صوت وصورة

 

تحاول الكثير من التنظيمات المتطرفة التستر بغطاء الدين الإسلامي، وادعاء حمل همه والقيام بأعبائه ونصرة أتباعه من المؤمنين الصادقين، وهم بمحاولتهم تلك يشوهون صورة الإسلام الصحيح الذي يدعو للتسامح والإخاء ومكارم الأخلاق، ويشجع على التعاون والسلام، تعمل هذه التنظيمات على وضع نهجها الذي تمشي عليه بناء على كتب كتبها متشددون منذ مئات السنين، ويحاولون فرض هذا النهج في الوقت الحاضر، من آراء متطرفة عن القتل والخطف والترهيب والتعذيب، ويستشهدون بأحاديث للنبي ضعيفة السند أو لا أصل لها في الإسلام، ويبنون كل أحكامهم ومناهجهم وأسلوب حياتهم بناء على هذه المعطيات، يخدعون الناس البسطاء في المجتمعات التي ينشطون فيها، ويرسلون رسائلهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت للعب على وتر العاطفة واستدراج المسلمين من أنحاء العالم للانضمام لصفوفهم بذريعة حمايتهم للدين وللمستضعفين من المسلمين.

مع كل هذا، كان لابد من علماء الدين والدعاة حول العالم من مواجهة دعوات المتطرفين وادعاءاتهم، ففي بداية الأمر ومع الهجمات الإرهابية التي كان ينفذها المتطرفون باسم الدين، وتحديداَ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وتفجير مبنيي التجارة في أميركا، خرجت الكثير من البيانات التي تدين هذا العمل وتجرمه من قبل هيئات ومؤسسات دينية إسلامية لعل أهمها بيان هيئة كبار العلماء في السعودية، أعلى سلطة للإفتاء في الدولة الإسلامية التي تعد مرجعاَ لكثير من المسلمين حول العالم، في 12 أبريل من عام 2010، كان البيان الأوضح والأشمل، وبقرار هيئة كبار العلماء، يكون كل عمل إرهابي يضرب أيا من العواصم العالمية، هو عمل مرفوض ومجرم من وجهة نظر الهيئة السعودية.
حتى أن الكثير من العلماء الدينيين حرموا أي عمل يتم باسم الدين، من تخريب وإرهاب وفوضى يعمل عليها المتطرفون ويروجون لها في أيديولوجيتهم وأفكارهم، فالشيخ الدكتور صالح فوزان أحد علماء المملكة السعودية وعضو المجلس الأعلى للإفتاء وعضو هيئة علماء المسلمين حول العالم تحدث في العديد من محاضراته عن رفض الإسلام للتطرف والأعمال المرافقة له والأفكار التي يروج لها المتطرفون على أنها جزء من الإسلام، حيث قال: ” الإسلام ليس دين غدر ولا خيانة ولكنه دين الفوائد ، حتى غير المسلمين فإن الله جل وعلا نهانا عن الاعتداء عليهم، وإن كنا نبغضهم ونعاديهم لا يجوز لنا الاعتداء عليهم.

ومع اشتعال شرارة الثورة السورية، وتسلح العديد من الثوار لمواجهة جيش نظام الأسد المجرم، دخل الكثير من المتطرفين إلى المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام وكانت بيد الثوار، وبدأ هؤلاء المتطرفون باللعب على وتر الدين والجهاد ومدعين نصرة المظلوم وواجب الدفاع عن الدين والأرض، وأخذوا يزدادون وينتشرون حتى سيطروا على العديد من المناطق وفرضوا أفكارهم ومناهجهم على المجتمعات، تحت ذريعة الإسلام ونصرته، هنا كانت المواجهة بينهم وبين علماء الدين المعتدلين، الذين يمثلون الدين الإسلامي الصحيح ويعلمون الناس هذا الدين بشكله الحقيقي، كانت هذه المواجهة غير متكافئة، حيث أن المتطرفين كانوا يلجؤون للقوة في التعامل مع من يخالفهم في الرأي.

ويقول عبد الواحد السعد، خطيب مسجد من ريف ديرالزور، أن سيطرة تنظيم داعش المتطرف على محافظة ديرالزور قد أحدثت تغيرات كبيرة على مستوى الدين في المنطقة، فسنوات من العمل لزرع بذور التسامح والأخلاق الحميدة لدى الناس من خلال الدروس الدينية وخطب الجمعة، قد بدأت تتلاشى نتيجة نشر فكر متطرف من قبل تنظيم داعش.
وأضاف السعد أن تنظيم داعش اعتقله ومنعه من الخطابة بعد اتهامه بتشويه صورة الدين، “بعد اعتقالي تم إرسالي إلى معسكر شرعي في مدينة القائم العراقية من أجل إصلاح عقيدتي الفاسدة حسب وصفهم، استمر المعسكر لمدة شهرين ولدى عودتي تم منعي من الخطابة”. واضاف الخطيب: “حاولت الحد من تأثير التنظيم على الشباب، فبدأت بالوسط المقرب مني وذلك من خلال عقد لقاءات شبابية في أحد المنازل وتداول قضايا دينية تُظهر زيف ادعاءات داعش، كان هذا أكثر ما استطيع فعله في ظل وجود سكينة داعش على رقابنا.”

كان علماء الدين ودعاته مُحارَبين بشكل كبير كونهم يرفضون التطرف ويجرمون أفعاله، فتعرض الكثير منهم للملاحقة والاعتقال والتعذيب، وقُتل الكثير منهم بظروف مجهولة أو تحت التعذيب في سجون المتطرفين، في حين لاذ الآخرون بالفرار إلى خارج البلاد خوفاَ من بطش المتطرفين، لكنهم وفي تركيا اجتمعوا وأسسوا المجلس الإسلامي السوري الذي يعتبر أعلى سلطة شرعية قامت خلال الثورة السورية فهو يضم قرابة الـ40 رابطة وهيئة إسلامية داخل وخارج سوريا، من بينها الهيئات الشرعية لكبرى الفصائل الإسلامية والهيئات القضائية في المناطق المحررة، ويرأسه الشيخ أسامة عبد الكريم الرفاعي.
كان المجلس الإسلامي السوري منارة لكثير من المسلمين في ظل الظروف الصعبة التي يواجها السوريون في المناطق التي تخضع لسيطرة المتطرفين، وصدرت البيانات عنه بتجريم أفعال المتطرفين وضرورة محاربتهم، ففي 31 تموز من عام 2017 أصدر المجلس الإسلامي السوري بياناَ تحدث فيه عن عدم جواز إيواء أفراد تنظيم الدولة “داعش” ولا التعاون معهم ولا إعانتهم، لافتاً الى أنه يُسَّلم من وجد منهم إلى الجهات القضائية والشرعية الثورية للتعامل معهم، وشدد البيان على أن من هرب من تنظيم الدولة من غير المقاتلين أو انحاز وكان من معتنقي فكرِ الخوارج (داعش) ودعاتهم المدافعين عنهم، سواء كان مِن الرجال أو النساء فإنه يتحتم على الهيئات القضائية والشرعية الثورية “إزالة ضرره، وكف باطله، ومنعه مِن نشر فكره”.
أسامة حبوش، إمام وخطيب مسجد في مدينة إدلب، واجه الكثير من المضايقات من قبل جبهة النصرة والتنظيمات المتطرفة الأخرى كجند الأقصى وحراس الدين، حيث كان هذا الإمام يواجه مفكريهم ودعاتهم ويناظرهم في المسجد بأمور الدين الإسلامي ومغالطاتهم وتطرفهم في الأحكام الشرعية، حتى عزل بعد عدة أشهر من سيطرتهم على المدينة وتم تعيين أحد المتطرفين بدلاَ عنه، كما هُدد أكثر من مرة بالقتل، يتحدث عن تجربته فيقول: ” كنت أعقد الندوات والحلقات في المسجد أتحدث فيها عن الممارسات الخاطئة للفصائل في مدينة ادلب، وعن الظلم الذي يقوم به التنظيمات بحق الأهالي في المدينة، وكانت هذه الحلقات والمحاضرات تكبر يوما بعد يوم، وكان الإقبال من قبل الأهالي يزداد بشكل ملحوظ، كنت أناقش شيوخهم وأناظرهم في هذه الجمعات، وكانوا دائما يغضبون ويصرخون علي، بعد فترة بسيطة أحسوا بالخطر من قبلي، عزلوني ومنعوني من الخطابة والعمل الدعوي في مدينتي”
حسين البكري، داعية إسلامي معتدل، عمل على نشر الأخلاق الحميدة والتعاليم السليمة للدين الإسلامي في الريف الشمالي من إدلب، فوجئ بأحد الأيام بعد خروجه من منزله بانفجار سيارته إثر عبوة ناسفة كانت مزروعة فيها وهي مركونة أمام منزله، وكان هذا التفجير تهديدا من قبل المتطرفين لكي يكف عن العمل الدعوي، لكن حسين لم يتوقف وما زال ينشط في العديد من المناطق، يحذر من التطرف ويبين للناس الفرق بين الإسلام الصحيح والتطرف، حيث قال: ” حاولوا مراراّ وتكراراّ أن يثنوني عن الدعوة والتحذير من تطرفهم وأفكارهم المسمومة، لكنني مستمر ولن أخاف منهم، والكثير من العلماء والدعاة يعملون معي ولو بصمت وفي الخفية، إلا أن المجتمع يتقبلنا ويرفضهم، وهذا هو المطلوب”.
ولم يكن وجود التطرف الاعتدال الديني في الإسلام فقط، فالكنيسة الكاثوليكية البطرسية في روما مع بدايات القرن الخامس عشر في أوربا؛ قد مارست التطرف المسيحي، فكانت تفرض الضرائب وتعتقل المخالفين لها، وتسيطر على حركة الفكر سواء من خلال رجالها أو بمنع التطور الفكري للآخرين ومحاربتهم وقتلهم بل وحرقهم بتهمة الكفر، حتى وصل بهم الحال إلى بيع “صكوك الغفران” التي تعفي حاملها من العقاب ومنحه مقعداً في الجنة. عندها بدأ الراهب الألماني مارتن لور بنشر الاعتدال الديني والوقف بوجه ممارسات الكنيسة، فهاجمته الكنيسة بكل قواها وطلبت منه سحب أفكاره وطلب الغفران، ولكن الراهب أصر على موقفه من خلال الاستناد إلى الكتاب المقدس.
عندها حدثت ثورة دينية بقيادة مارتن لوثر ضد تطرف الكنيسة، وسرعان ما بدأت الحركة البروتستانتية أي “المعترضة” على البابا، وأسس لوثر الكنيسة اللوثرية التي لا تزال قائمة بقوة في ألمانيا واتبعت رؤيته للدين المسيحي، وترجم الكتاب المقدس إلى اللغة الألمانية، وتمت تقليم أظافر الكنيسة الجديدة، وبدأ الشعب الألماني لأول مرة يقرأ الإنجيل بلغته وبدأت حركة تحرر ديني في أوروبا تبعتها ظهور كنائس مختلفة مثل “الكالفينية” وغيرها.

يشغل المعتدلون دينياً حيزاً مهماً في إطار مكافحة الفكر المتطرف الديني وإزالة آثاره، إذ تعمل هذه الفئة على تصحيح المفاهيم التي زرعها المتطرفون في المجتمع، وإعادة الدين لشكله الصحيح، بعيداً عن التكفير والإرهاب، ولمكافحة التطرف وبقاياه في تلك المناطق، وتأتي أهمية دورهم في حملة مكافحة المتطرف لوجود طبقة من الناس تميل إلى التديُن وتحتاج إلى مصدر شرعي يوضح لها المفاهيم الحقيقية للدين بعيداً عن تشريعات الجماعات المتطرفة التي فسرت الأحاديث الدينية بما يخدم مصالحهم المتطرفة.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.