صوت وصورة

 

شهد عام 2014 تمدد تنظيم داعش في مناطق سورية عدّة، وإعلان أحزاب عسكرية كردية عن تشكيل الإدارة الذاتية في الجزيرة السورية لتأخذ السلطتان العسكريتان الجديدتان موقعهما في الجغرافيا، وتفرضان نفسيهما بالقوة على المجتمع، عبر مؤسسات مرتبطة بهما، تولّت إدارة القطاعات المختلفة، وأولت هذه التنظيمات أولوية خاصة للقطاع التعليمي بمحاولة استقطاب الأطفال لاستخدامهم في المعارك كمخزون بشري وباعتبارهم أداة لنشر الأيدولوجية المتطرفة التي نشأت عليها هذه التنظيمات.

عن تلك الفترة يقول علي الأحمد 14 عام من ديرالزور: ” في السابق كان هنالك رغبة لدينا للتعلم رغم خطورة الذهاب للمدارس التي كانت تتعرض للقصف من قبل طيران النظام باستمرار, إلا أن أعداد الطلبة الملتحقين كان كبيراً, لكن الأمر لم يستمر على حاله حين استولت داعش على منطقتنا”.
توقف علي وزملائه عن الدراسة قرابة العام بعد سيطرة تنظيم داعش, ثم ألتحق بمعهدٍ شرعي التي يصفها على أنها بمثابة “كتاتيب” لتعليم القرآن والأحاديث، إضافة إلى زرع أفكار التنظيم والحث على الفكر الجهادي.
ويتابع الأحمد: “عندما حضرت الدرس الأول في المعهد، كان المدرّس مغربيًّا، وكان التعليم يرتكز على نفي بعض الأحاديث الشريفة، ويرتكز على المنهاج الشرعي، يقول علي، مضيفًا “لم يستمرّ الحال طويلًا، إذ سافرت إلى ريف حلب بعد مدة”.
إلى جانب المعاهد الشرعية، عمل التنظيم في بعض مناطقه على إنتاج مناهج لتسع مراحل مدرسية، وتأسيس منظومة تعليمية مدرسية تستند إلى كتب ألّفها لتتناسب مع أفكاره المتطرفة التي تهدف إلى زرع “الفكر الجهادي” ومفهوم “الدولة الإسلامية” بالإضافة للتدريبات البدنية التي تبدأ مع الطفل بعمر الثالثة عشر حتى نهاية تعليمه ضمن صفوف مخصصة يدرسها مدربين من مقاتلي التنظيم.
سعاد العلي، مدرسة ابتدائي في مدينة الباب تحدثت عن تجربتها أثناء سيطرة داعش على المدينة، فتقول: “كمدرسة في مدارس المدينة كنت على احتكاك كبير مع الطلاب الأطفال الذين لاحظت تبدلاَ في سلوكياتهم وشخصياتهم، فمن ارتدائهم اللباس الأفغاني الذي كان منتشرا في صفوف المقاتلين في داعش، للحديث باللغة الفصحى عن الكفار والمرتدين الواجب قتلهم لنصرة الدين، الغضب المرافق لهذه الكلمات كان واضحاَ، وتغيرت نفوس الأطفال الذين كان من الطبيعي أن يهتموا بالألعاب اللطيفة والمسالمة، إلا أنهم يلعبون لعبة الحرب واختراع أسلحة من الأعواد والحبال في فسحة المدرسة”.

في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية التابعة لمليشيا قوات سوريا الديمقراطية “قسد” والتي يدرس ما يقارب 100 ألف طفل تقريبا في المدارس التي تخضع لسيطرتها، أخذت القوات بنشر أفكارها القومية الانفصالية في نفوس الأطفال عن طريق الخطابات الحماسية في المدارس ونشر الكتيبات ومحاولة فرض اللغة الكردية كلغة تعليمية في محافظة الحسكة ومناطق من الرقة وريف ديرالزور, كبديل عن اللغة العربية ابتداءً من الصفوف الابتدائية ووصولاً إلى الصفوف المتقدمة، مما خلق غضباَ عارماَ عند الأهالي وخرج على إثرها مظاهرات تندد بتغيير الهوية السورية للأهالي في الحسكة و “تكريد” المنطقة، الأمر الذي قوبل بالقمع والحملات الأمنية الواسعة التي اعتقل على إثرها العشرات من العرب والكرد، بينهم معلمون وأهالي طلّاب، وبحسب عدد من الأهالي الذين تمت مقابلتهم فإنهم فضّلوا النزوح من مناطق الإدارة الذاتية والتوجّه إلى مناطق النظام، لضمان مستقبل أبنائهم التعليمي، وهربًا من تضييق الإدارة الذاتية، فيما تحاول الأخيرة ربط قبول المناهج الكردية بقوّة الشعور القومي، وتروّج لذلك إعلاميًا.
و يرى صادق حسون المدرس المتقاعد من ريف ديرالزور الخاضع لسيطرة مليشيا قسد أن المناهج التعليمية في سوريا منذ سبعينات القرن الماضي كانت تحرض على الكراهية والحقد، فالكتب القومية والثقافة والتربية الوطنية كانت دائما ما تتحدث عن الأعداء وضرورة محاربتهم، الأمر الذي زرع بذرة التطرف في الأجيال المتلاحقة ومهد الطريق للتنظيمات الوليدة بنشر أفكارها في بيئة خصبة من الأيدولوجيات المختلفة، يقول حسون: “لابد من حذف كتب القومية من المناهج التعليمية واستبدالها بكتب عن المساواة والحقوق والعدالة، وإنشاء برنامج تعليمي لإعادة تأهيل الأطفال المقاتلين أو المنقطعين عن الدراسة والملتحقين في صفوف التنظيمات المختلفة”.

في مناطق سيطرة المعارضة المسلحة والفصائل الإسلامية لم تتدخل التنظيمات المتطرفة كجبهة النصرة في العملية التعليمية بشكل كبير، إلا أن المحاولات بنشر الفكر في المدارس اقتصرت على حملات بسيطة لدعوة الأهالي بالالتزام باللباس الشرعي للإناث وضرورة مشاركة الذكور في “الدفاع عن الدين” على حد وصفهم.
أما في مناطق النظام فحاولت الميليشيات الطائفية و”الشبيحة” فرض سيرة حياة العديد من المقاتلين الطائفيين في صفوفهم الذين يعتبرونهم رموزاَ هامة من خلال نشاطات مدرسية تمت إضافتها للمناهج الدراسية يختار خلالها كل معلم سيرة بعض رموز النظام العسكريين وسردها للطلاب، محمد الأدهم في مدينة ديرالزور تحدث لنا على أن ابنه كان عائدا من المدرسة يتحدث عن “عصام زهر الدين” القيادي في قوات النظام والذي قتل في تفجير مجهول، وكان طفله يتحدث عن بطولته، وعن انتصاراته ومعاركه الكثيرة، فوجئ الأدهم بهذا الكلام وهو يعلم أن عصام زهر الدين مجرم حرب وله صور يتفاخر بها بارتكاب انتهاكات, إلا أنه لم يستطع أن يعترض خوفاَ من بطش قوات النظام الأمنية.
خلال ما يقارب الثمان سنوات عملت فيها التنظيمات المتطرفة على زرع الأفكار المسمومة في عقول الأطفال وتشويه المناهج التعليمية في مناطق سيطرتها، ترك هذا الكثير من الرواسب التي يجب التعامل معها لمحاربتها واستبدالها بالأفكار الصحيحة البعيدة عن التطرف
فكان لا بد من البحث عن المناهج الصحيحة لمحاربة هذه التنظيمات والكتب التي تساعد في محو التطرف من المجتمع, ندى الأحمد، حقوقية وناشطة في مجال التربية والتوعية في مدينة إدلب تقول: ” عندما خسرت اليابان الحرب توجهت العملية التعليمية للتركيز على نشر الأخلاق الحميدة والتصرفات اللبقة للخروج من آثار الحرب والابتعاد عن الأفكار الانتقامية، وهذا ما نحتاجه في مناهجنا التعليمة، نشر الأخلاق والتركيز عليها في المناهج النظرية وبهذا نحارب التطرف المترسب في عقول الأطفال”
كما أشار رئيس مجلس الأمناء في منظمة “تعليم بلا حدود”، عزّام خانجي في مقابلة له مع جريدة “عنب بلدي”، إلى ضرورة أن يكون القائمون على تعديل المناهج سوريين، مع إمكانية الاستفادة من خبرات أخرى. وعن طبيعة المناهج التي يجب أن تُعتمد في سوريا مستقبلًا يقول خانجي “نحن أحوج ما نكون لمنهاج يحمل القيم الإنسانية، يتعلم الطفل السوري من خلاله العمل بشكل جماعي، فأكبر عيوبنا أننا متفوقون فرديًا وغير متفوقين في العمل الجماعي”. ويدعو خانجي إلى أن تركز المناهج على “موضوع التطرف، وضرورة محاربته من خلال الحجة والبرهان، وتربية الطفل على ألا يكون ضحية تطرف وانحراف وجريمة”.

وبالنظر إلى تجربة المانيا التي خرجت من الحرب العالمية الثانية مُدمرة بشكل كامل, يمكن الاستفادة من السياسة التعليمية التي وضعتها الحكومة الألمانية وبمشاركة من دول الحلفاء للنهوض بواقع التعليم ولإبعاد شبح الحرب عن الأطفال في تلك الفترة. فقد تم حذف جميع الرموز والدلالات التي تُشير إلى حقبة الحكومة النازية واستبدالها بمناهج تعليمية تدعو إلى مبادئ التسامح والمساوة, كما دعت هذه المناهج إلى نبذ العنف واتخاذ الحوار طريقاً لحل المشاكل. وساهمت هذه المناهج في رفع الوعي لدى الأطفال واليافعين بشكلٍ كبير وليكونوا حجر الأساس الذي أوصل ألمانيا حالياً إلى صدارة قائمة دولة العالم في مختلف الأصعدة.

إن محاولة إعادة الأطفال إلى الطريق السوي تحتاج إلى عمل دؤوب على كافة الأصعدة, وتحتل المناهج التعليمية المرتبة الأولى في سلم الأولويات لما لها من تأثير كبير على الأطفال في تكون فكرهم وشخصيتهم, حيث ترى سامية الحبيب، دكتورة المناهج التعليمية في كلية التربية في جامعة حلب سابقاَ بأن المناهج التعليمية يجب أن تعمل على صناعة الهوية السورية بحيث لا تطغى أي هوية على الهوية الوطنية والهوية الإنسانية وألا تقدم أي هوية ما يتعارض مع الهويات الباقية. وأن تركز المناهج على المشتركات بين الهويات، وهي الايمان واحترام الاخر، والقيم الانسانية والاخلاقية.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.