صوت وصورة

 

لكلمة متطرف أو تطرف وقعٌ ثقيلٌ ومرفوض بشكلٍ عام حتى لدى الجماعات التي تمارس التطرف في حياتها اليومية, وتحاول الهرب من هذا الوصف إلى مصطلحات أخرى. فلدى الجماعات الإسلامية المتطرفة يفضلون لقب الإرهابي بل ويعتزون به ويرفضون وسمهم بالتطرف. والجماعات التي تتعصب بشكل كبير للعرق تستتر بغطاء قومي. وحتى في عالم السياسة، فبعض الأحزاب تُسمي نفسها باليمينية، إلا أن الجميع يستخدمون وصف التطرف ضد منافسيهم أو أضدادهم ولو كانوا ضمن الصف الواحد ممن يتبعون ذات الفكر والتوجه. فليس هناك جماعة دينية تدعو نفسها بالمتطرفة، وليس هناك حزب سياسي يدعو نفسه بمتطرّف يميني أو متطرّف يساري, إلا أن افعالهم هي التي تعكس تطرفهم. ففي الساحة السورية التي امتلأت بالجماعات, كان التطرف متلوناً ومتبايناً بين جماعة وأخرى, يُستخدم في خطابات الجماعات لكسب الحاضنة وإغناء المخزون البشري لديهم.

فالتطرف بمعناه هو اتخاذ الفرد أو الجماعة موقفاً متشدداً اتجاه فكرٍ يؤمن به أو يحاول أن يجد له مكان، في البيئة المحيطة لهذا الفرد أو الجماعة. و يعتبر اللجوء إلى العنف من قبل الجهة المتطرفة بهدف فرض أيدولوجيتها أو إحداث تغيير في قيم ومعايير المجتمع الذي تنتمي إليه وفرض الرأي بالقوة، هو أحد أشكال الإرهاب. ويُعد التطرف أحد أوسع الأبواب التي تؤدي إلى الإرهاب بعد ثُبوت أن 95% من حالات الإرهاب، التي اجتاحت العالم العربي خلال الخمسين عاماً الماضية كانت نتاجاً للتطرف.

مفهوم التطرف داخل الجماعة الواحدة.

تُعد جبهة النصرة فرع تنظيم القاعدة في بلاد الشام –سابقاً- من بين أبرز الجماعات المتطرفة دينياً في سوريا وتتخذ من مسيرة تطرف القاعدة الأم نهجاً للسير عليه. وهي منظمة تم تشكيلها بقيادة أبو محمد الجولاني أواخر سنة 2011 وتنتمي للفكر الجهادي بدعمٍ من تنظيم دولة العراق الإسلامية, وتصنف من قبل الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية. كانت جبهة النصرة منتشرة في مناطق عديدة من سوريا, بوجود مركزي ثقل لها, الأول بقيادة أبو محمد الجولاني في إدلب, والثاني بقيادة أبو ماريا القحطاني –عراقي الجنسية- في ديرالزور.
في عام 2014 بدأ الاقتتال بين جبهة النصرة ضد تنظيم داعش بعد خلاف في التوجه بين أيمن الظواهري أمير القاعدة وأبو بكر البغدادي أمير داعش أصدر بعدها الظواهري بياناً يعلن فيه إلغاء الدولة الإسلامية في العراق والشام, بعد أن رأى كلٌ منهما أحقية جماعته بالقيادة. عندها أخذت داعش بالتوغل في الشرق السوري باتجاه ديرالزور تحديداً بغية السيطرة عليها.
عن هذا يقول تيم رمضان الذي كان متواجداً في ديرالزور خلال تلك الفترة وعايش الأحداث: “كانت جبهة النصرة أحد الأطراف المشكلة لما يسمى مجلس شورى المجاهدين برفقة حركة أحرار الشام الإسلامية وفصائل مسلحة أخرى, وكانت الفصائل تُعول على جبهة النصرة بصد هجوم داعش نظراً لكثرة عددهم وعتادهم ووجود أفرع لهم خارج ديرالزور الأمر الذي من شأنه أن يكسر الحصار المفروض, معتمدين على أقاويل بثها عناصر النصرة بوجود رتل عسكري يتبع لجبهة النصرة قادم من إدلب لفك الحصار عنهم, إلا أن هذا الأمر لم يحدث”.
استمر حصار تنظيم داعش لمحافظة ديرالزور قرابة ستة أشهر شهدت معاركاً يومية على أطرافها, وكانت مشاركة النصرة خجولة مقارنة ببقية الفصائل, وتركزت المعارك على أطراف مدينة البوكمال لصد تنظيم داعش من جهة العراق, وعلى أطراف مدينة الشحيل لصدهم من الجهة الغربية للمحافظة.
ويضيف رمضان: “بعد مرور شهرين وعدم وصول الرتل الموعود, بدأت تظهر الاختلافات داخل جبهة النصرة, ففي كثير من المرات التي التقى بها أبو ماريا القحطاني مع مدنيين أو عسكريين كان يتحدث عن تطرف جبهة النصرة في الشمال بقيادة الجولاني لصالح تنظيم داعش وعمله على وأد المشروع الجهادي في الساحة الشامية, حتى أنه حذر من عناصر جبهة النصرة في مدينة البوكمال قائلاً أنهم لا زالوا يملكون تواصل مع جماعة دولة العراق الإسلامية”

بعد أشهر الحصار, قامت مجموعة جبهة النصرة في مدينة البوكمال بقيادة فراس السلمان الملقب بأبو جنى بالانضمام لتنظيم داعش ومشاركتهم القتال ضد الفصائل المسلحة وعناصر جبهة النصرة في باقي مناطق ديرالزور. حُسمت المعركة لصالح داعش بالسيطرة على مدينة ديرالزور و كامل الريف الشرقي للمحافظة.
تظهر هذه الحادثة اختلاف عناصر جماعة النصرة فيما بينهم وظهور مصطلح التطرف خلال شهرين, وهي الفترة الزمنية التي فصلت بين تغني جبهة الشرق بجبهة الشمال وبين وصفهم بالمتطرفين الذي يسعون للخراب. هذا الوصف الذي كان غائباً لقرابة ثلاث سنوات من انتمائهم لجماعة واحدة في سوريا ودفاعهم عن ذات المعتقدات والمرجعية على مدى سنوات طويلة.

التطرف داخل أصحاب الفكر الواحد.

تربعت جبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية وتنظيم داعش على عرش الجماعات ذات التطرف الديني في سوريا, رغم اختلاف التوجه والمرجعية لكل منها إلا أن القرارات في بادئ الأمر كادت أن تكون متشابهة والمعارك مشتركة والمقرات بالقرب من بعضها البعض. هذا التناغم فيما بينهما انتهى بعد سيطرتهم على الرقة بعدة أشهر, وأخذت المشاكل تظهر للعلن تدريجياً بعد اختلاف مرجعية كلٍ منهم, فجبهة النصرة تتخذ من القاعدة مرجعية لها في الوقت الذي ترى به القاعدة أن داعش ما هي إلا فرعٌ للقاعدة في العراق, بينما يرى أمراء داعش أنهم مرجعية مستقلة ولا يتبعون لأي جماعة أخرى, وتنفرد حركة أحرار الشام بمرجعيتها عن كلا الجماعتين, وتتخذ من أشخاص قاتلوا لدى الطرفين بوقت سابق في أفغانستان والعراق مرجعية للحركة, وترى بضرورة عزل سوريا عن باقي التجارب “الجهادية” في دول أخرى.
شاركت جبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية برفقة فصائل معارضة مسلحة بالهجوم على مدينة الرقة في الرابع من آذار 2013, ورغم أن مشاركتهم لم تكن كبيرة إلا أنهم وضعوا أيديهم على المرافق الحيوية والبنوك في المدينة مما أكسبهم الهيمنة عليها, وبعدها بشهر ظهر تشكيل الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” كتنظيم مستقل عن جبهة النصرة.
السيطرة على مدينة الرقة فتح باب المطامع لدى الجماعات, فللمرة الأولى يتم السيطرة على منطقة جغرافية واسعة لم يطلها التدمير وتشرف على معابر حدودية مما يسمح لهذه الجماعات بزيادة مخزونها البشري من العناصر. في بادئ الأمر عمل عناصر تنظيم داعش على إخراج فصائل الجيش الحر من المدينة عبر سلسلة من الاغتيالات والتفجيرات طالت عناصر ومقرات الجيش الحر, لتبدأ بعدها معركة داعش ضد النصرة وحركة أحرار الشام التي استمرت عدة أيام وانتهت بسيطرة داعش على المحافظة مع بداية عام 2014.

على الرغم من ظهور توحد بوقت سابق لدى هذه الجماعات, إلا أن علاء الأسعد من دير الزور يخالف هذه النظرة, فيقول: “كنت مسجوناً في سجن صيدنايا منذ عام 2007 حتى عام 2011, كان في السجن معظم القيادات الحالية لجبهة النصرة وداعش وحركة أحرار الشام, كان لهم قسمٌ مخصص في السجن تحت مسمى قسم الجهاديين, ورغم مشاركتهم ذات القسم وذات التسمية, إلا أن الخلافات كانت بين بعضهم البعض, فالسجناء الذين قاتلوا في أفغانستان يرون أنفسهم أعلى شأناً من الذي قاتلوا في العراق, ذات التقسيمات الموجودة الآن بين هذه الفصائل كانت موجودة في السجن, إلا أنه لم يكن هنالك مسمى جبهة النصرة أو داعش أو الحركة, لكن الأشخاص هم نفسهم”
بعد الاقتتال بين هذه الجماعات, أخذ مصطلح “الخوارج” بالانتشار، وصاروا يطلقونه على بعضهم البعض, وهو مصطلح ديني يطابق مصطلح التطرف يُطلق على الجماعة المتشددة دينياً.

في حزيران 2011 أصدر بشار الأسد مرسوماً رئاسياً أفرج بموجبه عن المعتقلين السياسيين في سجن صيدنايا، أغلبهم من الإسلاميين الذين سبق واعتقلهم حين عادوا من القتال في العراق، وهم على ارتباط بتنظيم القاعدة، وقسم آخر من المنتسبين إلى تنظيمات وأحزاب إسلامية متشددة كحزب التحرير الإسلامي والنصرة وغير ذلك, وكان عدد من أُفرِج عنهم آنذاك يقارب 1450معتقلاً.

التطرف بين الجماعات المختلفة.

ولا ينحصر التطرف في سوريا لدى الجماعات التي تم ذكرها سابقاً بوجود ميليشيا حزب الله اللبناني ومجموعات عراقية وإيرانية تقاتل بجانب النظام ومصنفة ضمن لوائح الإرهاب الدولية, حيث مارست هذه الميليشيات انتهاكات لا تقل عما مارسته الجماعات المتطرفة من داعش والنصرة والحركة, بل حتى إن وجود هذه الميليشيات سبق ظهور باقي التنظيمات المتطرفة. فوجود هذه المليشيات بدأ منذ عام 2012 عند توجههم إلى سوريا بغرض حماية المراقد الدينية الشيعية حسب قولهم, واستمر حتى يومنا هذا, بأمر من المدعو علي السيستاني المرجع الديني الأكبر للشيعة في العالم.

ولعدم إمكانية حصر التطرف بوجهه الديني فقط, لابد من الإشارة للأحزاب العسكرية الكردية مثل حزب البي كي كي, وحزب الواي بي جي -المصنفان على لوائح الإرهاب في تركيا- اللذان يتخذان من التطرف العرقي والقومي منهجاً لهم.
يقول سرمد الجيلاني المختص في دراسة الجماعات المتطرفة: “ما حدث في الرقة مثال عن عدم انحصار التطرف لدى الجماعات الإسلامية, فميليشيا قوات سوريا الديمقراطية قسد سيطرت على محافظة الرقة بعد معركة مع تنظيم داعش أوقعت قرابة 9000 مدنياً بين قتيل وجريح, وكل من الطرفين ينظر للآخر على أنه متطرف, قسد تسمي داعش بالإرهابيين, وداعش تسمي قسد بالملاحدة, والمدنيون في الرقة يسمون كلا الطرفين بالمتطرفين”.

ولا يشترط على الفرد الحامل لمفاهيم التطرف أن ينحدر من بيئة منغلقة أو أن يكون من الذين نشأوا في بيئة ذات خلفية دينية, فللتطرف أنواع عدة، منها التطرف الفكري والديني والعرقي، وقد استغلت جميع أنواع التطرف هذه لمصالح قوى تحقق المكاسب عن طريق انتشار التطرف وتعمل هذه القوى على تجنيد الشباب في العالم، وتدريبهم كي يقوموا بأدوار إجرامية في المجتمع، فينشأ ويتغذى هؤلاء الشباب على خطاب الكراهية للآخر، ويرسِّخون في أذهانهم أهدافاً مزيفة تسوّل لهم أنفسهم بأنهم عظماء، وأن الآخر لا قيمة له. كما يوجد متطرّفون آخرون ظاهرهم التشدد والتعصب، وهدفهم جمع المال فقط؛ لذلك فإن هذا التطرف هو الأسهل في العالم، وخاصة في أوروبا؛ لأن الشباب العاطل الضائع يبحث عن فرص للكسب غير المشروع، فلا يبالي سوى بالمال والشهرة، والتطرف بالنسبة له وسيلة لتحقيق ذلك.

وحذّر منسق الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإرهاب، جيليس دي كيرشوف، بتقريرٍ صادر عن الاتحاد الأوربي, من أن قرابة 35 ألف متشدد يعيشون في بريطانيا، التي تسبق أي دولة أوروبية أخرى في هذا الصعيد؛ لافتاً الانتباه إلى رقم مرعب يؤكد وجود عشرات آلاف المتطرفين بقارة أوروبا الآن، قدّرهم بنحو 50 ألفاً. وأوضح “دي كوشنير”، أن 3 آلاف ممن يعيشون في بريطانيا مُدرَجون ضمن “العناصر المقلقة” لدى المخابرات البريطانية؛ فيما يتم تتبع 500 بشكل دائم.

ويرى الباحث الفرنسي والأستاذ الجامعي “أوليفيه روا” أن تنظيم داعش لا يزال يغوي الشباب الأوروبيين لأسباب عديدة وقال إن “الشباب الذين غادروا أوروبا للانضمام لداعش هم ذاتهم الذين غادروا للالتحاق بالقاعدة قبل سنوات” واعتبر الأستاذ الجامعي الفرنسي أن تنظيم داعش يغوي الشباب الأوروبيين لأن هذا الشباب يريد الانتماء لقضية والدفاع عنها خاصة حين يتحدث الغرب عن حرب حضارات.

وعلى اختلاف توجه المجموعات المتطرفة وأهدافها, إلا أنها تتشارك بجعل التطرف جسراً للعبور نحو حالة الإرهاب وتشريع حقهم بالاعتداء على الأطراف الأخرى في المجتمع لنشر فكرهم في المجتمع عن طريق القوة, وهذا ما يُعيد إلى الأذهان تطرف الحكومة النازية ومحاولتها لفرض هيمنتها وأفكارها عن طريق القوة, مما حمل ألمانيا تبعات سلبية تعاني منها حتى يومنا هذا.

المنظمة مستقلة تماماً لا تتبع لأي جهة عسكرية أو سياسية سواءً خارج سوريا أو داخلها.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.