صوت وصورة

 

عمل تنظيم داعش بعد سيطرته على مناطق واسعة في العراق وسوريا بين عامي 2014 و2016، على زيادة مخزونه البشري، وذلك باستهداف شريحة الأطفال لزجهم على جبهات القتال واستخدامهم كانتحاريين، فكان التنظيم يخاطبهم بشكل مباشر عبر كافة الوسائل المتاحة من الإعلام والندوات والمعاهد والمنشورات، إلا أن أخطر ما عبث به التنظيم ليوصل أفكاره المشوهة هو التعليم، إذ اقتحم الجانب التربوي والتعليمي؛ فاحتل المدارس، وعيّن مدرسين ومعلمين من أنصاره، ومن ثم فرض منهاج تعليمي عمل التنظيم على صياغته وتصميمه وطباعته بجودة عالية.
كانت أولى خطوات التنظيم العبثية هي إغلاق المدارس وحرق كلّ الأوراق الثبوتيّة التي تخصّ التلاميذ، ليُعاود التنظيم فتح المدارس مجدداً للمرحلتين الابتدائية والمتوسطة، بعد تأليف وطبع مناهج تتوافق ومبادئه وأفكاره المتطرّفة ،وإلغاء العديد من المواد التعليميّة مثل الفيزياء والكيمياء والفلسفة وعلم الأحياء والتربية الدينية المسيحيّة٬ ومشكّكاً ببعض ما جاء في التربيّة الإسلاميّة والرياضيّات والفنون واللغة الأجنبيّة وغيرها من المواد التطبيقية٬ مطلقاً عليها أحكامه التكفيرية. وهدفَ التنظيم من خلال مناهجه إلى شحن وتغذية الطلبة والمتلقين بأفكاره المتطرّفة، مستغلاً دافع الحماس والنشاط لهذه المرحلة العمريّة الغضّة، والتي تكون على استعداد عالٍ لقبول هذه الأفكار دون التمييز بصوابها أو مصير ما سينتهي إليه حالهم فيما بعد.

في تلك الأثناء كان هنالك – في مناطق سيطرة داعش- محاولات فردية متعددة من أجل التصدي لمناهج التنظيم، إلا أن هذه المحاولات كانت محدودة الأثر وذات نطاق زمني قصير، تنتهي عند كشفها من قبل التنظيم، كحال محاولة المدرس محمد الصاري من مدينة الرقة، حيث قال: “تدخل عناصر التنظيم في كل شيء، وكان هناك عدة عناصر منهم ضمن الكادر التدريسي، بعضهم لا يمتلك أي شهادة ولا أية خبرة على الإطلاق، كل ما يفعلونه هو مراقبتنا والتبليغ إن حاولنا تجاوز ما يلزمونا به. ويضيف الصاري:” كنت مدرس لغة عربية، فرضوا عليَّ منهاجاً لتدريسه، حاولت أن أعطي منهاجاً مختلفاً مناسباً جداً أثناء الحصص التدريسية، إلا أنني تفاجأت ببعض الطلاب الذين أبلغوا عني لمدير المدرسة الذي كان عنصراً في داعش، نبهني تنبيهاً شفوياً، وأخبرني أنه في المرة القادمة التي أحاول بها أن أتحايل عليهم، سيكون حسابي عسيراً، والحساب العسير لدى داعش هو القتل أو الاعتقال، عندها خرجت من مدينة الرقة إلى ريف إدلب”.
وفي الوقت الذي كان هناك معلمون حاولوا التصدي لمناهج التنظيم من داخل المدارس، عمل بعض الأهالي على إبعاد أبناءهم عن هذه المناهج حتى لو اضطروا لإخراجهم من المدارس، مثل ما حدث مع حسام المسعود، من مدينة الباب في ريف حلب، الذي تحدث عن مناهج التنظيم التي كانت توزع في المدارس، وتفضيله إخراج أبناءه من المدرسة وتعليمهم حرفة ليبعدهم عن التنظيم، وخوفاً من تأثير الأفكار المتطرفة على أبناءه، حيث يقول: “سامي وعدنان، أطفالي في الثامنة والعاشرة على الترتيب، كانوا من المجتهدين في دراستهم، لكن ما إن دخل تنظيم داعش إلى المدينة، وبدأ بنشر أفكاره في المجتمع، أصبحتُ أسمعهم يتحدثون عن القتال والجهاد والأسلحة والكفار، الأمر الذي جعلني أتوتر كثيراً، فقررت أن أخرجهم من المدرسة وأضعهم عند ورشة ميكانيك سيارات ليتعلموا المهنة من الصغر، ولكي لا يصبحوا عناصر لدى التنظيم مستقبلاً”.
إلا أن كِلا التجربتين السابقتين حملت معها آثاراً قد تنعكس سلباً على المعلمين والأطفال والأهالي، ويمكن تصنيفها من ضمن الحلول الاضطرارية التي لا يجب اعتبارها كحلول طويلة الأمد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإيقاف تعليم الأطفال ووضعهم ضمن دائرة الجهل التي يمكن أن تنتهي إلى التطرف في وقتٍ لاحق.

وكان التنظيم بدوره على علمٍ بمحاولات السكان بمحاربة مناهجهم التعليمية، لذا عمل على رفع جودة إنتاج هذه المناهج من الناحية الشكلية لجذب الأطفال، ومناسبتها لفكره من ناحية المضمون، هذا ما أكده مهند الحسن، الأخصائي التربوي الذي تابع العملية التعليمية التي كان ينتهجها التنظيم في ريف الرقة، يقول: “كان التنظيم يصرف الملايين من الدولارات على التعليم، وبالأخص المناهج التعليمية، حيث كانت هذه المناهج معدة بعناية فائقة، وبتصاميم جميلة متقنة، والألوان كانت براقة وتلفت أنظار الأطفال، كان التنظيم يعلم ماذا يفعل، كان يبهر الأطفال لينشر أفكاره”.
يتابع الأخصائي حديثه عن الأساليب التعليمية التي عمل عليها التنظيم فيقول: “لم يقف الأمر عند الكتب المطبوعة والكتيبات التي توزع بشكل مستمر، فالتنظيم كان يستجلب أفضل الأدوات التعليمية المساعدة رغم ثمنها الباهظ؛ من عارضات ضوئية لشاشات عرض ضخمة، وحتى اللابتوبات التي توزع على بعض الصفوف المتخصصة في نشر الفقه المشوه الذي اعتمد عليه التنظيم في جمع أعوانه، وعمل التنظيم على الرحلات الترفيهية والتدريبية التي كان يهتم فيها بالطالب بشكل كبير”.
ويُشبه الصحفي الألماني هنريك توماس مناهج تنظيم داعش، بمناهج النازية في المانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث يؤكد توماس على أن كلاً من داعش والنازيين استخدموا المناهج التعليمية للسيطرة على عقول الأطفال، ففي الوقت الذي تعمل به داعش على نشر التطرف الديني، كان النازيون يعملون على نشر التطرف القومي.
وعن كيفية محاربة هذه المناهج يقول الصحفي: كانت الخطوة الأولى بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة، عندما تم حرق جميع الكتب التعليمية التي أصدرتها الحكومة النازية واستبدالها بمناهج جديدة بعيداً كلياً عن هذا الفكر وتُظهر خطورته على المانيا، ومن ثم استبدال المعلمون أصحاب الفكر النازي، بأخرين معتدلين عملوا على محوا الآثار الفكرية التي خلفتها المناهج النازية”. ويضيف توماس: ” كانت هذه الخطوة ممكنة نتيجة لحالة الاستقرار النسبي وإزالة النازيين من الحكم، لكننا احتجنا إلى عقود زمنية من العمل المستمر على تطوير المناهج ومحاربة الفكر النازي في المدارس والمنازل والدوائر وفي كل مكان، حتى استطعنا إزالة هذا الفكر بالنسبة الأكبر”.

استمرت المحاولات الرامية إلى مكافحة مناهج داعش خارج سيطرة التنظيم، مستهدفةً الأطفال اللذين نزحوا برفقة ذويهم خارج حدود سيطرة داعش، إذ تقول سناء عادل من مدينة ديرالزور والتي تعمل حالياً كمدرسة في إحدى المدارس الابتدائية في ريف إدلب، أنها حُرمت من التدريس بعد سيطرة تنظيم داعش على مدينتها، لكنها تجد اليوم الفرصة أمامها للتدريس مجدداً، وهي تحاول استغلالها جيداً من أجل محو أي أثرٍ متبقي من فكر داعش لدى الأطفال، وتضيف سناء: “استخدم الأنترنت لتحميل مناهج دراسية للمرحلة الابتدائية ومن ثم يتم طباعتها وتوزيعها على الأطفال بمساعدة منظمات خيرية، لا يوجد مناهج مناسبة حالياً أمامنا ولا يمكن الاعتماد على مناهج النظام أو التنظيم فكلاهما ينشر التطرف بطريقته”.

ويشير الأخصائي النفسي والدكتور في الجامعة الفلسطينية سعيد شحادة، إلى أن محاربة الأثر المتبقي من داعش بين الأطفال يحتاج وقتاً، وأموالاً كثيرة، حيث يقول: “نحتاج الكثير والكثير من الموارد ونحتاج أيضاً إعادة تأهيل الكوادر، وإن محاربة الأثر المتبقي، ليس بالأمر الصعب حقيقة، المدرسون يعملون في التعليم منذ سنوات وبعضهم منذ عشرات السنين، لكن الصعوبة تأتي في تأمين المناهج الصحيحة التي يجب أن يشرف عليها أخصائيون نفسيون وتربويون ذوي خبرة، لوضع الطريق الصحيح الذي يجب على المدرس اتباعه، للوصول إلى الطفل وتصحيح مفاهيمه الخاطئة، وهذا ما يحتاج تمويل غير منقطع وأشهر من الإعداد، إلا أنه قابل للتحقيق”.
كما رأت الكاتبة المصرية هانية صبحي، أن المؤسسات التربوية ليست جادة حول إعداد مناهج تحارب آثار التطرف، ومن وجهة نظرها يجب العمل على المتابعة والتوجيه، حيث تقول: “بالرغم مما يبدو من اهتمام على أعلى مستوى بإصلاح المناهج التعليمية لمحاربة التطرف، لم نرَ حتى الآن إلا تغييرات محدودة في هذا المجال.” وتُضيف الكاتبة: “إن الإصلاح الحقيقي للمناهج ليس مرهوناً على نبذ العنف أو إدراج الاعتدال والوسطية والتسامح كصفات إيجابية يطلب من الطلاب التحلي بها، ولا يتمثل في حذف فصل هنا أو إضافة فقرة هناك، فالطلاب لا يتجهون للعنف بعد قراءة قصة قصيرة عن الصقور والعصافير، بل أنه من الأجدر بالسلطات تفعيل تعليماتها الرسمية بمنع الضرب في المدارس ليتعلم الطلاب أن الاحترام لا العنف هو الطريقة الطبيعية للتعامل مع الآخرين، وبعيدا عن الحذف والإضافة، فإن ما يواجهنا الآن هو ضرورة وضع إطار شامل لكل مادة بناء على استراتيجية مدروسة وفي ضوء أهداف وأولويات واضحة”.

فيما اعتبر المدرس المتقاعد إبراهيم شاوري من ريف حلب، أن عملية محو أثر التطرف في المجتمعات تأتي بالمرتبة الأولى من الأسرة وجدية اهتمام الأهل بأطفالهم وطريقة تربيتهم، ومن ثم يكون دور المدرسين في المدرسة وخارجها بفرض الاحترام والأخلاق الحميدة التي يجب التحلي بها لديهم كونهم قدوة الأطفال في التصرفات وخاصة في الصفوف الأولى، ومن ثم يمكن الحديث عن المناهج التي يجب إعدادها، من وجهة نظره.

لا يُمكن نكران أن عملية محو الأثر المتبقي من التنظيمات المتطرفة ليست بالأمر السهل، كما أنها تحتاج وقتاً طويلاً وجهداً مضاعفاً من قبل كافة العاملين في الشأن التربوي والتعليمي، ولابد من خطوات مدروسة من قبل السلطات، لإعداد مناهج قوية وتهتم في المرتبة الأولى بتنمية شخصية الطفل وأخلاقه، ثم تعلمه ما يحتاجه في الحياة، كما يجب إزالة هذه المناهج بشكل كامل والحرص على عدم وقوعها في يد الأطفال حتى ولو من باب المصادفة، وأن يكون كل معلمٍ وأسرة منهاجاً عملياً للأطفال يتعلمون منه الأخلاق الحميدة ونبذ التطرف.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.