صوت وصورة

 

عانى النظام التعليمي السوري في العقديين الأخيريين من التلف والتخلف، فكان مجمداً لسنوات، دون أي تغييرات حقيقية نافعة على المناهج التعليمية، ولا خطوات جدية لتطوير التعليم في سوريا، كما أن العلوم التي كانت تُعطى تتسم بالتعقيد وعدم مواكبتها للاكتشافات العلمية، حتى أن بعض النظريات المقدمة في المناهج السورية قد تم نقضها بنظريات حديثة تُبطل عمل النظريات السابقة، إضافة لأعداد الطلاب الهائلة في الصف الواحد، والتسيب المدرسي، والغش الممنهج في الامتحانات، الضعف التكنولوجي وغيرها الكثير من المسائل التي دفعت واقع التعليم في سوريا إلى الهاوية، في حين كان العالم حولنا يتقدم في كافة المجالات العلمية والبحثية.
ففي عام 2017 أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي “دافوس” تصنيفاً عالمياً عن جودة التعليم حول العالم، فكان التعليم في سوريا خارج التصنيف العالمي ودون حصوله حتى على ترتيب متدني، وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على مدى سوء السلطات التي تدير الحكومة السورية التي تُعد المسؤول الأول عن واقع التعليم، لكن هذا ليس بغريب على نظام قمعي مستبد يترأسه ديكتاتور، يعمل على قتل الشعب وتهجيره وحرمانه من أبسط حقوقه التعليمية.

هذا ما دفع الكثير من السوريين في البحث عن بدائل أكثر جدوى لاستكمال تعليمهم في السنوات الخمس الأخيرة، بعد عدم إمكانية استكمال تعليمهم في الجامعات الحكومية والمدارس نتيجة بطش النظام وملاحقتهم أمنياً واعتقال الكثير من الطلاب الجامعيين تعسفياً وسط الجامعة، فكان التعليم عن بعد أو ما يعرف بالتعليم الالكتروني البديل هو أفضل الخيارات المتاحة بعد دخول أجهزة الأنترنت الفضائي إلى كثير من المناطق السورية والذي يتميز بتقديمه خدمات ذات جودة عالية، الأمر الذي كان ممنوعاً في سوريا قبل انطلاق الثورة السورية.

عالمياً، ازداد الإقبال على التعليم عن بعد بشكل كبير، وخاصة في السنوات الأخيرة، حيث كَشفت إحدى الدراسات التي أجرتها وزارة التربية والتعليم الأميركية عام 2008 لتقييم كلا التعليمين التقليدي والإلكتروني؛ أن التعَلّم عن بُعد يتفوق على التعليم التقليدي داخل الفصول الدراسية، وأكدت الدراسة أن السبب الرئيس في ذلك هو توفير التعلم الإلكتروني الحاجة الحقيقية للطلاب، إذ يُقدم خبرات التعلم الأكثر ملائمة لهم بشكل فردي، وهو ما لا يوفره التعليم التقليدي من خلال الفصول الدراسية.
فيمتلك التعَلّم الإلكتروني عديدا من المميزات التي يفتقدها نظيره التقليدي، وهذه المميزات أدت إلى انتشار التعلم الإلكتروني بوتيرة متسارعة جدًا، فيوجد الآن ملايين المتعلمين في العالم يعتمدون بشكل أساسي على هذا النوع من التعلم في اكتساب المهارات، والخبرات، وتعَلّمِ ما يريدونه، ومن المميزات التي أدت إلى اجتياح التعلم الإلكتروني مجال التعليم، بل وتفوقه على نظيره التقليدي: النفقات الأقل، المرونة في الدراسة والتعليم، التخصصية والتركيز، ومواكبة تطور سوق العمل.

محمد العبد الله، طالب جامعي في كلية الأدب العربي في جامعة دمشق، اضطر لترك دراسته بسبب حصار الغوطة، موطن رأسه، ومنعه من الخروج لمتابعة تعليمه لوجود اسمه على قوائم المطلوبين للنظام السوري، ظن محمد أن أحلامه تحطمت، لكنه لم يستسلم، حيث يقول: “كنت اتصفح في أحد الأيام الانترنت لأجد منشوراً عن دورات تدريبية تعليمية في عدة مجالات تستطيع الاختيار من بينها، وكان الحديث عن منحة مجانية لعدد من الطلاب في فترة محدودة، قلت في نفسي لأجرب ولن أخسر شيئاً، وبالفعل، حضرت عدداً من الدورات التفاعلية عبر الانترنت، واكتسبت الخبرات التي ساعدتني في الحياة، ومن هنا أصبحت أبحث بشكل كبير عن أي فرصة مشابهة لأتابع اكتساب المهارات، واكتشفت أنه بمقدوري متابعة اختصاصي على الانترنت عن طريق التعليم الإلكتروني عن بعد، وهذا ما أنوي فعله”.

وينقسم التعليم الإلكتروني إلى نوعين رئيسيين، الأول؛ تعليم إلكتروني متزامن، يحتاج إلى وجود الدارسين أمام أجهزة الكمبيوتر في نفس وقت وجود المدرس لإجراء النقاشات والمحادثة، ويتسم هذا النوع بالتقييد الزمني؛ لأنه يتطلب وجود المدرس والدارس في نفس الوقت أمام الكمبيوتر الا أنه يتيح للمدرس إمكانية الحصول على استجابة فورية والتعرف على مدى استيعاب وتفاعل الطلاب معه ومع المادة العلمية.
أما النوع الثاني وهو التعليم الإلكتروني غير المتزامن، فهو على العكس من الأول حيث لا يحتاج إلى وجود الدارسين والمعلم في نفس الوقت ويكون نمط التعلم في هذا النوع متمثل في المواقع التعليمية المتاحة والأقراص المدمجة والبريد الإلكتروني والقوائم البريدية والمنتديات والفيديو التفاعلي، ومن إيجابيات هذا النوع أن الدارس يدرس في الوقت المناسب له كما أنه يمكنه إعادة شرح المادة الدراسية عندما يشاء.
مصعب شربتجي، شاب في الثالثة وعشرين من عمره من مدينة إدلب، حرمه النظام السوري من متابعة تعليمه لوجوده على قوائم المطلوبين، ولم يستطع الالتحاق بالجامعة بعد انتهاءه من الثانوية، لكن في عام 2016 سمع مصعب عن التعليم الإلكتروني، وأخذ يبحث عن فرصة يكمل فيها تعليمه، في هذه الأثناء كانت جامعة رشد الافتراضية التي تعمل في التعليم الإلكتروني ومقرها إسطنبول، فتحت الأبواب أمام السوريين في الداخل السوري للتسجيل على منحة مدفوعة التكاليف التعليمية، فأرسل مصعب الأوراق المطلوبة وحصل على المنحة لدراسة بكالوريوس إدارة حكومات، وهو اليوم في السنة الثالثة ما قبل الأخيرة، يقول مصعب: “فخور جداً بما حققته خلال السنوات الماضية في دراستي، لم يكن الأمر سهلاً، وكان الكثير جديداً بالنسبة لي، إلا أنه كان ممتعاً ومفيداً، هيأ لي التعليم الإلكتروني فرصة ذهبية، وأتمنى أن أتابع الطريق”.
ولا يقدم التعليم الإلكتروني الفرص الدراسية فحسب، بل يراه البعض أنه أفضل من التعليم التقليدي بالنسبة لظروفهم، كحال باسل عفارة من مدينة إدلب الذي يدرس في معهد تعليمي يؤمن شهادات احترافية عالمية في الداخل السوري عن طريق التعليم عن بعد، يقول باسل: “كوني أعمل في ساعات النهار معظمها، فمن الصعب جداً أن أسجل في جامعة تقليدية تتطلب مني دواماً يومياً، لن أستطيع التوفيق بين العمل والدراسة بالتأكيد، ولكن عن طريق التعليم الإلكتروني، أستطيع أن أحدد الوقت الذي أرغب به وغالباً ما يكون في المساء لمتابعة المحاضرات التفاعلية على الانترنت، دون أن يأثر هذا الأمر على عملي، كما أنني أستطيع الاستماع للمحاضرات المسجلة في أي وقت أرغب”.
ولكن بالرغم من أن التعليم الإلكتروني ساهم في تأمين الفرص وفتح الأبواب أمام السوريين لمتابعة تعليمهم، إلا أن هناك الكثير من الصعوبات التي تواجههم في تلقي تعليمهم، حيث يتابع باسل حديثه متكلماً عن المشاكل التي تعترضه، فيقول: “إحدى أهم المشاكل التي نواجهها ضعف الأنترنت في الداخل السوري، وسوء الاتصال كونه لاسلكي، فعندما يكون الاتصال ضعيفاً، لن أستطيع الدخول إلى المنصة التعليمية الإلكترونية، أما بالنسبة للإنترنت الجيد، فتكلفته مرتفعة ولا يخلو الأمر من الأعطال، كما أن إحدى الصعوبات التي نواجهها أيضاً، تكلفة التعليم الإلكتروني العالية نسبياً مقارنة مع التعليم التقليدي في الداخل السوري، إلا أنه يبقى مريحاً أكثر”.
عالمياً، ازداد الإقبال على التعليم عن بعد بشكل كبير، وخاصة في السنوات الأخيرة، حيث كَشفت إحدى الدراسات التي أجرتها وزارة التربية والتعليم الأميركية عام 2008 لتقييم كلا التعليمين التقليدي والإلكتروني؛ أن التعَلّم عن بُعد يتفوق على التعليم التقليدي داخل الفصول الدراسية، وأكدت الدراسة أن السبب الرئيس في ذلك هو توفير التعلم الإلكتروني الحاجة الحقيقية للطلاب، إذ يُقدم خبرات التعلم الأكثر ملائمة لهم بشكل فردي، وهو ما لا يوفره التعليم التقليدي من خلال الفصول الدراسية.
فيمتلك التعَلّم الإلكتروني عديدا من المميزات التي يفتقدها نظيره التقليدي؛ مثل النفقات الأقل والمرونة في الدراسة والتعليم، والتخصصية والتركيز، ومواكبة تطور سوق العمل، هذه الميزات أدت إلى انتشار التعلم الإلكتروني بوتيرة متسارعة جدًا، فيوجد الآن كثيرٌ من المتعلمين في العالم يعتمدون بشكل أساسي على هذا النوع من التعلم في اكتساب المهارات، والخبرات، وتعَلّمِ ما يريدونه.
ولم يكن اعتماد السوريون على الأنترنت في التعلم داخل سوريا فقط، بل رافقهم الأمر حتى في دول اللجوء، مثل ما حدث مع سعد عباس من مدينة ديرالزور واللاجئ في ألمانيا الذي حصل على شهادة اللغة الألمانية C1 بالاعتماد على الدراسة عبر الأنترنت فيقول: “لم استطع الانسجام في دروس اللغة بسبب الآلية المتبعة في تعليم اللغة للاجئين، فتوقفت عن الذهاب وحصلت على عمل، فكنت أعمل صباحاً وفي المساء أتابع دروس اللغة الألمانية عبر قنوات اليوتيوب ومن ثم أذهب لتقديم الفحص والحصول على الشهادة، وأنا الآن بصدد الحصول على منحة جامعية”.

وبسبب امتلاك التعَلم الإلكتروني المميزات الكثيرة، أصبح الآن البديل الأفضل والأكثر فاعلية للتعليم التقليدي، إذ يوفر الوقت والجهد، ويُمكن المتعلم من إتقان التخصص الذي يريده في فترة وجيزة، لاسيما التخصصات المتعلقة بالتقنية وتكنولوجيا المعلومات، فالتعلم الإلكتروني يعد الطريق الأفضل بكل المقاييس لتعلم البرمجة، أو تقنية المعلومات، أو التصميم، أو التطوير، أو حتى إدارة الأعمال.
ويبقى للتعَلم الإلكتروني عيوبه الخاصة، إلا أن أكبر هذه العيوب هو عدم قدرته على منح المتعلمين في بعض التخصصات الحق في ممارسة العمل بالشهادات الممنوحة لهم، فالمتعلم يستطيع الالتحاق بالدورات التدريبية المتخصصة للطب أو المحاماة أو العلوم أو اي دراسة كانت، ويستطيع إتقان المهارات المختلفة المتعلقة بأي من تلك التخصصات، لكنه ما زال غير قادر على العمل بها، وممارستها كمهنة إلا إذا تخرج في ذلك التخصص بالجامعة وحصل على شهادة جامعية ذات تعليم تقليدي تسمح له بممارسة مهنة تخصصه، لكن شركات كبرى مثل فيس بوك وجوجل ومايكروسوفت اتجهت بعيداً عن تعيين أصحاب الشهادات الجامعية وبدأت بالبحث عن أصحاب الخبرات والتجارب التي يوفرها التعليم الإلكتروني، فهل سيتم تطبيق هذه المعايير مستقبلاً على نطاق أوسع ويصبح حامل الشهادة الإلكترونية مثل حامل الشهادة التقليدية؟

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.