صوت وصورة

 

تُعرف المقاطعة الاقتصادية على أنها عملية التوقف الطوعي عن استخدام أو شراء أو التعامل مع سلعة أو خدمة لجهة كشركة أو دولة تُسيء أو تُلْحق الضرر به أو بغيره، كشكل من أشكال الاعتراض والاستنكار.

ويعد الاقتصاد عصب الحياة الذي اعتمدت التنظيمات المتطرفة عليه، وتوسعت باتجاهه، لذا اختار تنظيم داعش مناطق شمال وشرق سوريا لامتلاكها مخزون كبير من الثروات الطبيعية التي تؤمن لهم التمويل وذلك عن طريق الإتجار بها مع مجموعات أُخرى ودول مجاورة لمناطق نفوذهم، الأمر الذي سمح لهم بشراء المزيد من الأسلحة التي استخدموها في قتال المدنيين، كما سمح لهم هذا التمويل بنشر فكرهم المتطرف في المجتمعات التي سيطروا عليها، فازداد عددهم وكثر المنضمين لهم، خاصة بعد ما نشطوا على وسائل التواصل الاجتماعي وصرفوا ملايين الدولارات على الإعلام الموجه لبث أيديولوجيتهم في كل أنحاء العالم.

ولم يكن لتنظيم داعش أن يصل إلى هذه المرحلة من السطوة والنفوذ، لولا وجود العائدات المالية التي حصل عليها بيعه النفط والقمح والآثار والعديد من المواد الأخرى التي كانت تنتجها مناطق تحت سيطرته، ويشرف هو على تصديرها والتجارة بها.

 إلا أن النظام السوري ودول الجوار وشركات خاصة، لم تقاطع التنظيم المتطرف اقتصادياً، وأجرت معه صفقات تجارية بعيداً عن الأوراق الرسمية، وذلك عن طريق وسطاء وتجار حروب يرتبطون بشكل وثيق مع الحكومات في كل من سوريا والعراق وشركات أجنبية. وإذا كان من الصعب تحديد قيمة المداخيل التي تدرها تجارة النفط السوري على التنظيم بدقة، فالتقارير الاقتصادية من وزارة الخزانة الأميركي تتحدث عن موارد تقارب 3 ملايين دولار يومياً، وهذا ما يعني أن التنظيم المتطرف يتغذى من تعاملاته مع حكومات الدول المجاورة والمجموعات المحلية.

 

براء الحسن، تاجر مواد غذائية في الرقة، تحدث عن آلية التجارة بين داعش والنظام السوري حيث قال: “كان الجميع يشاهد قوافل التبادل التجاري من شاحنات وصهاريج النفط التي كانت تنتقل عن طريق الجسر الجديد على نهر الفرات إلى طريق يؤدي إلى خارج الرقة، ذاهبة إلى مناطق النظام السوري، بالمقابل كانت الكثير من المواد الغذائية تصل إلينا من مناطق النظام بسعر مقارب لسعرها في مناطقه”.

 

وضمن سياسة التحالف الدولي في ما يُعرف بتجفيف منابع الإرهاب، استهدف طيران التحالف قوافل النفط التي كانت تمر في مناطق التنظيم، في محاولة لتضييق الخناق الاقتصادي على التنظيم المتطرف، كما أن الدول الأوربية والولايات المتحدة الأميركية دعت لمقاطعة التنظيم اقتصادياً بشكلٍ كامل، إلا أن هذا الأمر لم ينجح بسبب اعتماد النظام السوري بشكل كبير على ما تنتجه المناطق التي احتلها تنظيم داعش كالنفط والقمح، وعدم مقدرته على سد الحاجة لديه إن هو اعتمد المقاطعة الاقتصادية.

 

ويقول محسن العلي من محافظة ديرالزور أن رغم اكتفاء المنطقة من النفط، إلا أن التنظيم كان يبيعه للمدنيين بأسعار تفوق قدرة المدنيين بظل الظروف الاقتصادية التي ضربت المنطقة، ويضيف: “إن مقاطعة صادرات التنظيم وعلى رأسها النفط كان من الممكن أن تُضعف التنظيم اقتصادياً؛ وتُخفض سعره في مناطق سيطرته أمام المواطنين، فبرميل المازوت كان يباع بسعر 25 ألف ليرة سورية، فلو لم يجد التنظيم سوقاً خارجية له لباعهم بأقل من ذلك بكثير، ويمكن قياس هذا الأمر على القمح والقطن والمنتجات الزراعية.”

 

لم يكن النظام السوري الوحيد المشتري للنفط من تنظيم داعش الإرهابي، فسيطرة تنظيم داعش الذي على مئات الكيلومترات من الحدود السورية، فتح له باب التهريب إلى خارج سوريا لصالح مجموعات تلعب دور الوسيط، فتشتري النفط من داعش وتبيعه لعدة جهات.

أسامة جميل، دكتور علم الاقتصاد في جامعة حلب سابقاً، تحدث عن أهمية المقاطعة الاقتصادية في إنهاء التنظيمات المتطرفة وتواجدها في مناطق نفوذها، حيث يقول: “بالتأكيد، عندما يتم تضييق الحصار على التنظيمات المتطرفة بقطع موارد التمويل التي يملكونها، فبعد فترة معينة سيضعف هذا التنظيم، وسيتخلى عنه الكثير من عناصره عندما لن يستطيع دفع مستحقاتهم ورواتبهم، وسينقص تسليحه ويتراجع أداؤه، كما أنه سيلجأ لأساليب أخرى من فرض الضرائب والسرقة ليعوض ما فقده، وبالتالي ستزداد الهوة بينه وبين المجتمع الذي يحتله، كل هذه العوامل ستؤدي إلى انهياره بالنهاية وهروب قاداته ببعض الأموال وتفكك الصفوف العليا، مما يسهل القضاء عليه”.

ويستطرد جميل متابعاً: “بالتأكيد ليس من السهل المقاطعة الاقتصادية في ظل الحاجة والمصالح الكثيرة المتعلقة بالتجارة، وحتى لو كانت هناك خطوات جدية في المقاطعة من قبل الدول المجاورة، فسيبقى التنظيم المتطرف كداعش وغيره يحاول إيجاد مصادر تمويل جدية وسيبقى التهريب وسيلة، إلا أنه بالتأكيد سيضعف بشكل كبير”.

 

ولطالما كانت المقاطعة الاقتصادية أحد الطرق السلمية والمجدية في مجابهة حركات التطرف حول العالم، وتُعد حادثة مقاطعة أصحاب البشرة السوداء في اميركا لشركات النقل التي كانت تعتمد تمييزاً عنصرياً ضدهم هي من اشهر حوادث المقاطعة الاقتصادية وانجحها، فبعد أن خصصت الحافلات مقاعدها على أساس عنصري، أطلق مارتن لوثر كينج دعوة بمقاطعة هذه الشركة، ما أدى إلى تكبد تلك الشركات خسائر فادحة، حيث كان الأمريكيين من ذوي الأصول الإفريقية يشكلون أكثر من 70% من ركاب هذه الشركات التي تمارس العنصرية ضدهم، ومن هنا سلك مارتن لوثر كينج طريقًا سلميًا أقنع به وبجدواه عدد كبير من الأتباع المشاركين معه في نفس القضية لانتزاع حقوق السود داخل الولايات المتحدة، إلى أن بدأ هذا النضال يثمر حين أصدرت محكمة أمريكية حكمًا تاريخيًا ينص على عدم قانونية هذه التفرقة العنصرية، حينها طلب كينج من أتباعه أن ينهوا المقاطعة ويعودوا إلى استخدام الحافلات بعدما تحقق غرضهم من المقاطعة.

 

وعن جدوى المقاطعة الاقتصادية واثرها في الضغط، تحدثت المواطنة الألمانية صوفيا ينس المشاركة في حملة المقاطعة التي أطلقها ناشطون ألمان ضد سلسلة محلات مولر السنة الماضية، بعد قيام أحد الموظفين بشتم لاجئة وطردها، عن الأثر السريع والكبير لهذه الحملة فتقول: “في بداية الأمر أطلقنا حملة تهدف للتوقف عن الشراء من سلسلة محلات مولر الشهيرة، وانتشرت الحملة بسرعة واستجاب قسم كبير من الألمان، ولم يطل الأمر أكثر من يومين حتى قدم المدير التنفيذي اعتذاراً رسمياً عن تصرف الموظف بعد أن قام بفصله ومنعه من العمل ثانية في أي جهة تتبع لهم”.

وعن أهمية هذه الحملة تقول ينس: “لم تكن الاستجابة السريعة هي الأثر الوحيد الذي جنيناه من المقاطعة، فمثل هذه الحملات ستكون درساً لجميع العنصريين في البلاد اللذين لن يجرؤوا على مثل هذه التصرفات ثانية، كما أن الشركات ستضبط سلوك موظفيها خوفاً من المقاطعة.”

 

إن سعي التنظيمات المتطرفة لإيجاد موارد اقتصادية يظهر أهمية هذا الجانب في تشكيل هذه التنظيمات وتوسعها، ومن هنا تأتي أهمية المقاطعة التجارية التي هي أحد أشكال الحصار الاقتصادي في مواجهة هذه التنظيمات وقطع شرايين تمويلها للقضاء عليها. لذا يمكن الحديث عن حربٍ ضد تنظيم متطرف في العلن، وإجراء صفقات تجارية من شأنها أن تعزز نفوذه وتقويه في الخفاء.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.