالهم الإجرامية. ونتج عن هذا الأمر إقبال الكثير من المحليين والغربيين للالتحاق بصفوف التنظيمات المتطرفة وتنفيذ هجمات إرهابية حول العالم، حاملين فكر التطرف وأيدولوجيته في أداء مهامهم تلقوه عن طريق إعلام هذه المجموعات.

ولعل أبرز التنظيمات المتطرفة التي اشتهرت حول العالم هو تنظيم داعش الذي سيطر على مساحات قاربت 70% من مساحة الأراضي السورية، وامتلك مصادر تمويل ضخمة كآبار النفط والغاز، وطوّر جهازه الإعلامي بشكل كبير، وصرف مئات الآلاف من الدولارات على هذا الجانب، ثم أصدر الأفلام السينمائية الإجرامية التي تجاوزت حدود دولته، ولم تبقى دولة دون أن تغزيها هذه الإصدارات.

ولمّا أثبت الإعلام دوره كسلاح فعال في يد الجماعات المتطرفة، كان لابد من تجريدهم من هذا السلاح واستخدامه ضدهم، فنشأت معركةٌ ساحاته الإعلام وطرفيها خطاب التطرف والخطاب المضاد له، فكان لابد من إدارة هذه المعركة الفكرية وتضمينها رسائل بناءة للتحقق الفائدة المرجوة منها في دحر التطرف عن العقول.

 سرمد الجيلاني الناشط ضد الجماعات المتطرفة يشير إلى أن بداية هذه المعركة ترجع لمنتصف العام 2012 عند تدخل مليشيا حزب الله اللبناني ومليشيات عراقية وإيرانية في سوريا، إلا أنها استعرت مع بداية 2014 عند توسع تنظيم داعش وسيطرته على محافظة الرقة، لذا كان هنالك معركة بين إعلام داعش وإعلام الثورة الذي أخذ على عاتقه كشف إجرام جميع المجموعات المتواجدة في سوريا بدءاً من النظام ووصولاً لداعش. ويضيف الجيلاني: “اطلقنا عدة حملات مناصرة وضغط مجتمعي لمواجهة آلة داعش الإعلامية، واستطعنا توجيه ضربات موجعة له، فتحول التنظيم من حالة الهجوم إلى حالة الدفاع بعد كشف صورته الحقيقية أمام المفكرين بالانضمام إليه، فاصبح ينشر صوراً للشوارع والأسواق التي تقع تحت سيطرته، وهذا الأمر يُعدُ نصراً لنا بتخفيف كمية التطرف الصادرة عن التنظيم”.

وعن الرسائل التي حملتها هذه الحملات يقول الجيلاني: “كانت رسائلنا بسيطة ومختصرة، لا للتطرف – لا للإرهاب، ولم نعتمد على إظهار الدماء والجثث لمحاربة التنظيم، بل استهدفنا حاضنته الشعبية مباشرة بإظهار سوء الوضع في مناطق سيطرة هذه التنظيمات ونقل شهادات حية من مدنيين تحت سيطرة التنظيم يتحدثون عن إجرامه”.

واجه إعلاميو الثورة السورية والمواطنون الصحفيون الكثير من المخاطر في مواجهة التطرف والمتطرفين بعد نجاحهم في المعركة الفكرية ضد المجموعات المتطرفة، فتم اعتقالهم ومصادرة معداتهم الإعلامية ،وتعرض البعض منهم للقتل تحت التعذيب داخل معتقلات النظام، أو على يد تنظيم داعش ضمن إصدارات هوليوودية مخيفة لإثارة الرعب في صفوف الإعلاميين الثوريين لإيقافهم عن عملهم.

ثائر الشمالي من بين الإعلاميين الذين نشطوا في شمال شرق حلب بداية الحراك الثوري، عن طريق نقل صور المظاهرات وأخبارها، ومع بدء قصف النظام أصبح ينقل أخبار القصف والإصابات، وعند دخول تنظيم داعش لبلدته اضطر للهرب إلى تركيا بعد فترة من الزمن، خوفاً من القتل أو الاعتقال، يقول ثائر: “كنا نعمل دائما أن ننقل تجاوزات المتطرفين من عناصر في منطقتنا، فنوثق الأحداث من شهود عيان وننشر الأخبار على صفحات ثورية، لكن تم تضييق الخناق علينا بشكل كبير، حتى لم نستطع العمل بسبب الخوف من الموت، واضطررنا للهرب”. ويضيف الشمالي أن الرسالة الأساسية من هذه التغطية هو أن هذه التصرفات لا تمت للصلة وأن أول المحاربين لها هم أبناء الثورة، وأنه استمر في عمله حتى بعد خروجه.
وكان إعلام الثورة منذ البادية يقف ضد التطرف بجميع أنواعه، وكانت الشعارات دائما منددة بأفكار المتطرفين، ولعل أشهر الهتافات المتكررة في مظاهرات الثورة في سوريا والتي كان يشرف عليها النشطاء الثوريون والإعلاميون “لا اخوان ولا سلفية، ثورتنا ثورة مدنية” يُعد أبرز الرسائل التي تضمنها إعلام الثورة بنبذ التطرف.

ويرى أحمد شبعلوق، من مدينة جسر الشغور في محافظة إدلب أن الإعلام لا يجب أن يصمت أبداً وعليه دائما كشف المستور في المجتمع، حيث يقول: “مع سيطرة المتطرفين على أجزاء من مدينتنا، كنا نتكلم عنهم ونفضح ممارساتهم وننقلها للإعلام العالمي، الكثير حذرنا من هذا الفعل خوفاً من القصف إلا اننا كنا مؤمنين أننا إذا توقفنا عن نقل الحقيقة سيتمادى المتطرفون ولن يسلم أحد”.

واختلفت رسائل ووسائل الإعلاميين في مكافحة التطرف، واتخذ كلٌ منهم اسلوبه في مواجهته، ففي مقابلة أجريت مع الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان على تلفزيون الآن، دعا الإعلامي المتابعين بمحاربة إعلام داعش عن طريق تجاهل ما ينتجوه من إصدارات وأفلام مشوهة، حيث قال: “لا أفتح الروابط الخاصة بهم، هم يريدون مني أن فتحها وأن أرى ما قاموا به وعملوا كثيراً لإنتاجه، أنا لن أحقق لهم غايتهم، لن أفتح الرابط، ولن أشاهد ما يبثونه، ولن أتحدث عنهم وأدعو الجميع لفعل المثل”. فيما خالفته عبيدة السيد الاستشارية الإعلامية في عدة منظمات إنسانية، ورأت أن ما يبثه التنظيم المتطرف، لن يتوقف بمقاطعة المشاهدة، رغم أن المقاطعة خطوة مهمة، وأضافت: “يجب على الجهات الإعلامية توعية الناس بخطورة التطرف، وتسليط الضوء على الأفعال الإجرامية بطرق سليمة لا تساهم في شهرة المتطرفين، يجب عليهم استقطاب المختصين بعلوم النفس والأمراض النفسية من كل أنحاء العالم والنقاش حول ظاهرة التطرف كمرض يجب علاجه أو وباء يجب مكافحته”.

وعن أهم الرسائل التي يجب تضمينها في الإعلام المكافح للتطرف، يرى حسين الجمعة الإعلامي من محافظة إدلب أن المصداقية هي الأهم وأن الإعلام يجب أن يكون شفافاً وناقلاً للحقيقة بتجرد، فيقول: “لا يصح أن نقوم بتهويل تصرفات المتطرفين لمحاربتهم إعلامياً، هم بتطرفهم يفعلون الكثير، عندما ننقل الخبر مع المبالغة والكذب ظناً منا أن هذا الفعل سيساعد على محاربة الفكر المتطرف، فسينعكس هذا الأمر سلباً عند اكتشاف الحقيقة، وسيظن البعض أن المتطرفين جيدون وأن كل ما يحكى عنهم هو كذب، وبالتالي لن يصدق أحد الإعلام المضاد للتطرف”.

في إحدى ندوات الحديث عن “دور الإعلام في محاربة التطرف” حث فيها خبير القانون الدولي المستشار الدكتور محمود سليم، عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي، ضرورة تفعيل آليات التعاون الدولي في مجال التدريب الأمني على مكافحة الجرائم المعلوماتية وخاصة تلك المرتبطة بالإرهاب لتكون أولوية للإعلام المكافح للتطرف والإرهاب. وأضاف سليم: “”إن الإعلام الموضوعي الرشيد هو الآلية الوحيدة لتحصين الرأي العام ضد الكتائب الإلكترونية التي تبني إعلام الشر الذي يحرض الشعوب ضد قيادتها فلدى كل تنظيم متطرف العديد من الكتائب الإلكترونية التي تبني وسائل عدة لهدم وزعزعة المجتمعات من خلال تشويه الحقائق وتعظيم الخونة والترويج لمخططات الأعداء مما يستلزم تحذير الرأي العام من الانسياق لما تبثه هذه الكتائب الشيطانية التي تسيطر على معظم وسائل التواصل الاجتماعي”.

يمكن القول بأن التناول الموضوعي للقضايا المختلفة هو الذي يعطي للإعلام أهميته وليس امتلاك التكنولوجيا أو مجاراة الآخرين في الاستخدام أو التوجيه، لأن آلية الاستعمال هي الكفيلة بتوفير تغطية منهجية تستجيب للقواعد والمواثيق، لا الارتهان لمتطلبات السوق الإعلامي والرغبة في الوصول إلى أكبر قاعدة شعبية أو إلى جمهور أكبر من أجل التسويق، مما يؤدي لفقدان مصداقية الكثير من المنابر الإعلامية، ويفتح المجال أمام ممارسات إعلامية خاطئة وتنتج عن كل ذلك ردود أفعال مجتمعية سلبية وتثير الشكوك في مصداقية دور وسائل الإعلام في الحياة العامة وفي تشويه رسالتها، وبالتالي تخدم بطريقة غير مباشرة المنابر الإعلامية للمتطرفين الذين يبرزون على أنهم أصحاب أهداف ورسائل صادقة على الأقل حين تصل إلى الجمهور وتدغدغ مشاعرهم وتنال بالتالي رضاهم وتعاطفهم.

ولكي يؤدي الإعلام وظيفة رئيسية في مواجهة التطرف وآثاره وتبعاته، عليه أن يكون كاشفاً للواقع ومنيراً للجمهور، بمعنى أن يكون إعلاماً رشيدًا ليبني المجتمع بناءً مستقراً، وإعلاماً يتجنب الإثارة وبث الفتن والتحريض، إعلاماً يقاوم شائعات مواقع التواصل الاجتماعي التي يسيطر عليها المتطرفون في صورة جماعات منافقة تظهر عكس ما تبطن بهدف أن يصدقها الجمهور غير الواعي.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.