صوت وصورة

 

تُعرف حرية الرأي بأنها القدرة على التعبير عن الأفكار المختلفة بما يجول في العقل و الوجدان، و ما يصدر عنها من قول أو عمل أو كتابة أو فن، دون وجود أي نوع من القيود أو الرقابة الغير مشروعة بالقوانين و الأعراف المتعارف عليها في المجتمع الدولي المعتدل، طالما أن هذه الأفكار لا تتعارض أيضًا مع القوانين و الأعراف المعمول بها في المنطقة أو الدولة، و يشار إلى أن حدود هذه الحرية تختلف من بلد لآخر حسب العقائد، والتقاليد و الظروف المعيشية، و مستوى التعليم والثقافة و غيرها من المؤثرات المجتمعية المتعددة، و التي قد تحدث الخلافات في الآراء، يخضع هذا الحق لقيود مثلما في حالات التشهير والفحش والتحريض على ارتكاب جريمة.
ويُعترف بحق حرية التعبير كحق أساسي من حقوق الإنسان بموجب المادة رقم 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ويعترف به في القانون الدولي لحقوق الإنسان في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وتنص المادة 19 من العهد الدولي: ” لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة ولكل إنسان حق في حرية التعبير”. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف أنواع المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة يختارها.
وترجع بدايات المفهوم الحديث لحرية الرأي والتعبير إلى القرون الوسطى في المملكة المتحدة بعد الثورة التي أطاحت بالملك جيمس الثاني من إنكلترا عام 1688 ونصبت الملك وليام الثالث من إنكلترا والملكة ماري الثانية من إنكلترا على العرش وبعد سنة من هذا أصدر البرلمان البريطاني قانون “حرية الكلام في البرلمان”. و بعد عقود من الصراع في فرنسا تم إعلان حقوق الإنسان والمواطن في فرنسا عام 1789 عقب الثورة الفرنسية، و الذي نص على أن حرية الرأي والتعبير جزء أساسي من حقوق المواطن. وكانت هناك محاولات في الولايات المتحدة في نفس الفترة الزمنية لجعل حرية الرأي والتعبير حقا أساسيا لكن الولايات المتحدة لم تفلح في تطبيق ما جاء في دستورها لعامي 1776 و 1778 من حق حرية الرأي والتعبير حيث حذف هذا البند في عام 1798 واعتبرت معارضة الحكومة الفدرالية جريمة يعاقب عليها القانون ولم تكن هناك مساواة في حقوق حرية التعبير بين السود والبيض.

ويُعد الاختلاف في الآراء سمية بشرية رافقت الأنسان في حياته منذ نشأته إلى زماننا الذي نعيشه، وكان أحد الأسباب في تطور البشرية وظهور عدة مدارسة فلسفية وعلمية تتبنى قضايا مختلفة، إلا أن الأمر يخرج عن طوره الحميد في حال تحول الاختلاف إلى خلاف وعدم احترام أو تقبل رأي الآخر، مما ينتج عنه كثيرٌ من المشاكل و الأزمات والحروب، ولعل غياب تلك الثقافة كانت السبب الرئيسي لاندلاع الثورات العربية وغيرها من الثورات العالمية، فلو احترمت الأنظمة الحاكمة رغبة الشعوب وحققت مطالبها لما استمرت الثورات لأعوامٍ طوال.
يقول سرمد الجيلاني مدرب حملات المناصرة على وسائل التواصل الاجتماعي أن كثيراً من المشاكل يواجها في عمله خلال طرح أفكار ومبادئ لا يتفق عليها الجميع، فينقسم عندها الشارع إلى قسمين الأول مدافع والآخر مهاجم، إلا أن هذا الانقسام يمارسه المتلقون ضد بعضهم البعض، لذا كان لابد تضمين مفاهيم عن حرية الرأي واحترام الآخر مع كل حملة ضغط مجتمعي، “يتناسى الجمهور أحياناً ماهية الخبر ويعمل على إقصاء الآخر وتهميش رأيه في محاولة لإثبات صحة وجهة نظره، يتحول الأمر أحياناً إلى عملية أشبه في السير ضمن حقل الألغام لا يستطيع الفرد التعبير عن كامل مكنوناته، لذا كان لا بد من إرفاق حملة مصغرة عن ضرورة تبادل الآراء واحترام الآخر مع كل حملة مناصرة نطلقها كي نستطيع تحقيق أهداف الحملة بنجاح”.

وللإعلام دورٌ مهم في التأثير على الفرد، كان لابد من إشراكه في مهمة توعية العقول المُغلقة والفكر المتطرف والمنحرف، وترسيخ مقولة “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية” لكبح جمام الأسلحة التي يشهرها المتخالفون ضد بعضهم البعض، وتحول الاختلاف في الرأي إلى ساحة معركة يتسابق فيها الأفراد على فرض رأيه على الطرف المقابل له.

الناشط الإعلامي وائل الحويش من ديرالزور ومدير منصة إخبارية تحمل اسم “نشطاء الخبر السوري” تضم 60 ألف عضو، أشار إلى أهمية الإعلام في الفترة الحالية ببناء قناعات الفرد وتحديد توجهاته، وكونه مساحة يعبر الفرد بها عن أفكاره ورؤيته، فيقول: “تعتمد المنصة على العمل الجماعي وإتاحة الفرصة أمام الجميع لنقل الأخبار وتداولها، وكثيراً ما تحدث نقاشات يعبر بها الأعضاء عن قناعاتهم الشخصية، إلا أن هذه النقاشات لا تمتاز دائماً باحترام رأي الآخر وتقبله وينتج عنها مشادات كلامية، هنا يأتي دورونا كمدراء للمنصة للتدخل في تقريب وجهات النظر وتحويل الجدال إلى نقاش بناء يُغني الخبر والمتلقي”.

كذلك يلعب الإعلام دوره في تعزيز ثقافة احترام الآخر وذلك من خلال إقامة ندوات للشباب الناشئين، وفتح روح المناقشة الحرة، كي يستطيع الفرد التعبير عن آراءه و وجهات نظره دون تحيُّز أو تعصب، عبر استخدام التكنولوجيا المسموعة و المرئية، و شبكات التواصل الاجتماعية، وفق ضوابط توعوية وحدود لحرية التعبير على أن لا تؤذي طرفاً آخر، كي لا يتحول الأمر إلى تطرف فكري مبطن من شأنه أن ينعكس إلى تطرف مسلح على أرض الواقع.

إن تدفق المعلومات الهائل عبر وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، وعبر الشبكات العنكبوتية والتواصل الاجتماعي جعل من الأفراد عناصر استهلاكية تتنافس عليها وسائل الإعلام المتعددة، فاصبح من الضروري ان تتبع تلك الوسائل خطوات تستوجب العديد من المتغيرات التي تحدد طبيعة واتجاه ومنحى “الرأي العام” في احترام الرأي والرأي الآخر وتقبله، ولعل ذلك يحتاج إلى اتباع العديد من الخطوات، كوضع الخطط التربوية والثقافية والمنهجية في استخدام المعلومات بهدف فسح المجال أمام مختلف الناس للتعبير عن آرائهم بكل حرية، وبالطرق المناسبة التي ترسخ أسس التفاهم بين الشعوب.
كما يمكن تيسير خطاب يدعم ثقافة الحوار، والتصدي للمواقف السائدة والتصورات الخاطئة فيما يتعلق بالأخرين، وتجاوز تلك التصورات النمطية إن كانت موروثة وتصحيحها، ومحاربة الجهل الذي يغذي سوء الظن بالأخرين.
ويتوجب على الإعلام التأكيد على مبدأ حرية التعبير كقيمة أساسية من قيم حقوق الانسان، وتقريب وجهات النظر، ومد جسور التفاهم والتعاون بين الشعوب وبين أبناء الأمة الواحدة والأمم الأخرى، وتعزيز روح التسامح والقبول بالاختلاف، وتيسير خطاب يدعم ثقافة الحوار وقبول الآخر، والتعريف بالثقافات الأخرى بما يتيح فرص أكبر للتفاهم، وتوفير منتديات للتفاوض السلمي حول القضايا والموضوعات الخلافية، والتركيز على احترام العقائد والديانات والبحث عن القيم المشتركة والتأكيد عليها، وإدماج مفاهيم ثقافة الحوار والتنوع الثقافي في المحتوى الاعلامي بكافة أشكاله.

كما يجب على الإعلام توضيح أن حرية الفرد تقف عندما تبدأ حرية الآخرين، وأنه لا وجود للحرية المطلقة في التعبير عن الرأي، وأن إيذاء الآخرين تحت ذريعة حرية التعبير هو تهجم وتشهير وليس اختلاف. لذا تعمل الدول الرائدة في مجال حرية التعبير على وضع قوانين صارمة لتنظيم هذه الحرية، فالقانون الفرنسي يمنع أي كتابة أو حديث علني يؤدي إلى حقد أو كراهية لأسباب عرقية أو دينية ويمنع أيضا تكذيب جرائم الإبادة الجماعية ضد اليهود من قبل النازيين ويمنع أيضا نشر أفكار الكراهية بسبب الميول الجنسية لفرد. وقد أتهم القضاء الفرنسي المفكر الفرنسي رجاء جارودي وكذلك الكاتب الصحفي إبراهيم نافع بتهمة معاداة السامية حسب قانون غيسو. وفي العاشر من مارس 2005، منع قاضي فرنسي لوحة دعائية مأخوذة من فكرة لوحة العشاء الأخير للرسام ليوناردو دافينشي. حيث تم تصميم اللوحات الدعائية لبيت قيغباود لتصميم الملابس وأمر بإزالة جميع اللوحات الإعلانية خلال 3 أيام. حيث أعلن القاضي بأن اللوحات الدعائية مسيئة للرومان الكاثوليك. وعلى الرغم من تمسك محامي قيغباود بأن منع الإعلانات هو نوع من الرقابة وقمع لحرية التعبير، إلا أن القاضي اقر بأن الإعلان كان تدخل مشين وعدواني بمعتقدات الناس الخاصة، وحكم بأن محتوى الإساءة إلى الكاثوليك أكثر من الهدف التجاري المقدم.
كما ينص القانون الأساسي الألماني والذي يسمى “القانون الأساسي” في البند الخامس على حق حرية الرأي والتعبير، ولكنه يرسم حدوداً مماثلة للقانون الفرنسي تمنع خطابات الكراهية ضد العرق والدين والميول الجنسية إضافة إلى منع استعمال الرموز النازية مثل الصليب المعقوف.
وفي بلجيكا منعت السلطات المحلية لمدينة ميدلكيرك الفنان ديفد سيرني من عرض تمثال للرئيس العراقي السابق صدام حسين في أحد المعارض الفنية. ويظهر التمثال صدام حسين على هيئة سمكة قرش ويده مكبلةٌ بالأغلال من الخلف في حوض من الفورمالين. واعتبرت السلطات هذا العمل الفني مثيرا للجدل وقد يسبب احتجاجات من الأطراف المؤيدة للرئيس العراقي السابق.

إن ثقافة احترام الآخر تنمو مع الفرد، ولكى تنمو تحتاج إلى من يرويها داخل الأسرة والمدرسة المحيط، كما يجب أن نزرع في أبنائنا أن الاختلاف يصل بنا إلى التكامل وأنه ليس مجالاً للصراع، بل مجال لاكتساب الخبرات وتفتح العقل وازدهار الشخصية، فقد تختلف الأجيال في الثقافة والفهم ليكمل كل جيل ما بدأه سابقه، يقوم السلبيات وينمى الإيجابيات، قد نختلف في توجهنا السياسي لبناء الوطن لا لهدمه.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.