صوت وصورة

 

يُعتبر الصراع، أحد السمات البشرية على مر العصور، وأحد المسببات في اكتشاف مفاهيم جديدة ساهمت بشكل ما في تطور بعض الحضارات في حالته السلمية، واختفاء أخرى عند تحوله لصراع إجرامي على السلطة. وتنوع الصراع بين فكري وسياسي وعسكري وديني، فأوجد قسماً تطرف جداً بمفاهيمه واستغلها بشكلٍ سلبي، وقسمٌ أخر أخذ بنشر أفكاره وتطبيقها دون فرض أو إكراه. وكان الصراع بين الطرفين كبيراً على مر التاريخ، وحتى في العصر الحديث نرى في الكثير من الدول حتى المتحضرة منها وجود الأحزاب السياسية المعتدلة، والأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة المتصارعة بينها على السلطة.
أشرس أنواع الصراع هو الذي دخل من بوابة الدين، ففي الدين الإسلامي على سبيل المثال، كان الصراع الديني في الحياة السياسية والاجتماعية حاضراً منذ العصور الأولى للإسلام، حيث انقسم المسلمون إلى قسمين، متطرفون وسموا قديماً بالخوارج “أي الذين خرجوا عن دين الإسلام بتطرفهم”، والقسم الآخر المعتدلون وهم القسم الأكبر من المسلمين، فتحول الصراع في كثير من الأحيان من سياسي إلى عسكري وصدام بين الطرفين، كان غالباً ما ينتهي بانتصار المعتدلين على المتطرفين، لكنهم كانوا ما يلبثوا أن يعودوا في أجيال لاحقة بأسماء وأشكال مختلفة، يحملون ذات الفكر المتطرف مع اختلاف الأساليب، وامتد هذا الصراع حتى يومنا هذا، ولعل تنظيم “داعش” الذي يلقبهم المسلمون المعتدلون اليوم “بخوارج العصر”، مثالٌ على استمرار التطرف بفكره لكن بشكلٍ خارجي مختلف.
ورغم وجود خلافات في فهم النصوص الشرعية بين المسلمين المعتدلين وبين المتطرفين، إلا أن النصوص والتشريعات واحدة، فالأحكام التي يأخذ بها الطرفين قادمة من الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي محمد، ونقلها عبر التاريخ مؤرخون وباحثون في الدين، وهنا بدأ الاختلاف، في تفسير المؤرخين والباحثين حول تلك النصوص وفهمهم لها، وانقسم المسلمون بناءً على ذلك مذاهب عديدة، بعضهم تطرف كثيراً وأخذ النصوص بمفهوم خاطئ، فيما كان الآخرون يأخذون بالمفهوم المعتدل ويمارسون الحياة بناء عليه.
إلا أن المتطرفين عملوا على فرض مفهومهم حول النصوص الشرعية على الآخرين بالقوة، وأصدروا القوانين الصارمة التي تحد من الحريات الشخصية، واتخذوا الإرهاب وسيلة لمحاربة من يخالفهم في الدين أو حتى في الرأي من المعتدلين، وفي حين أنهم يتفقون مع المعتدلين في الانتماء للدين الإسلامي، إلا أنهم يختلفون بأدوات التنفيذ والإكراه، ويرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية إبراهيم الصادق أنه يمكن التسوية بين المعتدلين والمتطرفين إن اقتنع المتطرفين بترك أدوات التنفيذ، والعمل على تفعيل النقاش والحوار مع الأطراف الأخرى، حيث يقول: “الفكر المتطرف هو فكر مبني على أسس مشابهة لأسس الفكر المعتدل، إلا أن طريقة البناء تختلف، فإن تم تعديل البناء على نفس الأسس، فإنه يمكن التوصل لحلول وسطى بين الجميع، وبالتالي مساعدة المتطرفين بالتخلي عن أساليبهم المتطرفة في فرض مفاهيمهم وأيديولوجيتهم”. ويتابع الباحث قوله: “لابد بداية من تحجيم الفكر المتطرف قبل البدء بأية عملية تسوية معه، فالمتطرفون إن كانوا في مكان قوة وسلطة، لن يستمعوا لأحد، وقد أثبت التاريخ أن المتطرفين عندما يملكون القوة، فإنهم يمارسونها في فرض أفكارهم وأيديولوجيتهم على الآخرين، لذا من الضروري أن تقوض سلطتهم قبل الحوار معهم”.
فرغم صعوبة الاقتناع بإمكانية اجتماع المعتدلين والمتطرفين بكيان واحد، إلا أن التجربة الفرنسية الحالية أثبتت قابليتها للتطبيق في حال رغبة الطرفين بالوصول إلى حلٍ يساهم بتطوير المجتمع المحلي الذي يتواجد به الطرفين، فبعد فوز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على مرشحه من اليمين المتطرف مارين لوبن، كلف الرئيس المنتخب ماكرون مهمة تشكيل الحكومة الجديدة للنائب اليميني ادوار فيليب، ويعكس اختيار هذا النائب البالغ من العمر 46 عاما من خارج حركة الرئيس المعتدلة “الجمهورية الى الامام”، رغبة الرئيس الفرنسي بالجمع بين كافة الأطياف السياسية في فرنسا. وكان ماكرون قد وعد في أول خطاب رسمي بعد توليه الرئاسة “بجمع” الفرنسيين وتحقيق “المصالحة” بينهم، واعادة الثقة اليهم، واعادة تأسيس اوروبا وجعلها “اكثر فاعلية واكثر ديموقراطية”.
حتى بنجاح التجربة الفرنسية السياسية بجمع المتطرفين والمعتدلين في حكومة واحدة، شكك أخرون بإمكانية تطبيق الحل السياسي مع جميع الفئات المتطرفة، إذ يقول الكاتب الصحفي كريم بقرادوني: “إن التطرف يشكل اليوم ظاهرة عامة، والصدام القائم في العالم هو بين المتطرفين أنفسهم وليس بين المتطرفين والمعتدلين، وقد لا ينفع تدخل المعتدلين في وقف صدام المتطرفين، بل على العكس قد يدفع المعتدلون الثمن مجانا وعبثا” ويرى الكاتب أن المعتدلين لا يمكنهم إقناع المتطرفين بوقف تطرفهم والجلوس على طاولة واحدة للحوار، و أن المتطرفين يقاتلون بعضهم البعض لإثبات صحة أيديولوجيتهم أمام جماهيرهم والمتعاطفين معهم.
وهذا ما يحصل في شرق سورية بمحافظة ديرالزور تحديداً، حيث تقاتل الميليشيات العراقية الشيعية الطائفية والتي تمثل المتطرفين من المذهب الشيعي؛ تنظيم داعش الذي يمثل المتطرفين من المذهب السني، والخاسر الأكبر هم المدنيين الذين يمثلون المعتدلين اللذين يُقتلون يومياً على يد الطرفين.

وما بين معولٍ على نجاح التسوية بين المعتدلين والمتطرفين في حال توفر المناخ المناسب، ومشككٍ بنجاحها، يأتي أخرون يجزمون باستحالة تطبيق أي نوع من أنواع التسوية بين الطرفي، وذلك بسبب الايدلوجية التي يحملها المتطرفون والرافضة لوجود أي طرف آخر، إذ يرى المفكر الأميركي إيريك هوفر في كتابه المؤمن الصادق، أنه لا يمكن التسوية مع المتطرفين، ويؤكد المفكر هوفر خطأ الاعتقاد أن هناك تناقضاً بين المتطرفين الذين ينتمون إلى حركات تصارع بعضها البعض “فهم على العكس يقفون متزاحمين في زاوية واحدة، لأن الفرق الحقيقي ليس بين مختلف أنواع المتطرفين، ولكن بين المتطرفين والعقلاء الذين يستحيل أبدا أن يلتقوا في الفكر”، ومع أن المتطرفين من أنصار التيارات المتصارعة يشتبكون دائما مع بعضهم، لكنهم في حقيقة الأمر أعضاء في أسرة التطرف الواحدة، والكراهية التي يحس بها متطرف نحو متطرف آخر، شبيهة بالكراهية بين الإخوة الأعداء، وهو ما يفسر في رأيه سهولة تحول الشيوعي المتطرف إلى الفاشية الوطنية أو التطرف الديني عن أن يتحول إلى ليبرالي معتدل.
ويشير هوفر إلى أن نقيض المتطرف هو المعتدل، فالأضداد لا تجتمع، ويرى أنه لا جدوى من إبعاد المتطرف عن قضيته بالمنطق والنقاش، “لأن المتطرف يخشى دائما أنصاف الحلول، ولذلك يستحيل إقناعه بضرورة تخفيف حدة إيمانه المطلق بما يتصور أنه قضية مقدسة”، ويصف المتطرف بالشخص الذي يشعر بالنقص وفقدان الثقة في النفس، ولذلك يجد متعته في الالتصاق بأي كيان متشنج يحتضنه، ويدين بالولاء الأعمى لهذا الكيان ليس بالضرورة لأنه مقتنع بأفكار هذا الكيان وإمكانية تحققها على أرض الواقع، بل لأنه يعرف أنه لا يساوي شيئا خارج الكيان المتطرف الذي ينتمي إليه، ولذلك فهو يفزع من أي أفكار متسامحة ويعتبرها علامة الضعف والسطحية والجهل، ويختار الاستسلام الكامل لما يتصور أنه فكرة مقدسة يخوض من أجلها حربا متعصبة، ويظل هكذا حتى يهزم الواقع كيانه المتطرف شر هزيمة، “والمدهش أن المتطرف بعد هزيمة أفكار كيانه المتطرفة لا يجد راحته إلا في الانضمام إلى كيان متطرف جديد”، ويضرب المفكر مثالاً عن المتطرفون السابقون في ألمانيا واليابان المهزومتين، اللذين كانوا أشد تجاوباً مع الدعوات المتطرفة الجديدة سواءً كانت يسارية أو كاثوليكية، لأن الأفكار الديمقراطية لا تقدم للمتطرفين قضايا مقدسة يمكن الالتحام بها، ولا جمهوراً متماسكاً يستطيع المرء أن يذوب فيه ويلغي فرديته ليصبح رقما في القطيع الذي يحارب قطعاناً أخرى يظن أفرادها أيضا أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة.

مع اختلاف الآراء حول إمكانية اتفاق المتطرفين مع المعتدلين يوماً ما، فإنه حتى وإن كان بالإمكان ذلك، فمن بالصعوبة بمكان أن يتفق الطرفان على قواعد ثابتة وبشكل دائم، حيث أنه هناك الكثير من المتغيرات بشكل يومي، تجعل من الصعب على المدى المنظور أن يتفق المتطرفون والمعتدلون إن لم يجلسوا سوية ويضعوا أسساً للانطلاق منها نحو التسوية، شرط ألا تكون هذه التسوية بطاقة الغفران لجرائمهم السابقة للإفلات من العقاب.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.