صوت وصورة

 

يُعرف التطرف في المعاجم اللغوية على أنه حَدِّ الشَّيْءِ وَحَرْفِهِ، وعلى عدم الثبات في الأمر، والابتعاد عن الوسطية، والخروج عن المألوف ومجاوزة الحَدِّ، والبُعد عما عليه الإجماع, إلا أنه هذا المصطلح في العصر الحديث بات يُخصص للجماعات المسلحة التي تحمل فكراً متشدداً دينياً أو سياسياً أو عرقياً, ورغم هذا التحديد إلا أن كثيراً من الدول لديها عدة معايير للتطرف, فألمانيا مثلاً تُقسم الجماعات المتطرفة إلى إسلاميين متشددين وجهاديين وسلفيين, إضافة للجماعات التي تحمل أفكاراً النازية.

هذا التحديد ساهم في وضع منهجية محددة لمكافحة هذا الفكر والحد من آثاره, ففي الحياة اليومية نصادف العديد من الأشخاص أصحاب الفكر المتطرف غير المؤذي مقارنة بالفكر المتطرف لدى الجماعات المسلحة الذي يصل إلى مرحلة الإرهاب, فقد تجد شخصاً متطرفاً لشرب الشاي على القهوة ويدافع عن الموضوع بشراسة, وقد تجد متطرفاً رياضياً يميل لفريق على الآخر ويعتبر أحد الطرفين خصماً له.

ولعل كلمة التطرف بمفهومها الحالي كانت غائبة عن الساحة السورية لغياب الجماعات المتطرفة نسبياً مقارنة بالوضع الآن, في الوقت الذي تجد به دولة مجاورة كالعراق يعي هذا المصطلح ودلالاته لظهور عدة جماعات مسلحة اعتنقت هذا الفكر. إلا أن ما بعد عام 2012 أخذ المدنيون بتداول هذه الكلمة واستخدامها بوصف جماعات كجبهة النصرة وداعش وحزب الله وغيرهم من المليشيات الإيرانية المتواجدة في سورية.
إن ظهور هذه الجماعات لم يساهم بتداول هذا المصطلح فقط, بل تأثرت العديد من المجتمعات به وبات النظر إلى مفهوم التطرف متفاوتاً في الدرجات, وما كان يُصف سابقاً بالفعل المتطرف أصبحوا يعدونهم اليوم فعلاً عادياً نظراً لبلوغ التطرف أعلى مراحله في الوقت الحالي وكثرة حاملي هذا الفكر, بل أن كل شخص بات لديه تعريفه الخاص للطرف.

صالح الخضر شاب من مدينة البوكمال التي سيطرت عليها جبهة النصرة لمدة سنتين و تنظيم داعش لقرابة الثلاث سنوات تغير لديه مفهوم التطرف بمرور الوقت, فيقول: “في السابق كان هنالك شخص من أصحاب المذهب السلفي في المدينة يرتدي ثوباً قصيراً وملتحي, فكنا نقول عنه بأنه متشدد, اليوم لا يمكنني استخدام هذا المنطلق لتعريف التطرف, فنسبة لا بأس بها ترتدي الثوب القصير ويربون اللحى دون أن يكون لديهم فكر متطرف إلا أن الأمر باتت كالموضة”.
ويتابع الخضر: ” تعريف التطرف بنظري اليوم هو كل شخص يقطع الرؤوس ويفجر نفسه, وهو الشخص الذي يحمل سكيناً ويلوح بها أمام الناس, لم أكن استطيع الوصول لهذا المفهوم من قبل لعدم رؤيتي لأشخاص يقومون بذلك, أما خلال السنوات الماضية فقد شهدت العديد من حالات الإعدام العلنية لذلك أظن أن هذا التعريف هو الأنسب للتطرف”.

أما مؤيد الحسين من مدينة الرقة فعرف التطرف على أنه أفعال تفرضها مجموعة قليلة على المجتمع وتهدد بمعاقبتهم في حال عدد اتباعها, ” التطرف هو عندما تُمنع زوجتك أو أختك من الخروج من المنزل دون أن ترافقها حتى ولو كان الأمر اضطرارياً, وإن خرجت ستعاقب أنت وهي, كما أن التطرف عندما تُحب أن تَدرس الفلسفة وتُمنع من ذلك بحجة أنها كُفر, وتُخير بين تركها أو الموت في حال دراستها”.

يعتمد تعريف مؤيد على ما شهده في مدينة الرقة أثناء سيطرة تنظيم داعش عليها وإصدارهم لقرارات فُرضت بقوة السلاح على المدنيين, فالمرأة كانت تُمنع من الخروج من المنزل حتى لو كان الأمر إسعافياً, وتُعاقب المخالفة للقرار بجلدها وجلد زوجها أو أخيها, كما حرّم تنظيم داعش بعض الاختصاصات الدراسية كالإحصاء والفلسفة والاجتماعيات, وتم وسج واعدام شبان كانوا يدرسون هذه الاختصاصات في السر أو حتى لامتلاكهم كتب عن هذه الاختصاصات.

إن سيطرة الجماعات المتطرفة على مدن وبلدات في سوريا لم يساهم بمعرفة معنى التطرف لدى السكان وحسب, بل كان لهذه السيطرة آثار سلبية على اليافعين والأطفال تحديداً اللذين اختلط عليهم الأمر بين الفعل المتطرف والفعل السليم, وباتوا يرون جميع الأفكار المتطرفة سليمة نتيجة تعرضهم لها بشكل يومي, تروي أم سعد مشكلتها مع ابنها البالغ من العمر 12 عاماً, وهي نازحة من مدينة ديرالزور إلى ريف حلب فتقول: “في بداية الأمر أحب ابني لبس البناطيل السوداء أو ذات التمويه العسكري, ومن ثم أصبح يستمع بشكل متكرر لأناشيد تصدر عن تنظيم داعش, حاولت منعه إلا أن هذا الأمر كان مستحيل بسبب انتشار نقاط إعلامية تقدم هذه الإصدارات وتضعها علناً, ومن ثم تطور لديه الأمر حتى أنه وصفني بالكافرة عدة مرات, ولدى نزوحنا إلى ريف حلب بعيداً عن سيطرة داعش بات مشوشاً بالكامل ويعيش حالة من التخبط بين الماضي والحاضر, كثيراً من المرات سألني هل يجوز أن يكون معي تلميذات في الصف أو هل يمكن أن أستمع للأغاني دون أن يعاقبني أحد؟”.

وتختلف المجتمعات فيما بينها بتعريف التطرف أو ما هو متطرف, ففي إدلب يرى وائل حسان أن التطرف هو كل شخص ينتمي لجبهة النصرة أو جند الأقصى, وعند سؤاله عن معنى هذا التعريف, قال “إن المتطرفين هم أشخاص يسرقون باسم الدين ويقتلون باسم الدين ولا يعرفون الدين”. بينما تساهم التجارب الشخصية والحوادث في صياغة معنى التطرف عند الأفراد, حتى أن بعضهم يتطرف بتعريفه للتطرف, كحال علي حمزة من حلب معتقل سابق في سجون النظام الذي يصف نفسه بحامل فكر متطرف, فيقول: “عندما يقتل الشخص فهو قاتل وليس متطرف, وعندما يحارب فهو محارب وليس متطرف, التطرف هو أن يتم جلب زوجتك إلى السجن وتهديدك باغتصابها إن لم توقع على اعترافات لم تُدلي بها, والتطرف عندما يأخذك السجان لجلسة صعق بالكهرباء لمجرد أنه يشعر بالملل, التطرف عندما تتمنى أن تموت بأي طريقة ليست مؤلمة”.

وبعيداً عن الشرق الأوسط باتجاه الغرب, فإن المجتمعات الأوربية لديها تمييزٌ واضح بين أنواع التطرف وبين التطرف والإرهاب, وذلك نتيجة معاصراتهم لأنواع مختلفة من التطرف منها الديني والسياسي والقومي, ولا يعتمد هذا التمييز على قرارات حكومية فقط, بل تتدخل النظرة الشخصية في فرز كل تطرف للمجموعة التي ينتمي لها.
تروي لنا “أورليكا غيرد” الأستاذة في معاهد غوتا لتعليم اللاجئين في ألمانيا عن مفهومها لمعنى التطرف, فتقول: “لدينا في ألمانيا عند ذكر كلمة التطرف يتبادر إلى الذهن تنظيم داعش الذي يمثل التطرف الديني, وحزب البديل الذي يُمثل التطرف القومي, إلا أن الفرق بينهما هو التطرف لدى داعش الذي وصل إلى مرحلة القيام بعمليات إرهابية, أما الحزب البديل فهو مجموعة متطرفة فكرياً لا تقوم بعمليات إرهابية”. وتشير غيرد إلى أن الهيئة الخارجة للشخص قد تؤثر على إطلاق أحكام التطرف على الفرد خصوصاً في المجتمعات الأوربية نتيجة غياب بعض المظاهر عن المجتمع الأوربي حيث تقول: “من خلال عملي بتعليم اللاجئين للغة الألمانية التقيت بشاب سوري ملتحي ومنعزل اجتماعيا, فاعتقدت أنه شخص متطرف يجب الحذر منه, مع مرور الوقت ومعرفتي جيداً به وجدته شخصاً طبيعياً يعاني من آثار الحرب الدائرة في سوريا وأنه بعيد كل البعد عن التطرف, على عكس طالب بولندي آخر في ذات المجموعة, رغم مظهره الأوربي إلا أنه كان يحمل أفكاراً عنصرية ضد اللاجئين العرب, لم استطيع التمييز في البداية أيهما المتطرف وذلك لانخداعي بالهيئة الخارجية لكلٍ منهما”

وعلى اختلاف مفاهيم وتعاريف التطرف لدى من عايشوا المجموعات المتطرفة, إلا أن جميعها تشير إلى أفكار تجسدت على شكل أفعال مارسها أناس ضد مجموعة ما, فانعكس الأمر وراح قسمٌ منهم إلى وعي مفهوم التطرف والتحذير منه, بينما اتجه قسمٌ أخر لممارسة فعل متطرف للرد على التطرف. وفي جميع الأحوال, يعتبر اللجوء إلى العنف بشكل فردي أو جماعي من قبل الجهة المتطرفة بهدف فرض قيمها ومعاييرها، أو بهدف إحداث تغيير في قيم ومعايير المجتمع الذي تنتمي إليه وفرض الرأي بالقوة، هو أحد أشكال الإرهاب الذي يضع المجتمع داخل دوامة التخلف والرجعية التي تمتد آثارها لسنوات طويلة.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.