صوت وصورة

 

عانت المرأة في ظل العيش بمجتمعات تحت سيطرة التنظيمات المتطرفة التي احتلت القسم الأكبر في سوريا، لكن هذه المعاناة خلقت إصراراً وتحدياً لدى الكثير من الناجيات من هذه المجتمعات، ودفعتهن للعمل بشكل أفضل على محاربة التطرف، بل وخلقت جيشاً من المدافعات في وجه العادات والتقاليد البالية، تلك التي سمحت للمتطرفين باستغلال الوسط المحيط، وزادت من معاناة النساء في المجتمع.
السيدات اللواتي كانت لهن تجارب معيشية مع المتطرفين في مناطق سيطرتهم، قاومن كثيراً وحاربن بالسر والعلن ضد ممارسات التطرف في المجتمع، وتعرضن للكثير من الضغوطات والممارسات المتطرفة بحقهن، منهن من تم اعتقاله، وبعضهن تمت ملاحقتهن من قبل المتطرفين بسبب المطالبة بحقوقهن.
لكن ومع انحسار التنظيمات المتطرفة عن كثير من المناطق التي احتلتها سابقاً، استطاعت السيدات أخذ مساحة أكبر من الحرية، واكتسبن مهارات كبيرة وخبرة في التعامل مع التطرف والأفكار المتطرفة بكافة أنواعها.
سوسن ارسوزي، ناشطة من ريف حلب الشرقي، كانت تعمل في منظمات المجتمع المدني وبشكل سري في مناطق سيطرة تنظيم داعش، وتعرضت للملاحقة الأمنية حتى استطاعت الهرب إلى تركيا، تتحدث عن تجربتها مع المجتمع لدى عودتها إلى مدينتها بعد هزيمة التنظيم وانسحابه من بلدتها، فتقول: “كانت لدي الكثير من الخطط والمشاريع لتنفيذها في المنطقة، تخوفت كثيراً في البداية من استجابة المجتمع الذي قبع تحت القمع لسنوات، لكنني تفاجأت بهمة النساء في المجتمع، رأيت إقبالاً كبيراً على ندوات التوعية، والجلسات التشاورية بين النساء، رأيت تلهفاً كبيراً من السيدات للتعلم والمساهمة في بناء المجتمع، واستطعنا سويةً تحقيق الكثير من الإنجازات، على مستوى الوعي ضمن الأسرة والعمل”.
وترى سوسن أن المرأة قادرة على الوقوف في وجه التطرف لأنها واجهته وتعلمت الكثير حيث تقول: “الناشطات والمثقفات وحتى ربات المنزل، عانين من التطرف، بشكل أو بآخر، وهذا ما يعني أنهن اكتسبن الخبرة لمواجهته في كل وقت، أتمنى ألا يعود التطرف إلى مناطقنا، لكنني على ثقة بأن النساء سيقفن حصناً منيعاً في وجهه في المستقبل، وسيمنعن ابناءهن من الانجرار وراء الأفكار المسمومة، لأنهن شهدن بأم أعينهن آثار التطرف في المجتمع”.
وتتحدث الناشطة الإعلامية رقية العبادي من محافظة ديرالزور عن تجربتها في ظل العيش تحت سيطرة تنظيم داعش وعملها في الإعلام بذات الوقت، فتقول: “فتاة وتعمل في الإعلام في مناطق سيطرة تنظيم داعش، تهمة مضاعفة عقوبتها الموت، لكن الموت الحقيقي هو عدم مقاومة التنظيم، لذا اخترت المجال الإعلامي للمقاومة، فعملت مع عدة مجموعات إعلامية سراً لتغطية أخبار المدينة ونقل الصورة الحقيقة، وكنت شاهدة على نزوح الآلاف من المدنيين من مناطق النظام بعد فرض تنظيم داعش الحصار على بعض الأحياء، استمر عملي لسنة ونصف تقريباً ومن ثم اضطررت لمغادرة المدينة بعد انكشاف عملي”.
ورغم خروج تنظيم داعش من مدينة ديرالزور، إلا أن رقية لا تستطيع العودة إليها لسيطرة نظام الأسد والمليشيات الإيرانية وميلشيات قسد عليها، فاختارت رقية إكمال عملها الذي بدأته بمقاومة التنظيم المتطرف عن طريق لقاء السكان النازحين من محافظة ديرالزور إلى الشمال السوري، تقول رقية: “أذهب للقاء السكان وأرى ملامح مدينتي التي لا استطيع أن أراها على وجوههم، لكن الغاية الأكبر هي مساعدتهم على تجاوز مرحلة داعش ومحاربة الأفكار المتطرفة التي حاول التنظيم زرعها في عقول المدنيين عن طريق جلسات حوارية وورشات عمل تَمحو الآثار الداعشية في المجتمع”.
وأخذت النساء الناجيات بالتجمع والتجمهر في الكثير من المناطق التي خرجت من قبضة المتطرفين، كحال الكاتبة الصحفية مي عادل التي تحدثت عن تجربتها مع مجلس المرأة في الرقة، حيث تقول: “وصلنا ذلك الصباح لحضور افتتاح مجلس نساء الرقة، إنه مجلس للنساء، في مدينة ظلّت حتى نهاية عام 2017 تحت سيطرة المتطرفين العنيفين، الذين جعلوا الاستعباد الجنسي للنساء مسألة أساسية في ممارساتهم الفظيعة”. وتضيف مي: “تحدثنا كثيراً إلى نساء الرقة اللواتي التحقن بالأمن المحلي، والتقطنا الصور في محاولة لتسجيل لحظة تعبر عن تحمل هذه المدينة التي شهدت الكثير”.
وكنّ الناجيات حجر الأساس في تعافي المجتمع على اختلاف الزمان والمكان، في عام 1945 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، عاشت ألمانيا واقعاً مريراً بعد هزيمتها، فقد كان الوضع كارثياً، كانت ألمانيا آنذاك بقعة شاسعة من الخراب، يسكنها عدد هائل من المشردين والجوعى، 40% من البنية التحتية تدمرت بشكل كامل، أي ما يقرب من نصف المصانع والمدارس والمستشفيات وغيرها من المؤسسات، في وضع كهذا تبدو فكرة النهوض شبه مستحيلة، فالتحدي صعب والاستسلام للواقع هو خيارٌ مطروح في مثل هذه الظروف، إلا أن العكس ما حدث.
في ظل هذا السواد القاتم ظهرت لويزا شرودر السياسية في الحزب الاشتراكي، تنادي بالبناء والتعمير والنهوض بالبلاد والتخلص من هذا الوضع المزري، لويزا هي إحدى الناجيات من حوادث الاغتصاب التي كانت تمارس اتجاه الألمانيات من قبل قوات الاحتلال. كان النقص الهائل في أعداد الرجال في تلك الفترة هو الدافع والسبب الرئيسي لانطلاق هذه الحركة ، فقد قتل حوالي 5 مليون شخص خلال الحرب، فضلاً عن الأسرى والمصابين، الأمر الذي ألهمها بضرورة إظهار دور المرأة وقدرتها على التغيير. جمعت لويزا النساء وحثتهن على المشاركة في النهوض بألمانيا وبث الحماس فيهن، وأطلقت على هذه الحركة اسم “نساء الانقاض”، لاقت الحركة ترحيباً قوياً من نساء ألمانيا اللواتي خيم الحزن على قلوبهن، لما حل بهن، فالمرأة الألمانية في تلك الفترة إما ثكلى، أو أرملة، أو طفلة يتيمة، كان العمل هو المفر الوحيد من هذا الواقع ، فما كان منهن إلا ان شمرن عن سواعدهن واتخذن مواقعهن في تلك المعركة، كانت لويزا بمثابة القائد لهذه المعركة الشرسة، فقامت بتوزيع أدوات العمل وتقسيم الأدوار والمهام، انطلقت الحركة من برلين وانتشرت في كافة ألمانيا، ووصل عدد المشاركات إلى 80 ألف امرأة، وها هي المانيا اليوم من ضمن الدول الأوائل في مجالات مختلفة.
أما في باكستان، فنهش تنظيم القاعدة جسد المجتمع بشكل كبير، وعانت المرأة على مدار الثلاثين سنة الماضية من آثار التطرف، فقد حرم التنظيم المرأة من أبسط حقوقها كالتعليم والعمل، وتحكمت القاعدة في اللباس ونمط العيش لدى النساء، إلا أنها استطاعت في كثير من الأحيان أن تخرج ناجية، تقول بشرى خالق في مقال لها على موقع الوقائع التابع للأمم المتحدة “المرأة تستطيع المشاركة بفعالية شديدة في تغيير النزاعات ومعالجة مسائل التطرف العنيف، شريطة أن تملك القدرة الاقتصادية والدراية بتلك المسائل والمهارات اللازمة في مجالي المناقشة والتفاوض”.
وعن الدور الهام الذي تأخذه النساء في المجتمع الباكستاني وخصوصاً فرق الناجيات والهيئات النسائية، تقول بشرى: “وتؤدي فرق السلام النسائية، مثل مجموعات أمهات تولانا، دور عناصر التغيير من خلال أنشطة التوعية ومنع التطرف ودعم النساء الأخريات، وعن طريق الدعوة وممارسة الضغط من أجل إشراك المرأة في هياكل السلام والأمن الرئيسية واللجان، بما فيها الهياكل واللجان ذات التأثير على القوانين والسياسات”، وتضيف بشرى: “”وتقدم مجموعات أمهات تولانا المعنية بالسلام إسهامات ضخمة في تحقيق المصالحة المجتمعية ومعالجة الصدمات وكفالة الاستقرار في مناطقها أثناء هذه الأوقات العصيبة والمضطربة، بفضل ثقة السكان في أنها تمارس البناء داخل مجتمعاتها المحلية. وتعمل هذه المجموعات بمعية لجان إدارة المدارس ومع المعلمين والآباء في نشر رسائل السلام وتنظيم المجتمع”.

تمتلك النساء طاقة تساعدهن على التعافي بشكل أسرع من كافة فئات المجتمع، والقدرة على العمل ضمن الأسرة، والبيئة المحيطة، وقد أثبتت الكثير من السيدات في المناطق التي تحررت مؤخراً فعالية كبيرة على التحدي والإصرار في العمل على مكافحة آثار التطرف لضمان عدم العودة للوراء، والانصياع وراء التطرف، فرغم قساوة التجربة التي تعرضن لها، إلا أنهن خرجن بخبرة وقوة أكبر عما قبل، وجعلن هذه الطاقة حصناً منيعاً يحمي المجتمع من التطرف في حال فكر بالعودة مجدداً.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.