صوت وصورة

 

تتفاقم مشاكل المجتمع في الحروب، وتنتشر الفوضى المزامنة للحرب لتتأثر كافة شرائح المجتمع بالآثار السلبية الجسيمة، إلا أن أكثر الفئات تضرراَ هم الأطفال الذين يعانون بشكل أكبر من آثار الحرب ومخلفاتها الفكرية والمادية, كما يعد الجهل أكثر ما يتأثر به الأطفال بسبب النزوح المتكرر والاقتتال.
فمع بدء الحملات العسكرية للنظام السوري على المدن والبلدات السورية، نزح الكثير من العوائل خوفاَ من بطش الآلة العسكرية وقصف النظام الجوي والمدفعي، مما اضطر الأهالي لإخراج أبنائهم من المدارس أثناء السنة الدراسية والانتقال إلى مناطق أكثر أمناَ نسبياً، إلا أن هذا الانتقال رافقه عدم الاستقرار والبقاء في مكان واحد لفترة طويلة.
في إحصائية منظمة اليونيسف التابعة للأمم المتحدة لعام 2018، أكثر من 2.8 مليون طفل سوري محرومين من التعليم منذ عام 2011، وجاء في البيان التي أصدرته الأمم المتحدة في مؤتمر “دعم مستقبل سوريا والمنطقة” إلى أن 40% من الأطفال المحرومين من التعليم، تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 17 عاماً، ويواجهون مصاعب وتحديات مثل الإجبار على الزواج المبكر، أو الإرغام على القتال والعمل.
نزوح الآلاف إلى الحدود وإنشاء المخيمات التي لم تكن تهتم بالتعليم في فترتها الأولى، أدى إلى انقطاع الأطفال عن التعليم فترات متفاوتة، يقول رياض الأحمد وهو مهندس من ديرالزور اضطر للنزوح إلى المناطق الحدودية خوفاً من بطش النظام: ” كان أبنائي من المتفوقين في دراستهم، إلا أنهم وبسبب النزوح انقطعوا ما يقارب السنة عن التعليم، فأصبحت عودتهم إليها أصعب، وانخراطهم في بيئة جديدة وغريبة عليهم أخذت مني الكثير من الجهد”.

في هذه الأثناء ومع خروج العديد من المناطق السورية عن سيطرة النظام السوري، تزامناَ مع تدهور العملية التعليمية في تلك المناطق بسبب قطع المصاريف من قبل النظام السوري عن المدارس، أخذت الجماعات المتطرفة ببسط سيطرتها على تلك المناطق، وأخذت تتبع سياسة ممنهجة في تجنيد الأطفال من الصغر تبعاَ للأيديولوجيات المختلفة التي تحملها كل جماعة، وإصدار مناهج تخص هذه الجماعات لنشر الأفكار المتطرفة الخاصة بهم. في الرقة مثلاَ تشكلت مجموعات من داعش كان هدفها إقامة المعارض والمهرجانات للأطفال بغية إغوائهم وتجنيدهم في صفوف التنظيم، محمد الجاسم من مدينة الرقة، مدرس رياضيات، يتحدث عن هذه الظاهرة فيقول: ” كانت المهرجانات تقام في الشوارع وعلى الدوارات الرئيسة للمدينة، توضع فيها أناشيد التنظيم، ويقوم عناصر التنظيم بجمع الأطفال واستدراجهم لحضور المهرجان، وتبدأ بعدها عملية غسيل الدماغ، حيث يقوم المنظمون للحفل بتنظيم مسابقات ذات هدايا مالية ومادية ضخمة لمن يجيب عن أسئلتهم، والأسئلة كلها عبارة عن مناهجهم وأفكارهم المسمومة التي ينشرونها في الأسواق والشوارع عن طريق البروشورات والملصقات بشكل يومي، هذا ما يدفع الطفل لحفظ هذه الأفكار طمعاَ بالجوائز القيمة”.

لم تقف ممارسات التنظيم عند ذلك، بل كانت الدعوات بشكل دائم للانضمام لمعسكرات التدريب الشبابية التي يقيمها التنظيم لتجنيد الأطفال، والأناشيد الحماسية التي يقوم بنشرها بين الأطفال، كل هذا تحت ذريعة نصرة الإسلام ودولته المزعومة من قبل التنظيم, مستغلين حالة الفراغ العلمي التي عملوا على انتشارها لدى الأطفال واليافعين.

ليس ببعيد عن الرقة، في مناطق سيطرة مليشيا قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، اتبعت المليشيا سياسة تجنيد الأطفال من مبدأ قومي، فالعديد من الأطفال تركوا مدارسهم في مناطق سيطرة قسد للالتحاق بمعسكراتهم التدريبية، ثم توجهوا بعدها للأعمال القتالية، يحدثنا مصطفى عبد وهو طالب في كلية الحقوق، عن حادثة حصلت معه في عام 2014، فيقول: “كنت ماراَ في إحدى شوارع دارة عزة عندما سمعت عن أسير من مليشيا قسد بيد الثوار موجود في الساحة الرئيسية، توجهت هناك لأجد أن هذا الأسير ما هو إلا طفل في الخامسة عشر من عمره فقط، ويتضح من نظراته أنه مرعوب بشدة، توجهت للقائد العسكري المسؤول عن المجموعة التي أسرته وتحدثت معه بأن هذا الأسير ما هو إلا طفل وقع ضحية بيد قوات سوريا الديمقراطية، وتم التلاعب به، ويجب الإفراج عنه، اقتنع معي القائد بعد نقاش مطول وأرسل الطفل لمجموعة دعم نفسي كي يتم مساعدته للعودة للحياة المدنية”.

في مناطق سيطرة جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) كانت الخطوات المتبعة هي زيارة المدارس وتوزيع البروشورات بالإضافة إلى المعاهد الشرعية التي كان يقوم بها التنظيم لزرع أفكارهم وأيديولوجيتهم في عقول الأطفال الذين ينضمون لاحقاَ لصفوف الجبهة ويشاركون في الأعمال القتالية.
أما في مناطق سيطرة النظام فيدفع النظام السوري الأطفال المتسربين من المدارس والممتنعين عن التعليم وخاصة من المناطق التي نزحت إلى مناطق سيطرته، باتجاه الانضمام إلى “الشبيحة” ضمن صفوف القوات الرديفة والطائفية كحزب الله وفصائل أبي الفضل العباس التي تجند الأطفال في صفوفها من مبدأ طائفي يقوم على كره الطوائف الأخرى في سوريا.
تعمل الجماعات المتطرفة على اختلافها بدس أفكارها وأيديولوجياتها في العملية التعليمية للأطفال في المدارس عن طريق فرض منهج محدد يحمل مبادئهم ومرجعياتهم وأهدافهم، الأمر الذي يعمّق المشكلة لدى الأطفال. ففي إحصائية للأمم المتحدة نجد أن 961 طفلاَ تم تجنيدهم في القتال الدائر في سوريا فقط في عام 2017، الأمر الذي يدعو لمساعدة الأطفال بشكل أكبر للابتعاد عن الأعمال القتالية والتطرف في المجتمع السوري، إلا أن التطلعات اليوم إلى مساعدة الأطفال للخروج سالمين من آثار الحرب.
تحاول العديد من المنظمات العاملة في الشأن الإنساني منذ بداية الثورة بمساعدة الأطفال عن طريق تقديم الدعم للمدارس لاستكمال التعليم وخاصة في المناطق التي عاد أهلها النازحون أو في المناطق التي نزح إلها الأهالي والمهجرين، ومؤخراَ نشطت مشاريع الدعم النفسي بشكل كبير في سوريا لإعادة تأهيل الأطفال عن طريق إقامة مساحات صديقة للطفل وحملات توعوية وثقافية وترفيهية للأطفال في المدارس وإقامة نشاطات مختلفة للأطفال المنقطعين عن التعليم والمتسربين من المدارس، إلا أنه كان هناك دائما تساؤل مطروح ما هو الأهم بين الأمرين، التعليم أم الدعم النفسي، حسين بكار المدير الإقليمي لإحدى المنظمات الإنسانية في الشمال السوري، تحدث لنا عن أنشطة منظمته والمنظمات الشريكة مع الأطفال والجهود المبذولة، ومن وجهة نظره أن التعليم والدعم النفسي أمران متلازمان في الفترة الحالية للأطفال، حيث يقول: “ما عانى منه الأطفال في السنوات الأخيرة خلق الكثير من المشكلات النفسية والصحية لدى الطفل، ولم يقف الأمر عند ذلك بل الجهل الذي فرض على الطفل ومحاولة التلاعب بأفكاره جعلته بعيداً عن الوعي والفهم الصحيح للحياة، مما دفعنا لأن نقوم بدعم العملية التعليمية ولكن بعد محاولة دعم الطفل نفسياً في مراكزنا التي يشرف عليها مختصين في الدعم والإرشاد النفسي”
أما فاطمة الحلبي، وهي مدرسة تربوية مختصة في الإرشاد النفسي، في إحدى المدارس الابتدائية بالريف الحلبي التي كان يسيطر عليه تنظيم داعش، فأطلعتنا على أسلوبها في التدريس قائلةً: “قمت بتقسيم الحصص الدراسية للصف التعليمي إلى حصص تربوية تعليمية وحصص ترفيهية تعليمية، الهدف من الأولى إعطاء المنهج المحدد والهدف من الأخرى تقديم الدعم النفسي للطفل ودمجه مع أقرانه ومساعدته على الانخراط في المجتمع بالشكل الصحيح، وقد لاقى هذا الأسلوب نجاحاَ باهراَ”.

ولعل ما جرى في أوربا خلال الحرب العالمية الثانية, يكاد أن يكون صورة مقاربة عما يجري الآن في سوريا, وتروي آماندا ماسون الباحثة في قصص الحرب العالمية عن الفترة الممتدة بين عامي 1939-1940 حين تم اجلاء اكثر من ثلاثة ملايين طفل من المدن والبلدات البريطانية الكبرى باتجاه الريف, فتقول: “كانت الحرب فترة من الخوف والارتباك الذي يعني الانفصال عن العائلات، أو تدمير منزل أو حتى فقدان أحد الوالدين, كان الإخلاء أكبر سبب لتعطيل حياة الأطفال, وكان مخطط الإجلاء ينص على ارسال ملايين الأطفال في بريطانيا إلى أماكن آمنة خوفا من القصف الألماني”.
عانى الأطفال في تلك الفترة من نقصٍ حاد في التعليم, فقد تعرضت واحدة من كل خمس مدارس في البلاد لأضرار جراء القصف وتم الاستيلاء على العديد من المدارس الأخرى من قبل الحكومة, كان الأطفال محشورون في صفوف ضيقة وفي كثير من الأحيان كانت الكتب والقرطاسية قليلة إضافة لنقص في الكوادر التعليمية بسبب استدعاء المعلمين الشباب من الذكور.
أدت هذه الظروف إلى اتجاه الأطفال للمشاركة في الحرب, فانضم اليافعون غلى فرق الكشافة المرافقة للجيش, واستُخدم الأطفال في مراقبة الجبهات والغارات الجوية, وعمل بعض الأطفال في عمليات نقل الذخائر من المستودعات إلى قطعات الجيش على الجبهات. وتشير آماندا ماسون إلى تراجع مستوى الأطفال التعليمي خلال تلك الفترة وفشلهم في الوصول إلى المستويات المطلوبة من القراءة والكتابة والحساب, واصبحت بريطانيا أمام مشكلة أكبر, فحتى لو كسبت الحرب, فإنها ستخسر جيلاً كاملاً من الأطفال.
وتضيف ماسون إلى أن تدخل الحكومة البريطانية في تلك الفترة ساهم بتدارك وضع الأطفال, فتم ارسالهم بعيداً عن الجبهات وثكنات الجيش, وبدأت مرحلة جديدة من تعليمهم وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهم, من خلال ورشات أُقيمت في الهواء الطلق أو في أماكن لم يصبها الدمار, من أجل تعليمهم المواد المدرسية وإدراج فصولاً تعليمية جديدة, كإضافة فصل الخياطة للفتيات وفصل الرسم للذكور الهدف منها التحاور مع الأطفال وإبعاد فكرة المشاركة بالحرب عن أذهانهم وتقديم الدعم النفسي لهم بسبب ظروف الحرب التي عايشوها.

لا يمكن الفصل بين التعليم والدعم النفسي أو منح أحدهما الأفضلية على الأخر, فتعليم طفلٍ يعاني من آثار نفسية معرض للانتكاس في أي وقت لن يجلب النتائج المرجوة, كما أن الدعم النفسي لطفلٍ بعيدٍ عن التعليم ستجعله متلهفاً لاستقبال أي منهج يسد له هذا الفراغ حتى ولو كان منهجاً متطرفاً, لذا يكون كلاً منهما مكملاً للآخر للوصول إلى الحالة الصحية لمجتمع الأطفال ما بعد الحرب.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.