صوت وصورة

 

الأسرة هي اللِّبنة الأساسية في المجتمع، وعندها تبدأ التربية المنزلية لبناء مجتمع سليم معافى من كل الأمراض والمشاكل المترسبة عبر الأجيال. لكن بوجود المشكلات التي يعاني منها المجتمع السوري والآثار السلبية للحروب، أصبحت التربية مشكلة رئيسية في المجتمع، فالعائلة التي يجب الاعتماد عليها في المرتبة الأولى لبناء المجتمع السليم قد تفككت وتبعثرت، وطالها النزوح والدمار والتهجير، وحرمها من قدرتها على أداء مهامها في تربية الأطفال تربية صحيحة، تُضاف إلى هذه الصعاب؛ سنوات من الأفكار البالية والعادات والتقاليد المترسبة في المجتمع، تناقلتها الأجيال جيلاّ بعد جيل و تركت أثراّ سلبياّ لدى الأطفال. ولعل أكبر مشكلة يعاني منها المجتمع هو عدم احترام الآخر، وبالأخص تقليل احترام المرأة وعدم الاكتراث لما تحمله من أفكار ومقترحات وآراء.

لجين بنشي طالبة جامعية من مدينة إدلب، ترى أن قسمٌ من الرجال يتحدثون عن حقوق المرأة واحترامها ودورها المهم في المجتمع إلا أنهم لا يطبقون هذا في بيئتهم وأسرهم، فتقول: “يكثر الحديث عن احترام المرأة في الجلسات والندوات والسهرات، وما إن يعود الرجل لمنزله تجده يرفع صوته على زوجته غاضباَ لأنها غيرت لون شعرها دون أن تستشيره أو لأنها ذهبت بزيارة لأهلها دون إذنه”.
وتشير لجين إلى أن مثل هذه التصرفات هي أساس المشكلة عندما يتلقاها الطفل كأفكار على الطريقة التي يجب أن تُعامل بها الأنثى: “هذا ما يجعل الطفل الصغير في البيت يظن أن أخته هي من ممتلكاته، ويجب أن تنفذ كل أوامره، وحده هو من يصدر القرارات، وعلى أخته خدمته على أتم وجه، وعند الزواج أول ما يسأل عنه الأهل بعد الجمال، هو أن تكون المرأة مطيعة لزوجها، وهذا بصراحة ما يجعل هذه المشكلة تتفاقم من الأهل أنفسهم قبل الجميع”.
وعندما يبحث الرجل عند الزواج فقط عن امرأة مطيعة تستمع لأوامره وتنفذها دون ملل أو كلل، فإنه يعزز بذلك النمطية السائدة عن دور المرأة في المجتمع والتي تقتصر على تربية الأطفال في المنزل وإطاعة الأوامر، وهذا ما يقلل احترامها وعدم أخذها على محمل الجد في الحياة.
لمى الحامد، كاتبة فلسطينية ومدونة كتبت في إحدى تدويناتها عن رؤية الشباب للمرأة كشخص خاضع لنجاح الحياة سوية، فتقول: “لكن المشكلة برأيي حين يظن بعض الشباب أن معيار الزواج الناجح هو بالدرجة الأولى توفر زوجة خانعة، لا تناقش ولا تبدي رأيًا وتقبّل يد زوجها صباح مساء، دون أن يكون مهمًا فحص مشاعرها الحقيقية تجاه زوجها، ومدى أهمية أن يكون فعلها تلقائيًا وبإرادتها واقتناعها عاطفياَ”.
ومع زيادة الوعي حديثاً بسبب كثرة الندوات والنقاشات حول دور المرأة وأهميتها في المجتمع على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ووسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الحديث جدياً حول إيجاد حلول عملية وبناءة لترسيخ مبادئ احترام المرأة وتمكينها في المجتمع بعيداً عن الشعارات الرنانة، حيث ترى الصحفية المتخصصة في شؤون الأسرة والطفل كندة الحامد أن القدوة الحسنة هي أساس التربية الصحيحة لاحترام المرأة ودورها في المجتمع، حيث تقول: “القدوة في التربية هي من أنجع الوسائل المؤثرة في إعداد الولد خلقيا وتكوينه نفسياً واجتماعياً ذلك لأن المربي هو المثل الأعلى في نظر الطفل، والأسوة الصالحة في عين الولد، الذي يقلده سلوكياً ويحاكيه خُلقياً من حيث يشعر أو لا يشعر، بل تنطبع في نفسه وإحساسه صورته القولية والفعلية والحسية والمعنوية من حيث يدري أو لا يدري، ومن هنا كانت القدوة عاملاً كبيراً في صلاح الولد أو فساده، واحترامه للآخرين وبالأخص أهل بيته وأخوته”.

ويتحدث الناشط في مجال العمل الإنساني أسامة فحيل عن طريقة تربيته للأطفال لزرع الاحترام الواجب للسيدات منذ الصغر، فيقول: “هناك عدة قواعد أعمل عليها كي أساهم في تربية طفلي تربية صحيحة كإظهار احترامي للمرأة أمام الطفل وعدم التقليل من قيمتها هو أقرب طريق لإيصال فكرتي من هذا الجانب، وإعطاء الفرصة لزوجتي مثلا -بما انها أقرب امرأة لابني- بأن تشاركني آرائها بحيثيات البيت وأي شيء يتعلق بحياتنا.”

ولا يمكن اعتبار الذكر الطرف الوحيد في العائلة المسؤول عن نقض حقوق المرأة وتهميش دورها في الأسرة أو المجتمع، هذا ما أكدته الصيدلانية سوسن السعيد، مديرة منظمة إنسانية لا ربحية لتمكين المرأة والمدافعة عن حقوقها في الشمال السوري، تحدثت عن أهمية توعية المرأة بحقوقها، ونشر الوعي عند الرجال أيضا، حيث قالت: “إن الأسرة يؤسسها شريكان في الحياة، إلا أن المجتمع يهمل أحد الطرفين مقابل الآخر، وعلينا جميعاً تصحيح هذه النظرة القاصرة، وليس الرجل فقد من يحمل هذا الوزر، بل للمرأة نصيب من اللوم، فالاستكانة والخضوع بقناعة أن الرجل هو صانع القرار والآمر الناهي، يجعل من الصعب لدى الأطفال تقبل المرأة كشريك عند نضوجهم، ونحن نعمل جاهدين على توعية المرأة وإعدادها بالشكل الصحيح لتربية أطفالها على احترام المرأة، ولكن يجب أيضاّ على الجهات الفاعلة أن تقدم التوعية للرجال كي تكون التربية صحيحة في المنزل”.

ولا بد من الحديث عن الفهم الخاطئ للدين لدى العديد من الرجال في المجتمع، حيث تفسر الآيات وفقا للأهواء الشخصية وتهدد السيدات بالآيات القرآنية وكأنها حجة عليهن، أما في الحقيقة فإن الدين كرّم المرأة ووضعها في نفس المكانة مع الرجل، عبد القادر شعيب، باحث في شؤون الدين الإسلامي، يقول: “كتير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة ذكرت موضوع الإحسان الى النساء والرفق بمعاملتهن، لذلك ومن وجهة نظري فإن غرس مفاهيم الدين الصحيح لدى الطفل في عائلته ومن قبل أهله هي أنجح طريقة ليحترم فيها مجتمعه المحيط به بكافة أفراده وبالأخص المرأة”.

ويعول الكثيرون على الجيل الجديد الذي نشأ خلال الثورة وتغذى من أفكارها على أن يعمل جاهداً في فسح المجال أمام المرأة لتلعب دورها الحقيقي في المجتمع، كالوضع في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. ففي ألمانيا تفتحت أعين الأجيال الجديدة على وجود مجموعة من النساء يُدعون “بنساء الأنقاض” تحملن طوال سنين الحرب مسؤولية إعالة الأسرة وتربية الطفل وإنتاج السلع الغذائية وابتكار نظام التبادل السلعي فيما بينهم لسد النقص بعد انهيار النظام الاقتصادي في تلك الفترة. وما أن استعاد الجيل الجديد وعيهم حتى أدركوا عمق الهاوية الأخلاقية التي جرهم إليها النازيون وبشاعة الصورة النمطية التي كانت سائدة عن المرأة، واتجهت أصابع الاتهام إلى جيل الآباء، فاتهمهم الأبناء بالمشاركة في هذه الفظائع أو السكوت عليها. فكان هذا الأمر من العوامل الحاسمة في تغيير المنظومة المجتمعية بكاملها، بما فيما يخص وضع المرأة والرجل في المجتمع.

وتؤكد الناشطة الألمانية في المجال الإغاثي كرستينا اكسيل على تغيير وضع المرأة في أوروبا عموماً والمانيا خصوصاً، بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذا الأمر كان نتيجة سنين طوال من المكافحة من أجل أن تصل المرأة لما وصلت إليه اليوم،” نُدين للجيل الذي وقف بجانب المرأة بعد الحرب العالمية الثانية، ونُدين لنساء الانقاض اللواتي عملن على تحدي الجميع وأثبتن أنهن قادرات على تحمل المسؤولية في ظل غياب الرجال في تلك الفترة، ولا نهمل دور مئات السنين من العمل والكفاح والتي مهدت الطريق أمام الأجيال المتلاحقة لتحقيق المساواة”. كما أشارت اكسيل إلى تدرج المراحل حتى الوصول إلى المطالب المشروعة للمرأة، وكان الاعتماد الأكبر على الأسرة في هذا الأمر فتقول: “في خمسينيات القرن الماضي كنا نجد منزلاً واحداً فقط في كل حي يتبنى قضايا المرأة، وفي الثمانينيات أصبح نصف الحي مهتماً بها، واليوم من النادر أن تجد منزلاً في ألمانيا لا يعترف بحقوق المرأة أو دورها المهم في تصدر المانيا قائمة الدول الأكثر تقدماً”.

كانت القوانين الموروثة من القرن التاسع عشر تعامل المرأة على أنها كيان قاصر من ملحقات الرجل وتحت وصايته، كل دورها في المجتمع أن تنجب للرجل ذريته، لم يكن يحق لها أن ترث أو تُمارس عملاً دون إذن ولى أمرها أو أن تستأجر شقة بمفردها. وكان زواجها يعنى انتقال الوصاية عليها من الأب إلى الزوج. وكان واضحاً بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أن الدور الذى قامت به المرأة خلال وبعد هذه الحرب والذى دخل التاريخ تحت عنوان “نساء الأنقاض” قد أحدث تغيرا مجتمعيا لم يعد ملائماً مع استمرار تلك المفاهيم وما كانت قد أفرزته من قوانين.
ولكن تغييرها شكليا لم يكن سهلا نتيجة لتراكمات مئات السنين، وبسبب مقاومة تيار اليمين المحافظ الذى استعاد قوته نسبيا في الخمسينات والذي كان يعارض فكرة مشاركة المرأة. كما أن اكتساب المرأة وعياً جديداً بذاتها وقدراتها وحقوقها، وتغير وعي الرجل اتجاه هذه القضية برمتها، كانت عملية معقدة واستغرقت زمناً قبل أن تخترق الحواجز التي تراكمت قرونا من الزمن، ولكنها كانت حتمية بعد تلك التجربة الفارقة في تاريخ المرأة الألمانية التي أزالت آثار الدمار عن المدن وعن العادات الموروثة ومهدن بهذا لبناء المانيا الحديثة.

وبالرغم من أن الصورة النمطية للمرأة ما تزال راسخة لدى الكثير من أفراد المجتمع، إلا أنه في الحقيقة نرى الكثير من الجهود الفاعلة لتغيير هذه الصورة في المجتمع السوري، وذلك بداية باقتناص المرأة للفرص المتاحة لها، وتسليط الضوء على إنجازاتها في المجالات العلمية والمهنية، في التجارة والهندسة والطب والتربية والإدارة، وليس انتهاءَ بانفتاح المجتمع على العالم وتطوره حيث لعبت المرأة دور كبير بتقدمه، ومن هنا يجب على الجميع أن يسعى ليكون للمرأة كامل الاحترام في المجتمع بدءاَ من عائلته وأسرته التي يرعاها باعتبارها أصغر مجتمع يعيش به الفرد ويكسب منها الاسلوب والمعرفة التي تنعكس على المجتمع الأكبر.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.