صوت وصورة

 

انتشر الأنترنت بشكل كبير في السنوات الخمس الأخيرة داخل الأراضي السورية وازداد عدد مستخدميه بشكل كبير عما سبق، وبات متواجداً ضمن المؤسسات، مكاتب العمل، الأعمال التجارية، وحتى في البيوت، ويعود ذلك بسبب توفر ما يسمى أجهزة الأنترنت الفضائي مع مطلع العام 2012 في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام.
في بداية الأمر كان تواجد الأنترنت مقتصراً على بعض الصالات ومكاتب الصيرفة، إلا أنه وخلال شهور قليلة وصل الأنترنت تقريباً لكل منزل في المناطق المحررة من سيطرة النظام، وأصبح هنالك شبكات لبث الأنترنت حتى بات في متناول الجميع، إلا أن استخدام الأنترنت كان مقتصراً على نشر وتلقي الأخبار أو من أجل التعاملات التجارية بينما استخدمه قسمٌ كبير من الأطفال من أجل الألعاب.
في تلك الأثناء، كانت العملية التعليمية تشهد انحداراً كبيراً بتلك المناطق؛ نتيجة خروجها عن سيطرة النظام السوري، واستهدافها بالقصف الجوي وانقطاع الدعم المالي عن المدارس، مما أدى لتحدي كبير أمام المعلمين الذين حاولوا متابعة العملية التعليمية بطريقة آمنة تضمن عدم تعرض الأطفال لخطر الغارات الجوية أثناء تواجدهم في المدرسة، فكان الأنترنت هو الحل المناسب، وذلك من خلال إعطاء الدروس عن طريق برامج التواصل الاجتماعي مثل الواتس آب، كما حدث مع المدرس عبدالله غسان من ريف ديرالزور الشرقي الذي أنشئ محادثة جماعية على برنامج الواتس آب وضم إليها عدد من طلاب المرحلة الابتدائية اللذين يعرفهم في نهاية عام 2013، حيث يقول عبدالله: “كنت أرسل الملاحظة الصوتية إلى المجموعة وأرفق معها صوراً للدروس التي كتبتها على الدفتر، وأحاول مناقشة الطلاب بالدروس ومن ثم أطلب منهم كتابة الواجبات المنزلية وتصويرها لي”. ويشير عبدالله إلى أن التجربة لم تكن ناجحة بشكل كامل في بداية الأمر، بسبب غرابة الفكرة على الطلاب وعدم توافر التواصل المرئي بشكل مباشر بين الطالب والأستاذ، لكن مع مرور الوقت ازدادت استجابة الطلاب ومشاركتهم، إلا أن هذه التجربة لم تستمر أكثر من سنة بسبب سيطرة تنظيم داعش على المحافظة وقطعها لشبكات الأنترنت.
ويوفر الأنترنت العديد من المعارف والعلوم والأبحاث التي تكون مجانية في كثير من الأحيان، واعتمد عليها قسمٌ من المستخدمين للحصول على المساعدة بطريقة أسرع وأوسع من الطرق التقليدية كالبحث داخل الكتب الورقية، حتى بات الأنترنت مرجعاً للمعلمين والطلاب على حدٍ سواء، فكلاهما يمكنه تحميل الكتب الإلكترونية لقراءتها أو استخدام فقرة ضمنها، كما يوفر الأنترنت دورات تعليمية بمجالات مختلفة تنمي المهارات وتوسع دائرة المعرفة، لتعود بالنفع على المستخدم.
سعاد القاطرجي، معلمة كيمياء في إحدى المدارس الإعدادية بريف إدلب الشمالي، تحدثت لنا عن تجربتها مع الأنترنت في التعليم، حيث قالت: “في إحدى الحصص الدراسية طلبت من التلاميذ إحضار معلومات عن تفاعل غاز الهيدروجين مع بقية العناصر الكيميائية عن طريق البحث بالأنترنت، في اليوم التالي كان ما يقارب ثلثي الطلاب قد أحضروا لي معلومات مكتوبة عن التفاعلات؛ وقسمٌ منهم قام بتحميل فيديوهات لتجارب علمية على هاتفه المحمول، حتى أن بعض الطلاب اللذين لم يكن لهم نشاطٌ صفي، شاركوا في الاختبار”. وتضيف المعلمة: “أصبحت أعتمد على الأنترنت بشكل كبير في التعليم لعدم توفر المراجع العلمية في المدرسة، وكان نشاط البحث عن طريق الأنترنت بمثابة واجب منزلي مقابل علامات إضافية للطلاب، حتى أنني قسمت الطلاب إلى مجموعات، فازداد النشاط والتنافس بينهم بشكل كبير”. وتؤكد سعاد على تحسن درجات الطلاب في المذاكرات الشهرية وارتفاع مستواهم العلمي بعد اربعة أشهر من الاعتماد على الأنترنت في عملية البحث عن المعلومات.
ولاقت تجربة سعاد قاطرجي ترحيباً من قبل الأهالي بعد رؤية الحماس لدى أبناءهم في البحث عن المعلومات واستخدام الانترنت بشكل نافع، فيقول سعد عيسى والد أحد التلاميذ: “كان أبني يقضي وقته على الألعاب الموجودة على الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي، لكن المعلمة استغلت هذا الوقت وجعلته يستخدمه بشيء نافع، أنا اشكرها جداً على هذه الفكرة”. فترد سعاد: ” التلاميذ هم من يقومون بالمجهود معظمه، وهم من يستحق الثناء”.
وتشجع دول العالم المختلفة على استخدام الأنترنت في التعليم وذلك لما يتميز به من مواصفات تسهل العملية التعليمية بصورة عامة، فاقتضت الحاجة إلى تفعيله لمختلف مستويات الدراسة وتطويره ليصل الى حالة أفضل وأداء احسن، حيث وفرت جامعة فرانكفورت في ألمانيا محاضرات على الأنترنت بدل الفصول الدراسية ومقررات إلكترونية بدل الكتب المدرسية، ودعمت الجامعة مشروعاً علمياً لطالبة الدكتوراه شتيفاني رودولف في معهد علوم البيئة بجامعة غوته في مدينة فرانكفورت الألمانية، ويحمل المشروع اسم “علم الفطريات للمبتدئين” حيث طورت شتيفاني المتخصصة في مجال البيولوجيا وحدة دراسية إلكترونية على الأنترنت تختص في علم الفطريات، حيث تقول شتيفاني: “لقد جاءتني هذه الفكرة لأنه لم يكن بإمكاني التعامل والعمل بالفطريات في المرحلة الأولى من الدراسة الجامعية كما أن هناك عدد قليل من المحاضرات والكثير من المصطلحات التقنية التي يصعب استيعابها بسهولة.”
ولهذا تحاول طالبة الدكتوراه من خلال وحدة التعليم الإلكتروني شحذ اهتمام الطلبة بعلم الفطريات، حيث بإمكان الطلاب تصفح الصور الرقمية للفطريات المختلفة والحصول على معلومات إضافية حول تاريخها وخصوصياتها، بالإضافة إلى ذلك يمكن النقر على المصطلحات العلمية والتفسيرات والمشاركة في مسابقة لاختبار المعرفة في مجال الفطريات.
وأتاح توفر الأنترنت في سوريا التواصل بين التلاميذ والمعلم في أي وقت دون قيود؛ وخاصة للطلاب الذين يعانون من الخجل، ولا يستطيعون التعبير عن آرائهم على الملأ أمام بقية الطلبة، ومن ناحية أخرى؛ ساعد المعلمين في زيادة مخزونهم المعرفي، بما يعود بالنفع على الطالب والعملية التعليمية، حيث يؤكد مصطفى منصور مدرس الجغرافيا في مدينة الباب، أن المدرسة عانت من القصف وفقدان الكثير من الأدوات التعليمية، لكن الأنترنت وفرها بشكل مبسط وبأقل التكاليف: “عند تعييني في المدرسة عام 2017 أصبت بالإحباط حقاً، أجزاء من المدرسة مدمرة، لا يوجد سور، ولكن الأسوأ هو عدم تواجد الوسائل التعليمية، فأنا في مادتي أحتاج للخرائط ولبعض المجسمات لإيصال المعلومة بالطريقة البصرية، هنا أتتني فكرة استثمار الموارد المتاحة، وبالطبع بسبب انتشار الأنترنت الكبير، قررت أن أجربه في إيصال المعلومة، طرحت فكرة شراء عارض ضوئي على الكادر الإداري، لمن يود أن يشارك في شراءه، أبدى معظمهم الموافقة، وتمت عملية الشراء مع مولدة صغيرة وبعض حاجيات الأنترنت التي تبرع بها الأهالي، وضعنا جدولاً أسبوعيا لكل مدرس لاستخدام العارض الضوئي يوماً في الأسبوع، وأشرف المدير على العملية، وأصبحنا نستخدم اليوتيوب بشكل أساسي لعرض الفيديوهات عن المواضيع المختلفة”.
ويضيف منصور: “بالنسبة لي كانت كل الخرائط التي أحتاجها في متناول اليد، بكبسة زر أعرض للطلبة المعلومات بشكل مفصل، وهم متلهفون لحصص العرض البصري، وكان التفاعل أكبر ما يكون في هذه الحصص، ولاحظنا تحسن العملية التعليمية بعد مراجعة سجلات التلاميذ”. ويشير المدرس إلى مساعدة الأهالي بشراء عارض ضوئي آخر ولابتوب للتوسع في هذا المشروع بعد التحسن الملموس في مستوى أبناءهم العلمي ، كما أن الانترنت أصبح متاحاً في مكتبة المدرسة المتواضعة للبحث والاطلاع بإشراف المدرسين.
ويفضل بعض المدرسين الاعتماد على الأساليب النمطية دون الحاجة إلى شبكة الإنترنت، لاعتقادهم أن الاعتماد على الإنترنت في التعليم يلغي دور المعلم بعدما كان المعلم هو أساس العملية التعليمية، كما يرون أن الاعتماد على المواقع الإلكترونية للحصول على المعلومات أمر غير صحيح بالمرة، لأن بعض المواقع تقدم معلومات غير صحيحة، وهذا ما يضر بمصلحة الطالب، وفي هذا الصدد، تقول البروفسورة مايكه بيبنرينغ، أستاذة علم الفطريات في جامعة فرانكفورت، بأن صفحات الأنترنت تساعد الطلاب على الإعداد للمحاضرات ومراجعتها بعد ذلك، الأمر الذي يجعلها تدعم التعلم عن طريق الأنترنت ولكنها تشدد من جهة أخرى على أن ذلك لن يحل محل المحاضرة التقليدية، ولهذا ترى كلاوديا بريمر، رئيسة مركز التعليم الإلكتروني “الدراسات الرقمية” لجامعة فرانكفورت أن التدريس المثالي يجب أن يجمع بين التعليم التقليدي وطرق التدريس الرقمية الحديثة.
ولا شك في أن الأنترنت سلاح ذو حدين، لكن مع التوجيه الصحيح، والرقابة الرشيدة، يمكن استثماره في العملية التعليمية بشكلٍ كبير، ويساهم في مساعدة الطفل لتوسعة أفق المعرفة لديه والاعتماد على نفسه وتطوير مهاراته في عملية البحث عن المعلومات، كما يعلمه على الاستفادة من الموارد المتاحة بالشكل الصحيح بدل إضاعة الوقت على أمور ثانوية تضر بمصلحته الشخصية وتحصيله العلمي.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.