صوت وصورة

 

يتبادر إلى الأذهان اسم أبو بكر البغدادي وأسامة بن لادن وغيرهم من قادة الجماعات الإرهابية عند ذكر التطرف العنيف نتيجة تصدر الذكور لقيادة هذه الجماعات، وتركيز الإعلام عليهم كونهم المحرك الأساسي ومنبع القرار في تنفيذ الهجمات الإرهابية، وحتى عند ذكر التطرف الفكري فترتسم في المخيلة صورة رجال غاضبون، متعصبون لآرائهم، يحبون العنف، حتى بات هذا التعميم كقاعدة أساسية عن حملة التطرف بشقيه الفكري والعنيف. ولكن في الكثير من التنظيمات المتطرفة الحديثة، تلعب النساء دوراً هاماً ومفصلياً فيها، ولا يقل خطرهم عن خطر الرجال المتطرفين، بل يزداد أحياناً خطر النسوة المتطرفات نتيجة دورهم بحياة الأبناء وتربيتهم على التطرف، فيصبح الأبناء عناصر منتمين للمجموعات الإرهابية بعد نضوجهم، ينشرون التطرف والعنف في المجتمعات السليمة.
وتوسع دور المرأة لدى المجموعات الإرهابية في العصر الحالي، فسابقًا كان يقتصر دورهن على تقديم الدعم اللوجيستي عن طريق جمع التبرعات وما إلى ذلك، أما الآن فأصبحن جزءًا من العملية الإرهابية ويقمن بمهام مشابهة لمهام الرجال في تلك التنظيمات، كحال سالي جونز أو ما تعرف باسم الأرملة البيضاء، وهي مغنية روك بريطانية تزوجت من خبير الحاسوب المولود في بيرمنغهام جنيد حسين أحد قادة داعش، ومن ثم أخذت ابنها جو ديكسون معها وسافرت إلى مدينة الرقة، وغيرت اسمه لحمزة حسين البريطاني، وانضمت لصفوف تنظيم داعش، ولقبت بعد وصولها إلى سوريا بأم حسين البريطانية.
وفي الوقت الذي كان جنيد حسين يلعب دوره في تجنيد المقاتلين الغربين لصالح تنظيم داعش، كانت سالي جونز تلعب ذات الدور أيضاً بتجنيد فتيات غربيات وتقنعهم بالانضمام لتنظيم داعش، وبحسب مصادر منظمة صوت وصورة فإن سالي جونز استطاعت إقناع العديد من الفتيات الأوربيات للذهاب إلى مدينة الرقة السورية والانضمام لداعش وتزوج مقاتلين من التنظيم، كما أن جونز أرغمت ابنها جو 12 عاماً على ذبح شاة، كي يتعلم قطع رؤوس أعداء تنظيم داعش، حتى بات جو ديكسون أو حمزة البريطاني أشهر عناصر التنظيم رغم صغر سنه.
ولم يقتصر دور المرأة في داعش على غسل عقول أبنائها أو التجنيد لصالح التنظيم وحسب، بل كانت مقاتلة أيضا على جبهات القتال، وكثيراً ما قامت النساء المتطرفات بأعمال إجرامية من قتل الرهائن أو تعذيبهم بالأساليب الوحشية أو تنفيذ عمليات انتحارية، حتى بات هنالك ما يُعرف باسم كتيبة الخنساء والحسبة النسائية والشرطة النسائية التي تتبع لتنظيم داعش وتنتشر هذه التشكيلات في جميع المناطق التي يسيطر عليها التنظيم.
تتحدث آلاء الناصر، سيدة من مدينة الرقة نزحت إلى مدينة إدلب في عام 2016، حيث كان تنظيم داعش يفرض سيطرته على مدينة الرقة آنذاك، عن النساء المنتميات لتنظيم داعش في الرقة، حيث قالت: “في حين كان الرجال في تنظيم داعش يضيقون الخناق على المدنيين ويحاولون تجنيد الرجال وحتى الأطفال، لعبن النساء دوراً في الترويج للتنظيم ومحاولة تجنيد الإناث، عرفت منهن ثلاثة نساء مقاتلات، كنّ يذهبن مع الرجال إلى المعارك بالسلاح، واحدة منهن أصيبت بإصابة خطيرة أدت لشللها، كانوا يؤمنون بأن ما يقمن به الصحيح”. وتضيف آلاء أن قسماً من النساء كانوا يتولون عملية تعذيب النسوة التي يتم القبض عليهم من قبل التنظيم، ويوجد عدة نساء قُتلن تحت التعذيب على يد عناصر نسائية من تنظيم داعش، حتى أن هؤلاء النسوة قد ابتكرن أسلوباً جديداً في التعذيب فتقول: “استخدمت كتيبة الخنساء ما يسمى بالعضاضة لتعذيب النساء في سجون داعش، وهي عبارة عن فكي كماشة حديدية يتم وضعها على صدور النساء والضغط عليها بقوة”. وتشير السيدة إلى محاولة نسوة من داعش بإقناعها على الانضمام للتنظيم وهذا ما دفعها إلى الهرب من المدينة.
بعد هزيمة تنظيم داعش في مدينة الرقة، هرب الكثير من نساء التنظيم إلى مناطق أخرى، البعض منهن من الأجانب عدن إلى بلدانهنّ، يحملن الأفكار المتطرفة معهنّ، حيث حذرت تقارير إعلامية بريطانية من ازدياد التهديد المتمثل في وجود نساء وفتيات قاصرات يرتبطن بتنظيم داعش، وأشارت هذه التقارير إلى أنه تم التقليل من شأن عدد العائدات منهن من العراق وسوريا إلى بريطانيا. فقد أشارت دراسة للمركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي في بريطانيا إلى أن غياب البيانات الحكومية وتغير موقف داعش بشأن الحالات التي يسمح فيها للمرأة بحمل السلاح، جعلا الخطر المحتمل الذي تشكله نساء التنظيم أكبر مما كانت تتوقعه الأجهزة الأمنية، كما أوضحت الدراسة أن النساء شاركن بعمليات التنظيم في جميع أنحاء العالم، وأن نسبتهن تبلغ 13% من إجمالي الأجانب الملتحقين بداعش في العراق وسوريا، ونقلت صحف بريطانية عن شرطة “يوروبول” قولها إنه تم إلقاء القبض على 96 امرأة بتهم تتعلق بالإرهاب خلال عام 2014، و171 امرأة في عام 2015.

لم تقتصر مشاركة النساء على التنظيمات المتطرفة ذات المرجعية الدينية، بل كانت مشاركة النساء في التنظيمات المتطرفة ذات الأيديولوجية القومية أكبر وأعم، فمليشيا قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ذات الغالبية الكردية، أحد التنظيمات المتطرفة في شمال وشرق سوريا، تضم عشرات الكتائب من النساء والتي ضمت المئات من المقاتلات اللواتي قاتلن جنباً إلى جنب في المعارك ضد خصوم قوات سوريا الديمقراطية.
وتشير سوزدار بردة، أحد الناشطات المدنيات في مدينة الرقة، والتي هربت من بطش قوات سوريا الديمقراطية إلى تركيا، إلى دور النساء في صفوف قسد، حيث تقول: “تلعب النساء في مليشيا قسد دوراً هاماً جداً، تشارك في التخطيط العسكري وفي الإدارة المدنية، وتشارك بشكل كبير في المعارك التي تقودها المليشيا، ولا يخفى وجود نساء في دائرة صنع القرار، تساهم المرأة في قسد بقيادة الجيوش، وتقاتل جنباً إلى جنب مع الرجل في المعارك، وقد كان هناك الكثير من الضغوط على النساء في الرقة وريفها للانضمام للمليشيا، بعض هذه الضغوط كانت مغريات مادية أو معنوية، للتأثير على السيدات البسيطات وتجنيدهنّ ضمن صفوف قسد، كنّا نحاول توعية النساء من خطر المشاركة في التنظيمات المتطرفة، تمت ملاحقتنا واضطررنا للهرب من المتطرفين، نساءً ورجالاً”.

في مناطق سيطرة النظام السوري، تطوعت العديد من النساء للقتال بجانب القوات الرديفة “الشبيحة”، وشاركن بشكل كبير في المعارك ضد الجيش الحر والفصائل الأخرى، وفي حصار مناطق سورية بريف دمشق وريف حمص و ديرالزور، ولم يكن ذوات خبرة عسكرية كبيرة، أما عن المتطوعات لدى جيش النظام، فكان هناك العديد من الضباط وصف الضباط من النساء، وكان يتم إعدادهن بشكل أفضل للمشاركة في معارك النظام. وتقول سامية الحسن المهجّرة من ريف دمشق: “كانت النساء في قوات النظام يشاركن في الحواجز المحيطة بالمناطق المحاصرة، رأيت العديد منهن لدى تهجيرنا، لاحقاً رأيت عن طريق مقاطع الفيديو المنتشرة على الأنترنت بعضاً منهن يشاركن في نهب بيتي وممتلكاتي التي تركتها قبل التهجير”.
وانخرط بعض النسوة أيضاً بنشر الأفكار المتطرفة ومهاجمة كل من يخالفهن الرأي، كحال “جريتش ريترز” الأستاذة الجامعية في كلية “mount sinai” بمنهاتن بولاية نيويورك ومديرة لأحد مراكز الحركة النسوية، التي تُعد نموذجاً من نماذج التطرف النسائي؛ ففي الوقت التي يفُترض أن تلعب دوراً مهماً في الدفاع عن المرأة من خلال ترأسها لمركز حركة نسوية، ترى أن الأمهات المتفرغات للبيت وتربية الطفل خطر على الأولاد ولعنة على المجتمع، فتقول في إحدى المقالات التي نشرت في صحيفة “statesman”: “حان الوقت لنتحدث بصراحة عما نفقده حينما تجلس المرأة في البيت في أمة كأمتنا الأمريكية تقدر الطفولة والأمومة، فما الفائدة من بقاء المرأة في البيت والعناية بالأولاد”.
وتمضي في هجومها على الأم المتفرغة لبيتها وأولادها وتورد بعض النقاط التي تزعم أنها سلبية من وراء تفرغ الأم مثل ابتعاد النساء عن المشاركة في بناء المجتمع، وأن بقاء الأم في البيت طوال الوقت يرمي بكاهله على الأولاد ويبعث فيهم الملل. وتصل المغالطات والتطرف النسائي بجريتش ريترز مداها عندما تطلب اعتبار خيار المرأة لبيتها جريمة يعاقب عليها القانون، فتقول: “الأم المتفرغة خطر على الأولاد وظاهرة سيئة على المجتمع”.

لا يمكن نسب التطرف لجنس دون الآخر، فالتطرف يتواجد لدى بعض الذكور والإناث على حدٍ سواء، ففي التنظيمات المتطرفة لم يقل دور المرأة عن الرجل، وربما تجاوزه في بعض الأحيان عندما أُتيحت للمرأة فرصة المشاركة بشكل أكبر، ليبقى المعيار الوحيد للتطرف هي الأفكار التي يحملها كل فرد والأفعال التي تصدر عنه.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.