صوت وصورة

 

أدركت الجماعات المتطرفة خلال الأعوام الأخيرة أهمية الإعلام في التأثير على الأفراد وسرعته بإيصال أفكارها ورسائلها سواء للجمهور من المتطرفين في العالم، أو للمجتمع المحلي والدولي، فسعت من خلاله على إظهار الصورة التي تستطيع من خلالها التأثير على الجهات المختلفة المتابعة لها وجذبهم نحوها. حيث انشأت التنظيمات المتطرفة مكاتب إعلامية تغلغلت إلى الشبكة العنكبوتية كالمدونات والمنتديات والمواقع الإلكترونية مع التركيز على مواقع التواصل الاجتماعي. ومن ثم عملت هذه المكاتب على إنشاء مواقع وصفحات وقنوات على مختلف مواقع الأنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الدردشة. وتتميز معظم مواقعهم الإلكترونية بروابطها المتغيرة غير الثابتة لأنها قد تغلق بسبب التعاون بين شركات مواقع التواصل الاجتماعي (جوجل، يوتيوب، فيسبوك، تويتر) وبين الحكومات العالمية لإغلاق هذه المحتويات الإرهابية قبل نشرها وتأثيرها على بعض الناس.
دخل تنظيم داعش الإعلام بقوة للتعريف بأعماله، معتمداً على مبدأ الوحشية والدموية لجذب المتطرفين المتعطشين للدماء، وذلك عن طريق مقاطع الإعدام بقطع الرؤوس والإعدامات الجماعية وغيرها من الطرق الوحشية المنافية للفكر الإنساني. وقد تم ذلك عن طريق جهات إنتاج إعلامية ضخمة تتبع للتنظيم، وتنتج أفلاماً وثائقية ومرئيات وصوتيات بأحدث الأساليب وأكثرها تطوراً مستغلين خبرات العناصر الأجنبية المنضمة للتنظيم من أمثال أحمد أبو سمرة أو اصحاب الخبرات المحلية كوائل سلمان اللذان أشرفا على إدارة آلة التنظيم الإعلامية. ومن أشهر هذه الجهات هي وكالة “أعماق” وسيلة الإعلام الرسمية لتنظيم داعش. كان أول ظهور لها كان في أغسطس 2014، ومهمتها نشر أخبار التنظيم على مدار الساعة، وبثّ تسجيلات مصورة لمعاركه وما يتعلق بها، ورسومات بيانية إخبارية (إنفو غراف) توضح “إنجازاته” الميدانية، كما أنها تؤكد أو تنفي تبني التنظيم لهجماته في الدول الأخرى وتعمل على ترويج الفيديوهات الصدارة من جهات إعلامية أخرى تابعة للتنظيم، وتتخذ من برنامج التيليغرام مقراً لقنواتها، إضافة لامتلاكها موقعاً إلكترونياً متغيراً باستمرار.
وتحدث الناشط الإعلامي أحمد المحمد من ديرالزور عن نوعية الفيديوهات التي ينتجها تنظيم داعش ودورها في جذب العناصر من مختلف الدول للانضمام إلى التنظيم، فيقول: “اعتمد تنظيم داعش في إصداراته المصورة على المؤثرات البصرية وكمية عالية من الوحشية بتنفيذ عمليات الإعدام التي بات ينوعها لتلبية رغبات المتطرفين حول العالم، وصار ينشر الفيديوهات والصور مرفقة بترجمات لعدة لغات عالمية كي تصل إلى أكبر عدد ممكن، حتى ترى هذه الفيديوهات منتشرة بشكل كبير على تويتر وفيس بوك بأعداد خيالية بعد دقائق من بثها”.
وعمل عناصر التنظيم اللذين يمتلكون الخبرة التقنية والإعلامية على تصميم عدة برامج تكرار أو ما يُعرف باسم “بوت” وتكون مهمته تكرير التغريدات والصور والهاشتاغات على موقع تويتر بشكل سريع وعلى نطاق واسع من حسابات حول العالم، حتى أن أحد تغريدات التنظيم قد تم نشرها من قبل 40 ألف حساب قبل أن يقوم موقع تويتر بحظر البوت والحسابات.

كما أن تنظيم داعش قد استغل الإعلام للسيطرة على الشارع المحلي والمحيط بعناصر التنظيم، وذلك عن طريق إنشاءه لمحطة إذاعية خاصة بالتنظيم سميت باسم “إذاعة البيان” وهي أول إذاعة محلية تابعة لتنظيم داعش، بثت من مدينة الموصل في البداية ومن ثم غطت جميع مناطق سيطرة التنظيم، وقد تأسست الإذاعة بعد سيطرة التنظيم على مدينة الموصل واستحواذها على مباني وأدوات إذاعات محلية، وتعتبر إحدى القنوات الرئيسة لقرارات التنظيم في المدينة ونشر الأخبار للمدنيين والعناصر على حدٍ سواء.
و استخدم التنظيم الصحافة أيضاً، فقد أصدر مجلة “دابق” وهي أول مجلة ورقية تَصدُر بلغات متعددة منها العربية والإنكليزية والفرنسية يصدرها تنظيم داعش ويعتبرها التنظيم أداة لمخاطبة عناصره ومناصريه الغربيين. وتتميز بجودة التصميم من ناحية ورقها وطريقة عرضها، ويتم توزيعها في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وسوريا وينشرها كملف إلكتروني على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات. كما أصدر التنظيم صحيفة “النبأ” والتي يعتبرها كوسيلة لمخاطبة العناصر العربية والمدنيين في مناطق سيطرته، وهي صحيفة أسبوعية ينشر التنظيم من خلالها سير عملياته العسكرية وجوانب اعن التنظيم”.
عن هذا الموضوع يقول النشاط الإعلامي تيم رمضان من محافظة ديرالزور: ” ركز تنظيم داعش على نشر نقاط إعلامية تابعة له بكثرة في مناطق سيطرته، فكانت تفصل بينها مسافة 5 كم على أقصى حد، توزع هذه النقاط فيديوهات وصور وصحف صادرة عن التنظيم للمارة بشكل إجباري، كما أن هذه النقاط تبث أناشيد داعش على مدار الساعة، حتى بات الناس يرددونها لا شعورياً”. وأضاف رمضان: “التنظيم قدم نفسه كمصدر وحيد للأخبار في مناطق سيطرته، فقد منع انتشار الأنترنت وحظر مشاهدة المحطات الفضائية بهدف تغييب المدنيين عن جميع الأخبار التي تضر وجودها، وتزيل الخوف الذي كان يحكم به”.

ولم يكن تنظيم داعش هو الجهة المتطرفة الوحيدة التي استغلت الإعلام في بث الأفكار، بل إن هناك أيضاً النظام السوري الذي قام بالتسويق لخطابه المتطرف ضد المدنيين اللذين طالبوا بالحرية والعدالة، ومن حمل السلاح دفاعاً عن النفس، فأنشأ برامج تهدف للتضليل الإعلامي الذي قد ساعده كثيراً في استعطاف بعض الجوانب الدولية مثل روسيا الصين وبناء قاعدة شعبية من المتطرفين المؤيدين له في المجتمعات الغربية. وكانت هذه البرامج تُبث عن طريق قنواته الرسمية والمواقع الإلكترونية الرسمية التابعة للإعلام السوري، ومن أشهر هذه القنوات “القناة السورية الفضائية والإخبارية السورية”. كما أنشأ النظام ما يُعرف “بالجيش السوري الإلكتروني الذي يتولى مهمة تلميع صورة النظام على مواقع التواصل الاجتماعي وتنفيذ هجمات إلكترونية ضد معارضيه.
كما عملت مليشيا حزب الله والمليشيات الإيرانية والعراقية الشيعية على تطوير منظومتها الإعلامية وامتلكت تغطية إعلامية قوية من قنوات رسمية ومواقع خاصة، وهي تعتمد على سياسة بث خطاب الكراهية وأفكار التطرف في تغطيتها الإعلامية عن طريق الأناشيد التحفيزية والتي تدعو للثأر والقتل والقيام بالأمور التي تنصرهم وترفع رايتهم من وجهة نظرهم. وبالرغم من أنه لا توجد إحصائيات دقيقة بعدد القنوات الجديدة التي قد ظهرت في الآونة الأخيرة والتابعة للمليشيات الشيعية إلا أن المشاهد يستطيع احصاء ما يقرب من 100 قناة رسمية فضائية وأرضية تابعة للمليشيات الشيعية حديثة قد ظهرت مؤخراً.

وبالحديث عن المليشيات المتطرفة لا بد من ذكر مليشيات قوات سوريا الديمقراطية أو المعروفة “بقسد” والتي اهتمت بالإعلام وخصوصاً في الآونة الأخيرة حيث قامت ببث أول قناة لها ناطقة باللغة العربية وهي قناة “اليوم” والتي تقوم بالتعبير عن أفكار المليشيا وذلك عن طريق ظهورها كطرف يحمي الحريات ويسعى لإقامة مجتمع ديمقراطي كما تدعو لاعتبار شمال سوريا اقليم مستقل والانفصال عن باقي الأراضي السورية. كما عملت المليشيا على إنشاء العديد من الحسابات على وسائل التواصل الاجتماعي لبث بروبوغندا المليشيا للتغطية على الانتهاكات المرتكبة من قبل المليشيا في مناطق سيطرتهم.

وبات الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعية هي الطريق الأنسب بالنسبة للجماعات المتطرفة حول العالم لنشر أيدولوجيتها المتطرفة بشتى الطرق والوسائل وهذا الأمر ليس محصوراً في منطقة بعينها كالشرق الأوسط، بل إن هناك الكثير من الجماعات المتطرفة ايضاً في المجتمعات الغربية تنشر افكارها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي وعن طريق مجالس النقاش الحر في دول الغرب والتي تسيطر على عقول بعض الشباب المائلين لنزعة متطرفة. كحال بعض الأحزاب اليمينية في أوروبا ودول الغرب التي تنتهج سياسية متطرفة ضد اللاجئين وتحفز الناس على معاملتهم بالسوء و إقامة الاحتجاجات لطردهم من البلاد مثل حركات حزب “البديل” الإلماني ضد اللاجئين السوريين ووقف باب الهجرة لألمانيا وحزب سفاريا ديموكراتنا.
تقول الناشطة الاجتماعية الألمانية انتينا كليين والعامل في مجال مساعدة اللاجئين في مراكز الإيواء: “إن حوادث الاعتداء على مراكز اللاجئين هي نتيجة بث اليمين المتطرف لأفكار الكراهية عبر الوسائل الإعلامية، فاستقبلها الشباب المندفع ممن يحملون بذور التطرف وحولوها إلى أعمال عنف تستهدف اللاجئين، واستمر هذا الخطاب حتى وصل إلى شبكات التواصل الاجتماعي التي استغلها اليمين المتطرف ايضاً في نشر سياسة معاداة اللاجئين، فأصبحنا نرى صفحات وهاشتاغات موجهة ضد اللاجئين وتعمل على تشويه صورهم، كل هذا يهدف إلى جر أكبر قدر ممكن من الشباب باتجاه الأحزاب اليمينية كي تحظى بمزيد من الأصوات في الانتخابات البرلمانية.”.

إن كل ما تناولناه سابقاً يوضح أهمية الإعلام في عصرنا الحالي وقدرته الكبيرة على التأثير في قرارات الأشخاص وفي حياتهم الشخصية، وهذا ما يمثل نقطة القوة لهذه الجماعات المتطرفة من حيث سرعة التأثير في الناس والتغيير من قراراتهم واندفاعهم نحو أمور خطيرة متطرفة، وعلى الرغم من المواجهة الدولية لمعظم هذه التيارات المتطرفة ومحاربتها بشتى الوسائل إلا أنها ما زالت تقاوم أمام القوة الدولية الإعلامية، فإلى أي حد سيستمر استخدام هذه الجماعات لوسائل الإعلام في بث خطاب الكراهية والتطرف؟

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.