أماكن وأحداث وشخصيات المسلسل من وحي خيال صناع العمل وأي تشابه بينهم وبين الواقع فهو محض صدفة غير مقصودة, “فخر” ليس شخصية واقعية وكل ما سيخوضه من أحداث وما سيمر عليه من أماكن ومن سيقابلهم من شخصيات هم من وحي الخيال.

 

بهذا التنويه يبدأ المخرج المصري أحمد خالد موسى عرض قصة “فخر” الشابُ المصري الذي تخرج من كلية الحقوق في تسعينيات القرن الماضي والتحق بعمل المحاماة مؤمناً بسلطة القانون لاسترداد الحقوق ومواجهة الفساد والظلم, ليتقاطع طريقه بعدها مع المدعو “سمير العبد” الشخصية ذات النفوذ في البلد المقيم فيه ويبدأ التضييق عليه بهدف التلذذ وفرض السيطرة, فيتم قتل أحد أقارب فخر, ليضطر بعدها للاختباء فترة من الزمن والهرب إلى دولة أوربية للابتعاد عن سلطة سمير العبد, لكن الظروف هنالك لم تسمح له بالاستمرار فعاد إلى دولة عربية للعمل, وعلى الرغم من مرور سنوات عدة وابتعاد فخر عن بلد سمير العبد “التي كان يتصرف بها كأنها مزرعة له” إلا أن سمير استمر بلعبته وليوسع دائرة غضبه لتشمل كل من كان له اتصال بفخر, فيقتل صديقاً لفخر ويسجن أخر ويلفق تهماً لثالث ومن ثم يرسل رسالة له أن اللعبة مستمرة.

عندها يقرر فخر الانتقال إلى مرحلة أبو عمر المصري أو النسر, وينضم لجماعة متشددة ومن ثم يبدأ المسير في طريق الإرهاب, من أجل الانتقام من سمير العبد وليكون لأبي عمر المصري القدرة أن يكون نداً له.

 

أكثر ما لفت نظري في هذا العمل الدرامي هو إصرار المخرج أن الأحداث الواردة هي من وحي صناع العمل, ربما استخدم هذه العبارة لإخلاء المسؤولية عما سيتم عرضه أو أنها عبارة باتت كلاسيكية تستخدم في كل عمل درامي يناقش أحداثاً واقعية, خصوصاً أن مثل هذه القصص حدثت على أرض الواقع لأناس كثر وأخذت بازدياد مع مطلع القرن الواحد والعشرين.

 

لذا سأنوه بدوري أن ما سيأتي لاحقاً هي أحداث حقيقية ليست من وحي الخيال وأي تشابه بينهم وبين العمل الدرامي مقصود وليس من باب الصدفة وأن الشخصان اللذان سيتم الحديث عنهما وما خاضاه من أحداث وما مر عليهما من أماكن ومن قابلوهم من شخصيات هي حقيقية حدثت بالفعل.

حسام, شابٌ جامعي سوري, استمر سبع سنوات حتى استطاع الوصول للسنة الرابعة في كلية الحقوق, ولعل حبه للحياة وانخراطه في ملذاتها كان السبب الأكبر في تعثر دراسته, فحسام كان له برنامجٌ اسبوعي للسهر ومصاحبة فتيات الجامعة حتى أنه في أحد المرات أضاع امتحاناً له بسبب موعدٍ غرامي. لم يكن هنالك أي تقاطع طرق بين حسام والدين, وأكثر ما يميز حسام هو خاتم وإسواره من ذهب يرتديها بيده إلى جانب عشقه للأغاني العراقية القديمة, وكان يعلل بقاءه في الجامعة من أجل التهرب من خدمة العلم فهو يكره أن يرتدي بدلة عسكرية ويحمل السلاح.

 

بقي حسام على حاله هذا حتى شهر آذار \مارس 2003 عندما شاهد القوات الأميركية تبدأ بغزو العراق, تغيّر حال حسام بعدها وانقطع عن جامعته, وأطال لحيته وأحرق الخزانة التي كانت تحتوي على كاسيتات أغاني عراقية, وأصبح ملازماً لشاشة التلفاز يتفرج على الأخبار الواردة من العراق, وبات الحديث الوحيد الذي يخوضه عن الأبرياء الذين يتم قصفهم بمختلف أنواع الأسلحة على بعد عشرات الكيلومترات منه. ترك حسام رفاقه القدامى والتحق برفقة جدد يشاركونه الاهتمام بما يجري في العراق, وكان لا يغادر المنزل إلا للقائهم أو لممارسة هواية جديدة وهي الركض لمسافات طويلة, والتي كانت تنال استحسان المحيطين به لعلها تخفف عنه قليلاً.

 

بعد سقوط العاصمة بغداد بيد القوات الغازية بثلاثة أسابيع, ترك حسام خلفه ورقة كتب عليها “لم يعد هنالك مجالٌ للسكوت, ولن يعود هنالك موعدٌ للقاء” واختفى بعدها لعدة اسابيع دون أن يعرف ذويه عنه أي شيء أو معنى الورقة التي تركها خلفه, ظن من حوله أنه انتحر وأخذوا يبحثون عنه في المشافي ومخافر الشرطة في المدينة التي يقيم فيها ومن ثم توسع البحث ليشمل المدن المجاورة, توقف البحث بعد خمسة اسابيع عندما أرسل حسام لأهله فيديو مصور يعرف عن نفسه “بأبي حفص السوري” وأنه ذهب “للجهاد” في العراق وأن هذا الفيديو سيكون الفيديو ما قبل الأخير, وأنه في حال كان هنالك فيديو قادم فهذا يعني أنه قد “استشهد” وسيتضمن وصية له.

بعد سبعة أشهر جاء خبر لأهله أن حسام قد مات في أحد المعارك في العراق, خبر شفوي تم عن طريق الهاتف ولم يرسل حسام أي مقطع فيديو أو الوصية التي تحدث عنها, وكأن موته كان فجأة ولم يكن في حسبانه.

 

أما وليد فمهندسٌ في أحد المعامل الحكومية إلى جانب أنه كان يلعب لأحد الأندية الرياضية, ميسور الحال ومتزوج وله أولاد, كان يحمل أخلاقه الرياضية معه إلى خارج ارضية الملعب, تنصب اهتماماته على الرياضة والعمل وعائلته. حتى مع انطلاق الثورة السورية وانخراط جميع من حوله فيها, بقي مبعداً نفسه وعائلته عن كل ما يحصل لمدة سنة ونصف, حتى خسر أصدقاء الطفولة نتيجة وضعه صورة بشار الأسد على سيارته. وفي أحد الأيام حدثت مشادة كلامية بينه وبين رئيسه في العمل انتهت بتلقيه صفعة على وجهه, لم يستطع وليد رد الصفعة فرئيسه كان يملك علاقة جيدة مع أجهزة المخابرات, غادر وليد العمل على الفور وتوجه لمدينة أخرى وانخرط ضمن صفوف جبهة النصرة “فرع تنظيم القاعدة في سوريا” وأصبح يلقب نفسه أبو خالد الأنصاري. قُتل وليد بعد ثلاث سنوات باشتباك مع تنظيم داعش شرق سوريا.

 

لم يولد التطرف لدى كُلاً من حسام و وليد عند قدومهم إلى الحياة, بل هي لحظات قليلة حتى سلكا هذا الطريق على الرغم من الخيارات الكثيرة التي كانت متاحة أمامهم, حالهم كحال نسبة لا يمكن الاستهانة بها ممن سلكوا طريق التطرف, وليس المقصود بالتطرف هنا هو الانضمام لجماعات إرهابية, فالمدني الذي انخرط في العمل العسكري قد تطرف من الحالة المدنيّة إلى الحالة العسكريّة, والشخص الذي كان وسطيّاً ومن ثم تشدد دينيّاً قد تطرف تطرفاً دينيّاً, والشخص الذي يؤيّد القاتل قد تطرّف فكريّاً واستساغ فكرة القتل حتى لو لم يكن هو الفاعل, وأمريكا عندما غزت العراق من أجل إنهاء نظام دكتاتوري وكانت النتيجة عشرات الألاف من الضحايا هو فعل متطرف أيضاً, فمفهوم التطرف أوسع من أن يُحصر لدى الأشخاص الذين سلكوا طريق الجماعات المتشددة.

 

لا يمكن تعميم تجربة حسام ووليد على أنها القاعدة العامة للتطرف, كما أنه لا يمكن أيضاً اعتبارها قاعدة شاذة يجب إهمالها, إلّا أنّ المؤكد هنا أن التطرف ليس فطرة يولد عليها الإنسان, وهنالك عوامل كثر تؤدي إلى نوع من أنواع التطرف, ويوجد دائماً متطرفٌ أكبر يعمل وفق غطاء يحميه كان المسبب في تطرف العشرات, فلو استطعنا إيقاف هذا المتطرف وإزالة الغطاء ومحاسبته, لاستطعنا تخفيض نسبة المتطرفين إلى درجة تُسهل من عملية القضاء على التطرف وعناصره بنتائج أكبر, كالقضاء على نظام بشار الأسد ومحاسبته سيزيل عشرات المليشيات المتطرفة في سوريا ويسهل إنهاء وجود القسم الآخر المتبقي منها. فمحاسبة نظام الأسد منذ البداية كان يعني عدم وجود ميليشيات إيران وحزب الله وميليشيات عراقية أخرى, وبقاء كثيرٍ من قادة داعش والقاعدة في السجون, ولما رأينا هذا العدد من حملة السلاح.  

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.