صوت وصورة

 

تُخلفُ الحروب آثاراً عديدة ربما تكون أبسطها تلك الإصابات الملحوظة بالعين القابلة للعلاج, بينما يكون هنالك نوعٌ آخرٌ من الإصابات النفسية التي تصل أحياناً مرحلة من الخطورة تفوق أي إصابة خارجية, وتكمن خطورتها بأنها غير مرئية مما ينتج عنها مضاعفات قد تبقى وتمتد سنين طويلة حتى بعد أن تشفى الجراح الخارجية وتختفي، وليس غريبًا -مع ما يتعرض له السوريين في ظل الحرب الجارية- وجود آثار واضطرابات نفسية لدى الآلاف من الأشخاص، ولعل أكثر من تأثر بهذه الآثار هم النساء.
فالمرأة السورية عانت كثيراً من ضغوطات جراء النزوح والهجرة والقصف والتدمير وتربية الأطفال في ظل هذه الظروف مجتمعة، بالإضافة لتردي الأوضاع الاقتصادية التي جعلت المسؤولية أكبر بكثير على ربة المنزل، كل هذا جعل المرأة تمر بآثار نفسية جسيمة عصيبة أخذت تؤثر على علاقتها مع الآخرين وبالأخص أبناءها وزوجها والمقربين من أهلها خفضت من طاقتها الإنتاجية ومن صحتها الجسدية والنفسية.

هذا ما نبهت إليه العديد من المؤسسات والمنظمات بضرورة العمل على تخفيف الضغوطات والآثار النفسية عن المرأة، ففي لقاء أجرته صحيفة “حرية برس” حول هذا الموضوع، أفادت ماريا مديرة القسم التقني في مركز صديق الطفل في منظمة إحسان في ريف حمص الشمالي بأن المنظمة أنشأت قسم المرأة وذلك لإكساب المرأة مهارات التعامل مع الواقع الذي تمر به وخصوصا التعامل مع الطفل والزوج والضغوطات التي قد تمر بها ولتحسين الحالة النفسية. كما نوهت إلى أنه يتم تقديم الدعم النفسي للمرأة عن طريق جلسات جماعية للنساء، يتم خلالها طرح عدة مواضيع تهم المرأة مثل (اتخاذ القرار – الضغط النفسي – حل المشكلات) وغيرها من المواضيع.

ويسود اعتقادٌ أن ضرر الاضطرابات النفسية لا يرافقه آثار جسمانية, هذا ما نفاه بشكل قطعي أغيد الخضر مدرب السلامة النفسية في منظمة صوت وصورة حيث قال: ” يعاني قسم من الناجين ما يعرف باسم متلازمة الاحتراق النفسي نتيجة تعرضهم لضغوطات مستمرة على مدى السنوات الماضية, وتظهر مضاعفات نتيجة هذا النوع من الاضطرابات النفسية تتمثل في الإصابة بالقرحة المعدية, وضعف الجهاز المناعي, إضافة لآلام شديدة في العضلات والعظام خصوصاً لدى النساء حيث ظهرت بعض حالات العقم لدى نساء أُصبن بهذه المتلازمة. كما أن المصابين باضطراب الاحتراق النفسي, يعانون أيضا من ارتفاع مستوى الكولسترول و الدهون الثلاثية و حمض اليوريك, و يصاحبه في الحالات الشديدة ارتفاع نسبة هرمون الكورتيزول كذلك فإنه يسبب الالتهابات التي تؤدي إلى تصلب الشرايين و قد يتسبب أيضا في الإصابة بمرض السكر من الدرجة الثانية, و تعرض هذه التغيرات الكيميائية الحيوية الفرد لمخاطر أمراض القلب و الأوعية الدموية قد تصل إلى الوفاة, لذلك يُعد الحصول على الدعم النفسي امراً مهماً لا يقل عن أهمية الحصول على الدواء”.

وتحدثت ندى سميع، مديرة منظمة “بارقة أمل” النسائية عن أهمية الدعم النفسي والإرشاد للمرأة السورية، وعن دور منظمتها في المساعدة بذلك، حيث قالت: “لا أحد يتحمل ما تتحمله المرأة في سوريا، إذ يقع على عاتقها الكثير من الواجبات في الحياة اليومية، وأغلب الأحيان تبقى حبيسة بيتها أو بيئة صغيرة لا تسمح لها بالخروج والمشاركة في الحياة، لذا كان لا بد من تأسيس مؤسسات ومراكز وهيئات تساعد النساء على المشاركة والتنفيس عن الغضب والضغوطات.” وتُضيف المديرة: “عملنا جاهدين في “بارقة أمل” وبالتعاون مع الكثير من المنظمات والجهات التي تدعم المرأة على تأمين نشاطات توعوية وجلسات نفسية ورحلات ترفيهية لكي نساعد النساء السوريات على تخطي الظروف الصعبة سوية وتعزيز ثقتهن بأنفسهن”.

وتروي سامية خربطلي -سيدة في عقدها الرابع من العمر- التي واجهت النزوح ثلاث مرات لمناطق مختلفة في غوطة دمشق بسبب القصف من قبل قوات النظام السوري، وليتم تهجيرها مؤخراً مع عائلتها إلى ريف حلب الشمالي، عن المصاعب التي واجهتها وكيف ساعدها الدعم النفسي في تخطي بعض الصعاب، تقول سامية: “كنا في غوطة دمشق محاصرين، متعبين، جائعين، مرهقين، وخائفين على الدوام، كانت هناك بعض المحاولات لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لنا, ولكن الجهود كانت ضعيفة وبسيطة، عندما تم تهجيرنا للشمال السوري، بُهرت بكمية الدعم والداعمات من النساء هنا، الجميع يحاول المساعدة، الكثير من السيدات كنّ لطيفات كفاية لتقديم الدعم المعنوي والطمأنة النفسية لدى وصولنا هنا، ومع الأيام اكتشفت الكثير من المراكز النسائية التي تساعد النساء في الكثير من مشكلاتهنّ وحياتهنّ اليومية، حتى أنني زرت بعضها وأعجبت بالعمل الجبار الذي تقوم به السيدات هناك وبالتأكيد عادت إلى الثقة بنفسي وبالأخريات، أننا قادرين على تحقيق الكثير”.

ورغم الجهود المبذولة لتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنساء إلا أن العديد منهن لا تصلهنّ الخدمات المقدمة أو أنهنّ لا يدرين عنها أي شيء، فالخدمات المحصورة في بعض المناطق لا تغطي كافة المناطق المتضررة في الكثير من البلدات والمدن السورية. جهان الحسن نازحة من محافظة الرقة، ربة منزل تقيم في إحدى قرى ريف ادلب الشرقي بالقرب من مدينة الباب، تقول: “في الحقيقة سمعت عن مراكز تقديم الدعم النفسي إلا أنني لم أستطع تجربة خدماتها، فليس هناك مركز قريب مني، وسأضطر للسفر لكي أستطيع الوصول لأقرب مركز في المنطقة، أود حقاَ تجربة ما يقدمونه”.

جهان واحدة من آلاف السيدات السوريات اللواتي لا يستطعن الوصول للمراكز النسائية التي تقدم الرعاية والدعم النفسي، ولا يقتصر الموضوع على قلة عدد المراكز فحسب، بل إن الموروث الاجتماعي والعادات والتقاليد أحيانا، لا يسمحن للمرأة بزيارة هذه المراكز خوفاَ من كلام الناس، أو اعتقاداَ من المجتمع بأن هذه المراكز تعمل على غسل دماغ السيدات وتشجعهن على التمرد على المجتمع، محمد صادق، بائع ألبسة نسائية في مدينة إدلب، يعارض فكرة ذهاب زوجته إلى هذه المراكز ظناَ منه أن المؤسسات العاملة في الدعم النفسي قد تخلق المزيد من المشكلات في المنزل، حيث يقول: “لا أثق في المراكز التي تقدم الدعم النفسي، فالنشاطات التي تقوم بها تجعل النساء أكثر جرأة وصعوبة في التعامل، وأقل إنتاجاَ وقدرة لتحمل واجباتهن، أنا أرى أن هذه المراكز ضررها أكبر بكثير من نفعها، ولهذا أنا لا أسمح لزوجتي ولا لأحد من أقربائي بالذهاب إليها”. وعند عرض بعض المضاعفات الناتجة عن الاضطرابات النفسية لدى النساء تراجع محمد عن رايه قائلاً: ” كنت أظن أن الدعم النفسي هو مجرد أفكار يتم زرعها في عقل المرأة, لم اكن أتخيل أنه من الممكن أن يصل الأمر إلى درجة الموت, ربما سأبدأ التفكير جدياً للانضمام لواحدة من جلسات الدعم النفسي برفقة زوجتي”.

حميدة الخليفة، مديرة “رابطة المرأة المتعلمة” في مدينة إدلب، تعزو تردد بعض السيدات في اللحاق بنشاطات الدعم النفسي والاجتماعي، لضعف التنفيذ من قبل عددٍ من المؤسسات، حيث تقول: “يتم التركيز على إرضاء الداعم دون الانتباه لحاجات النساء الحقيقية في المجتمع، فترى النساء أن بعض هذه النشاطات غير مجدية وبدون نفع حقيقي، فلا يلتفتن لها، وهذا ما يؤثر على النشاطات المهمة وذات التأثير الحقيقي، حيث تبتعد السيدات كل البعد عن هذه النشاطات المهمة لتقديم الدعم النفسي المساعد في أوقات الحروب”.

وبالحديث عن أهمية الدعم النفسي للناجيات, لا بد من ذكر أبشع جريمة شهدتها النساء في العصر الحديث عندما تعرضت أكثر من مليوني امرأة في ألمانيا للاغتصاب على يد الجيش الأحمر بعد الحرب العالمية الثانية, مما ترك لديهم آثاراً نفسية كبيرة كان لابد من معالجتها, وعن هذا الموضوع قدمت الدكتورة في الطب النفسي سفينيا إيشهورن بالمشاركة مع البروفيسور في علم النفس فيليب كويرت كتاباً بعنوان “سر جداتنا” يحمل دراسة تجريبية حول العنف الجنسي في زمن الحرب وآثاره النفسية التي رافقت النساء.
يستعرض الكتاب مقابلات تم اجراءها مع نساء يروين تعرضهن للاغتصاب في تلك الفترة, وعلقت امرأة تمت مقابلتها: “لم يكن بوسعي أن أحمل طفلاً، لأن كل شيء في الداخل كان مكسورًا”. و يؤكد المؤلفون على زيادة تعرض نساء الحرب إلى اضطراب ما بعد الصدمة، حسب البيانات التي تم جمعها, إضافة لارتفاع معدل الإصابة باضطرابات نفسية مع مرور الوقت لدى النساء اللواتي لم يخضعن للدعم النفسي.
ويرى المؤلفون أن هنالك نوعين من النساء, اللواتي حصلن على الدعم النفسي استطعن الاستمرار في حياتهم بشكل طبيعي وتجاوزن صدمة ما بعد الحرب, أما النساء اللواتي لم ينلن الدعم النفسي, فقد أُصبن بعدد من الأمراض النفسية والجسدية مع مرور الوقت.

تعمل الأمم المتحدة بالتعاون مع “اليونسف” على تقديم الدعم اللازم للنساء كونهنّ حجر الأساس في المجتمعات، من خلال تعزيز قدرة أفراد المجتمع على دعم أبنائهم وأسرهم وجيرانهم من خلال نشر رسائل هامة حول كيفية التكيف مع حالات الطوارئ من خلال مجموعة متنوعة من القنوات بما في ذلك وسائل الإعلام والمنظمات الدينية، والهياكل المجتمعية القائمة ومجموعات الشباب.
لكن وبالرغم من العمل المحثوث والفائدة الكبيرة التي تتلقاها النساء في سوريا من برامج الدعم النفسي، إلا أن هناك الكثير مما يمكن فعله لتأمين خدمات دعم نفسي أفضل في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري وبالأخص في محافظة إدلب، حيث أن الدعم المالي المقدم للمنظمات العاملة في مجال الدعم النفسي للسيدات ضعيف جداّ مقارنة بالدعم المالي الذي يتلقاه النظام السوري في مناطق سيطرته عن طريق منظمات وهمية أنشأها لاستلام هذه الموارد وتحويلها لدعم عملياته العسكرية، مما يحرم النساء السوريات من حقهم بالحصول على هذا الدعم.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.