أغيد الخضر – خاص صوت وصوة 


هذه الورقة البحثيّة هي الثانية عشر من سلسلة مواد رأي سيتم نشرها بشكلٍ أسبوعي تتحدث عن “واقع منطقة حوض الفرات” في العصر الحديث منذ مرحلة الاستقلال حتى يومنا هذا وتعاقب أنظمة الحكم على المنطقة.


تشكيل جبهة النصرة في المنطقة الشرقية لم يكن وليد يومٍ وضحاها, ولم يكن أمراً فجائياً, لكن قلة من استطاع توقع تحول الأمر إلى شكله الحالي, فالعناصر الذين كانوا يحملون الفكر القاعدي لم يتجاوز عددهم الخمسون شخصاً في مدينة البوكمال, بعضهم ممن قاتل سابقاً في العراق. كان الأشخاص متوزعين بين الكتائب, إلا أن النسبة الاكبر منهم شكلوا كتيبة تحت اسم “جنود الحق” في مدينة البوكمال, علماً أن ليس جميع عناصر هذه الكتيبة يحملون الفكر القاعدي, لكن قائدهم الملقب أبو “جنى\ فراس السلمان” كان من ضمن عناصر تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.

أبو جنى, مقاتل سابق في العراق ومن ضمن طاقم مرافقة أبي مصعب الزرقاوي, عاد إلى سوريا عام 2006 واعتقله النظام السوري واطلق سراحه لاحقاً ببداية عام 2008. اطلاق سراحه كان مشروطاً من قبل النظام السوري وبقي تحت انظارهم. عمل أبو جنى مع المخابرات السورية في الخفاء, فكان مسؤولاً عن تجنيد الشبان لصالح تنظيم القاعدة وتدريبهم في مزرعة تتبع للمخابرات السورية في منطقة المزارع بدمشق شريطة تقديم بياناتهم للنظام السوري. توسعت اعمال أبو جنى وافتتح عدة مراكز تدريب سرية بإدارته وتحت اشراف المخابرات السورية حتى وصل الأمر لإنشاء مركز تدريب في مدينة البوكمال وهو نفس المركز الذي تعرض لانزال جوي في السادس والعشرين من تشرين الاول عام 2008, عندما هبطت طائرات امريكية قادمة من جهة العراق على منطقة في قرية السكرية التابعة لمدينة البوكمال وقتلت 8 أشخاص قال النظام بوقتها أنهم عمال. كان أبو جنى يُعتقل ومن ثم يُطلق سراحه من قبل النظام السوري لعدم كشف الأمر وفي كل مرة كان يقول أنه ” تحقيق روتيني”. لم يكن لأبو جنى أي نشاط يذكر أثناء الثورة السلمية وفي كل مرة يتم سؤاله بها عن عدم مشاركته كان يجيب ” لسا الدور ما أجانا”. مع إعلان جبهة النصرة أنها الممثل القاعدة في سوريا بدأت الإشكاليات داخل كتيبته بين مطالب بالبيعة للقاعدة ورافض للأمر, فانتهى الجدال بخروج عدد من العناصر من كتيبة جنود الحق وليعلن بعدها البيعة لتنظيم جبهة النصرة. بعد النقص العددي لدى أبو جنى حاول استغلال علاقاته مع مجاهدي القاعدة في العراق لطلب الدعم منهم, واستطاع الحصول على عدد من العناصر والسلاح لتقويته في المنطقة. لكن هذا الدَين مشروط بالتبعية والإيفاء بوقت لاحق, فكان لابد من البحث عن مصادر أخرى. اتجهت جبهة النصرة في البوكمال للسيطرة على الحقول النفطية بظل انشغال الكتائب بقتال النظام, ولصرف الأنظار كانوا يرسلون الانتحاريين والسيارات المفخخة إلى جبهات القتال لإثبات مشاركتهم في المعركة وكرسالة تهديد لبقية الفصائل بوجود الانتحاريين المستعدين للموت لأجل التنظيم.

 

توسعت جبهة النصرة وأصبح مقاتلوها بالمئات, ولم تتهيأ لهم الفرصة بالسيطرة المطلقة على المنطقة, فوجود الكتائب الأُخرى حال دون هذا الأمر, ولم يكن بمقدورهم مقاتلة الكتائب الموجودة كي لا يلفتوا الأنظار وينقلب الشعب عليهم. سيطرتْ النصرة على المواقع الغنية في المنطقة وأنشأت محاكم شرعية لفرض احكامها القضائية وكانت تحاول استمالت الشعب لها من خلال توزيع بعض المواد الغذائية والمحروقات والتي لم تكن تعادل واحد بالألف مما نهبوه.

تعد السيطرة على حقل كونيكو للغاز وحقل الورد والعمر للنفط من أكبر السرقات في المنطقة, فالناتج كان يُقسم إلى ثلاث اقسام, القسم الأول لصالح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق, والقسم الثاني لتقوية فرع القاعدة في سوريا, أما القسم الثالث فكان يباع للنظام السوري بشكل مباشر. ولمعرفة حقيقة عائدات حقل كونيكو وحده, فقد كان هنالك سيارات تأتي من قبل النظام كل يوم خميس محملة بمبلغ 600 مليون ليرة سوريا ثمن المحروقات والغاز الذي يباع للنظام, علماً أن هذا المبلغ هو حصيلة الأسبوع فقط.

بررت جبهة النصرة أمور البيع مع النظام بأن النظام يأخذ الغاز ليعطي الكهرباء للمنطقة, وانطلت الحيلة على الأهالي لفترة من الزمن, لكن مع تكرار حوادث ضرب خطوط الغاز الذاهبة للنظام, كشف عناصر النظام أن الكهرباء ليس لها أي علاقة بالغاز وأنه يدفع ثمن الغاز ولا يتلقى ثمن الكهرباء.

بدأت الأعين تتجه لانتهاكات النصرة في المنطقة, فعلى الرغم من عدم سيطرتهم الكاملة على المنطقة, إلا أن عنجهية عناصر القاعدة والنظرة الدونية التي كانوا يرمقون العالم بها بدأت تثير المشاكل, فكان رد النصرة باعتقال من يخالفها بعد أن أصبحوا قوة لا تقل شأناً عن بقية الكتائب. عملت النصرة هنا على إشاعة مسمة الصحوات في المنطقة على كل من يخالفها الرأي, فطبيعة المنطقة كانت ترفض هذا المسمى ومن يندرجون تحته, فاسم الصحوات مرتبط بالمجموعات التي انشأتها أمريكا في العراق لقتال القاعدة, لكن الأهالي هنا لا يكرهون المصطلح حباً بالقاعدة بل كرهاً بأمريكا وكل من يعمل تحت رايتها, ولنظرتهم لجموع الصحوات في العراق على أنهم مرتزقة انتمائهم للأقوى وليس للوطن. ما زاد الأمر سوءاً هو إعلان بعض الدول الاجنبية تقديم الدعم للكتائب العاملة تحت مظلة المجالس العسكرية فاستغلت النصرة هذا الإعلان كمثبت لادعاءاتها  أن كل من يخالفها هو مشروع صحوات في المنطقة.

لم تعد القاعدة ممثلة بخمسين شخصاً في المنطقة, فمع بداية 2013 وصل عدد عناصر التنظيم في المنطقة إلى 4000 مقاتل وهو نصف عددهم في مجمل المناطق السورية, فكانت المنطقة الشرقية هي مصدر قوتها.

 

من ايجابيات هذه المرحلة :

  • عدم تفرد القاعد بالحكم بظل وجود كتاب أُخرى وقفت بوجه هذا المشروع.
  • مساندة القاعدة لبعض العمليات ضد النظام السوري لذر الرماد في العين عن طريق السيارات المفخخة التي لعبت دور مهم في السيطرة على نقاط تتبع للنظام.
  • انتباه المدنيين والكتائب عن خطورة الفكر القاعدي في المنطقة ومحاولته الاستفراد بالسلطة والعمل من اجل مشاريع خاصة لا تصب في مصلحة الثورة.

 

أما عن بعض السلبيات:

  • تبعية المنطقة لقرارات تنظيم الدولة الاسلامية في العراق ” تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين سابقاً”
  • نهب خيرات المنطقة لصالح النصرة.
  • عودة القمع إلى المنطقة نتيجة اعتقالات النصرة.
  • انشقاق في صفوف مقاتلي الكتائب الاخرى بين داعم لهم معتبريهم ” كتيبة اسلامية” فقط ولهم خبرة في القتال يمكن الاستفادة منها.
  • تخبط المدنيين بين رافض لوجود النصرة وبين داعم له فخلق حالة من الصراع بينهم.
  • المحاكم الشرعية التي كانت تحكم بشرع النصرة.
  • تراجع وتيرة الثورة عن السابق وانحصار العمليات العسكرية وتحولها إلى الحالة الدفاعية في احياء المدينة وحصار كاذب حول مطار ديرالزور العسكري.
  • انحراف بعض الكتائب عن خط سير الثورة كرد فعل على ممارسات النصرة.

 

 

رأت النصرة أن بقائها في أقصى الشرق هو بمثابة انحصار لهم يحد من المخططات الأكبر بجعل سوريا كاملة تحت سلطتهم, فعلى الرغم من وجودهم في مناطق أخرى, إلا أن هذا الوجود محدود وغير كافي في تلك المناطق, كما أن وضع الكتائب في بقية المناطق كانوا أكثر عدداً وعتاداً منهم, كما أن المسافة الطويلة بين أذرع القاعدة تضعهم في خطر مهاجمتهم من البقية دون وجود امكانية لصد هذا الهجوم. فكان القرار بالسير تدريجاً باتجاه العمق السوري, فاتجهت الأنظار إلى مدينة الرقة التي كانت على أبواب التحرير, وبدخول الرقة تتوسع مساحتهم الجغرافية وعددهم, كما أن الرقة ستكون عقدة وصل بين جميع مجموعات القاعدة في سوريا. فالنصرة الأن بقيادة أبي محمد الجولاني تحولت لرقم صعب في المعادلة السورية عموماً وفي شرق سوريا خصوصاً وأصبح الوقت مهيئ للتوغل أكثر في العمق السوري وزيادة المكتسبات.

دخلت النصرة إلى مدينة الرقة كشريك في عملية تحريرها من نظام الأسد, ونتيجة وجود حركة أحرار الشام كشريك في التحرير سهل من مهمة النصرة ببث فكرها, فكلاً من النصرة والحركة يحملون ذات الفكر القاعدي بينهم. ومع توسع النصرة أكثر تحولت من ابن بار لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق إلى منافس لذلك التنظيم, فمكاسبها في سوريا زادت عن الحد المتوقع لها وأصبحت تنظر لنفسها كقوة أكبر من تنظيم العراق, معتبرين أن تنظيم العراق هو فرع عن تنظيم القاعدة الكلي, فلماذا لتبعية للفرع في ظل وجود الأصل.

لم يستسغ فرع العراق هذا الأمر, وحاول التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مصالحه في سوريا, فأعلن عن استقلاليته عن القاعدة وإعلان ما يسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” في 9 نيسان 2013 مطالباً جبهة النصرة بالعودة إلى عصا الطاعة, لكن النصرة وبالحالة التي وصلت إليها لم ترى بهذا الإعلان خطراً عليها. إلا أن الأمور لم تجري كما تشتهي النصرة, فانشق عدد كبير من عناصر النصرة في الرقة وديرالزور ملتحقين بالتنظيم الجديد وإعطاءه الأحقية بهذه البيعة, فضعفت النصرة وانخفض عددهم لتُجبر على الخروج من مدينة الرقة تحت ضغط داعش, واكتفت بالتمركز في ريف الرقة وديرالزور للملمت الجرح والعودة مجدداً, ومع نهاية 2013 عادت النصرة للدخول مجدداً إلى مدينة الرقة في تحالف مع حركة أحرار الشام لصد توسع داعش. لم تعارض داعش هذا الأمر بظل وجود كتائب الجيش الحر وحركة احرار الشام والنصرة في المدينة, فأعلنت داعش الهدنة مع الحركة والنصرة وأخذت بتصفية كتائب الحر من المدينة تحت أنظار الحركة والنصرة معتبرين أنهم صحوات يعملون على وأد الكتائب ذات الفكر السلفي الجهادي.

 

وبالمرور على واقع الرقة في تلك الفترة, فمع بداية تحرير الرقة, سارعت جبهة النصرة للسيطرة على مبنى المحافظة واتخاذه كمقر رسمي لها منذ اليوم الثاني للتحرير في ظل انشغال الكتائب باستكمال تحرير المدينة وتمشيطها. في بداية التحرير كان هنالك فراغ في خدمات المدينة نتيجة غياب المؤسسات والدوائر الحكومية, فعمد نشطاء المدينة لتشكيل مجموعات شبابية لملء الفراغ, واتخذت هذه المجموعات مهمات بسيطة كتنظيف المدينة وتهيئتها لتكون مثالاً يحتذى به لدى المدن التي شارفت على الخروج من سيطرة الأسد.

في الجهة الأخرى من الوضع كان هنالك جهات عسكرية تعمل لأجندتها الخاصة وعمل على التوغل أكثر في تفاصيل الحياة اليومية, ومشكلة وجود مجلسين محليين أحدهما شُكل من قبل اشخاص, والثاني تم فرضه من قبل الائتلاف أجج التوتر في المدينة.

بدأت الخلاف بين المجلسين, فمنهم من أراده خدمي ومنهم من أراد تحويله لمشروع سياسي ليتم استغلال هذا الوضع من قبل النصرة وداعش واعتبار هذه المجالس تتبع للغرب وتكفير اعضاءها لتسهيل مهمة استئصالهم من المدينة. ومع مرور الوقت بوجود هذا الصدع, كانت تتوسع النصرة وداعش في المدينة وتستولي على مكتسبات أكثر.

مع اعلان داعش نفسها في المنطقة وانسحاب جبهة النصرة إلى ريف الرقة وتسليم مقراتها لداعش, بدأ الصراع بين القوى المدينة والجيش الحر من جهة, وتنظيم داعش من جهة أخرى, لكن هذا الصراع قد حسم لمصلحة داعش. فبدأت داعش بتنفيذ استراتيجيتها عبر حملات الاعتقال العشوائية والخطف برسالة واضحة لكل من يعادي التنظيم. كانت الرسالة واضحة, واخذت المنظمات الشبابية بالتناقص وتخلو الساحة من العمل المدني إلا في بعض الحالات المحدودة.

عملت داعش على تطبيق قوانينها بوصفها دولة من خلال فرض ضرائب مالية على المحلات التجارية لقاء الحماية وفرض تشريعات خاصة بهم, وتدخلهم في التعليم واللباس وسير الحياة اليومية.

بعد أن اطمأنت داعش إلى قوة تحصيناتها دعت في مرحلة رابعة إلى اجتماع موسع مع الفعاليات المدنية المتبقية وشيوخ المدينة في كفتريا Negative  بتاريخ17/10/2013، حيث حضر حوالي 300 ناشط بالإضافة لممثلي داعش، وجه النشطاء اسأله لداعش عن ممارساتها في المدينة والحال المتردي الذي وصل إليه الوضع, وكان عناصر التنظيم يستمعون والبسمة على وجوههم, وفي ذات اليوم, تم اغتيال أحد النشطاء الذين انتقدوا التنظيم, وبعد اربعة ايان تم اغتيال “مهند حبايبنا” الذي كان من بين المتحدثين أيضاً, لتكون هذه الحادثة القشة التي قسمت ظهر البعير, فهرب عدد كبير من نشطاء المدينة إلى أماكن أخرى خارج سطوة التنظيم.

 

استطاعت داعش القضاء على وجود الجيش الحر في المدينة وبدأت بالخطوة الثانية للسيطرة على المدينة ككل, فعملت على اتفاق مخفي مع النصرة من أجل القضاء على حركة احرار الشام, فمهما بلغت الحركة من فكر جهادي لم يكن هذا الأمر كافي بنظر كلاً من النصرة وداعش, فبدأت معركة السيطرة على مدينة الرقة بظل انسحاب النصرة منها لتلحقها الحركة كون أن المعركة خاسرة. فسيطرت داعش على كامل المدينة في  12/ كانون الثاني/ 2014 بعد معارك استمرت 8 أيام مع عناصر يحملون فكر الجيش الحر استمروا بالدفاع عن المدينة.

 

بعد السيطرة على مدينة الرقة من قبل داعش, تنبهت الفصائل في ديرالزور أن الخطر قادم لا محالة, فلابد من توجيه ضربة استباقية للتنظيم قبل أن يتمكن من المدينة, خصوصاً مع بدء داعش اعادة سيناريو الرقة من جديد في مدينة ديرالزور وريفها, فعملت على اعتقال  أشخاص من الجيش الحر بتهمة عمالتهم لجهات خارجية. حاولت كتائب الجيش الحر التحالف مع النصرة وحركة أحرار الشام كونهم من أكبر الفصائل في المنطقة ويملكون عداء جرح لم يلتئم مع النصرة, إلا أن كلاهما رفض الأمر بذريعة “حقن الدماء”, فدخل الجيش الحر بمواجهة منفردة مع داعش. عملت كتائب من الجيش الحر في المحافظة على تنظيف مناطقهم من عناصر داعش, فكانت أولى المدن هي مدينة البوكمال, فتم مداهمة مقرات داعش والسيطرة عليها وطرد العناصر خارج المحافظة وإعلان تنظيم داعش كعدو للثورة السورية, فراحت الكتائب في باقي المدن باتباع هذه الخطوة, حتى باتت المحافظة خالية من عناصر داعش بالكامل مع نهاية شهر اذار 2014.

سبق هذه المرحلة بأيام قليلة مبايعة المدعو صدام الرخيتة ” صدام الجمل” من مدينة البوكمال لتنظيم داعش, علماً أنه كان من ضمن طاقم هيئة الأركان التابعة لسليم ادريس, ولم يكتفي الرخيتة بالمبايعة فقط, فقد سلم للتنظيم شحنة اسلحة كانت قادمة لهيئة الأركان تحوي على ذخيرة وسلاح ثقيل ساهم كثيراً بتقوية داعش على غيرها في الشرق السوري واعلاء شأن صدام لدى التنظيم.

في ظل تخاذل النصرة والحركة عن مساندة الجيش الحر, رأت داعش أن الوقت قد حان للسيطرة على ديرالزور فبدأت التقدم من الجهة الغربية والشمالية من المحافظة, والضغط من الجهة الشرقية خصوصاً بعد وقوع المناطق الحدودية العراقية تحت سيطرة داعش, فأصبحت المحافظة بين فكي كماشة. عملت داعش على حرب استنزاف على حدود المحافظة, لم يكن الغاية التقدم, بل اضعاف الفصائل الموجودة, فدخلت النصرة وحركة احرار الشام على الخط بمشاركة خجولة, فكلاهما كان يعد بأرتال قادمة من بقية المحافظات لفك الحصار عنها, وفي الوقت الذي كانت المنطقة بحاجة إلى السلاح والذخيرة والعناصر المقاتلة, كانت مساعدة النصرة والحركة من المناطق الأخرى بعرض ارسال الأموال فقط بذريعة أن المدينة محاصرة ولا يمكن المجازفة بإرسال الإمدادات.

 في العاشر من شهر نيسان 2014, شن داعش هجوماً بقيادة صدام الرخيتة من العمق على مدينة البوكمال, ففي تمام الساعة الخامسة فجراً, دخل رتل لتنظيم داعش قوامه 150 مقاتل من جهة البادية يرفع أعلام الجيش الحر وجبهة النصرة, تفرق على حدود المدينة وانتشر العناصر في الشوارع واستطاعوا السيطرة على المقرات وبعض النقاط الحيوية في المدينة ونحر 72 شب, احتاج الجيش الحر ثلاث ساعات للملمت الصفوف وشن هجوم معاكس لاستعادة السيطرة على المدينة, بعد أن حصل على مساندة من بقية المناطق وسط تخاذل من النصرة التي اغلقت ابواب مقراتها واكتفت بحماية بيوت قادتها. ساندت كتائب الريف المدينة وعملت على وضع عناصر داعش داخل الحصار وفتح اكثر من جبهة ضدهم, ومع مرور الوقت كانت أرتال الإسناد تصل إلى المدينة, والحق يقال أن حركة احرار الشام ارسلت رتلاً ضخماً إلى المدينة ساهم بالضغط على عناصر داعش من الجهة الغربية للمدينة, لكن أياً من هذه الأرتال لم تشارك في العملية العسكرية داخل المدينة, بناء على طلب كتائب مدينة البوكمال خوفاً من الالتباس بينهم وبين عناصر داعش. ومع قرابة الساعة الرابعة, كانت المدينة تحت سيطرة الجيش الحر مجدداً واسر وقتل عدد من عناصر داعش المهاجمين.

 

لم يكن هدف تنظيم داعش السيطرة على المدينة, فالرتل الذي تم إرساله صغير نسبياً مقارنة ببقية أرتال التنظيم التي تُرسل للسيطرة, بل هدف التنظيم لاستكشاف حال المدينة ومدى إمكانية السيطرة عليها ومن سيقاوم ومن سيسلم نفسه, كما أن داعش من خلال الهجوم اوصلت رسالة لفرعها في العراق بالجاهزية لفتح الحدود بين البلدين إذا ما حصل على المساندة اللازمة من الجهة العراقية. وللأمانة فقد كان هنالك أعمال فردية من عناصر يتبعون للنصرة دافعوا عن مدينة البوكمال وشاركوا بالقتال ضد تنظيم داعش رغم أوامر قيادة النصرة بعدم الاقتتال مع داعش والاكتفاء بالدفاع عن النفس واعتبار عناصر تنظيم داعش “أخوة في العقيدة”.

 

عاودت داعش مجدداً حرب الاستنزاف, وبدأت الأعين تتجه إلى النصرة التي اعتبرها كثير من اهالي البوكمال على أنها خائنة وتمت مقاطعة النصرة وتنبيه العناصر بالحذر من التعامل مع النصرة وتشكيل مجلس اسموه ” مجلس شورى المجاهدين” الذي جمع كل فصائل المنقطة بما فيهم النصرة للاستفادة من عددهم الكبير وفي محاولة لإرجاعهم إلى خط المواجهة مع داعش. في هذه الأثناء كانت العمليات العسكرية في العراق على اشدها وسط تقدم كبير لداعش على حساب الجيش العراقي وسيطرتهم على مقرات عسكرية ضخمة, فتم اجراء مراسلات كُشفت لاحقاً بين النصرة وداعش تنص على مساندة النصرة لداعش في العراق بعملياتها العسكرية  مقابل السماح لعناصر النصرة باغتنام السلاح الذي يعثرون عليه في المقرات العسكرية في العراق. وهذا ما حدث فتوجهت ارتال النصرة من محافظة ديرالزور إلى مدن عراقية حدودية للقتال جنباً إلى جنب مع داعش وسيطرو على قطعات عسكرية وسيارات همر بأعداد كبيرة, حتى أن سيارة الهمر كانت تُباع بسعر 4000 دولار في ديرالزور.

كانت دعوة داعش للنصرة بهدف جرها إلى نفس الصف واستطاعت داعش الحصول على هذا الأمر, فالنصرة باتت حليف لداعش في العراق وفصيل محايد يميل إلى داعش في ديرالزور ومع هذا التحالف الجديد كان الوقت قد حان لبدء الخطوة التالية لداعش بالسيطرة على المحافظة.


حوض الفرات ما قبل حكم الأسد الأب | القسم الأول

تفرد حافظ الأسد بالسُلطة | القسم الثاني

حماة | القسم الثالث 

التنافس داخل العائلة الحاكمة وأثره على منطقة حوض الفرات. | القسم الرابع

مقتل الباسل يربك النظام ويهيء لوصول بشار للسلطة | القسم الخامس

بداية الثورة في الشرق السوري | القسم السادس

اقتحام البوكمال للمرة الأولى بالدبابات | القسم السابع

مؤتمر الحوار الوطني القديم المتجدد | القسم الثامن

أصدقاء الشعب السوري حلفاء لنظام الأسد |القسم التاسع

عسكرة الثورة في الشرق السوري |القسم العاشر

الثورة المسلحة وحكم الجيش الحر | القسم الحادي عشر

أغيد الخضر

مُدون ومحرر سوري، من مواليد مدينة البوكمال في ريف ديرالزور، حاصل على شهادة الليسانس من كلية الآداب قسم اللغة العربية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.